Top Ad

‏إظهار الرسائل ذات التسميات جمعويات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جمعويات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 19 أكتوبر 2025

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الدخول المدني 25/.26. مستجدات وتحديات

        في الحقيقة، يأتي الدخول المدني الجديد 25 26/وقد جرت مياه كثيرة تحت جسر العمل المدني/الجمعوي وطفت فوق مختلف مجالاته وبللت منه الوسائل والأهداف والفاعلين والفضاءات..، مما سيجعل مراكبه الصامدة ستمر مضطرة وبشكل غير طبيعي فوق الجسر لا تحته كالمعتاد، خاصة إذا لم تعي بهذه الدينميات الاجتماعية والتحولات العميقة وتأخذها بعين الاعتبار في مراجعة الأهداف والوسائل وتحديد المقاصد والأولويات والمنطلقات والحوامل والمحامل..، ترى، ما هي هذه المستجدات الطارئة والصارخة؟، ما تحدياتها الانشطارية؟، وما المطلوب لتفادي حكاية " المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى"؟.

 

         كثيرة هي التغييرات الواقعية والميدانية التي أصبحت تفرض على المجتمع المدني/الجمعوي كغيره من الفاعلين الاصلاحيين، تفرض عليه التغيير والعمل الميداني المتجدد بما يلبس الناس لبوسهم ولبوس عصرهم ويناسب لغتهم والحاجيات والتوجهات والبراديغمات المدنية الجديدة على قولهم : " من لم يتجدد يتبدد"، ومن ذلك:

 

1)   الحراك الشبابي لجيل " Z ":

وهو ظاهرة عالمية تعرفها العديد من الدول ك" نيبال.. مدغشقر.. المغرب.. أمريكا.. اليابان.. كوريا.. الفلبين.. إندونيسيا.. نيجيريا.."، حركة تهتم بالقضايا الاجتماعية المعقدة والمزمنة للدول كالصحة والتعليم والبيئة والتنمية وغيرها من مستلزمات العدالة الاجتماعية كما تمليها الثورة الرقمية.. الحرية والكرامة والمساواة والدمقرطة والتنمية والانصاف..، صحيح هي ظاهرة مرتبطة بالأنترنيت والعالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات المنتشرة..، لكنها تطرح سؤالا عميقا وجوهريا حول التنظيم.. والمعرفة.. والعمل.. والقرابة.. والهوية والقيم.. وحول.. وحول..، وحول الوسائل التقليدية للتأطير في المجتمع، حزب ونقابة.. جمعية وأندية..، كان ندوة أو محاضرة، ورشات تكوينية أو مسابقات ثقافية.. أمسيات فنية أو دوريات رياضية..، هل استنفذت أغراضها وحمولتها التربوية، هل فقدت من بريقها وسحرها وجودتها وقدرتها على التجميع؟، هل أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة الحرة هي البديل؟، أم أن منطق التأطير الأول الذي كان يعتمد التكوين والتأهيل والانتماء/الانخراط، لم يعد يقبل غير الحرية والتكوين واللا انتماء أو الانتماء الافتراضي السائل دون التزام ولا قيود ولا واجبات؟، انتماء زئبقي يجعل من صاحبه قد يعطي صوته وموقفه لقضية ما ، لكن من خارج دعاتها وهيئاتها وتبعاتها؟.

 

مسألة أخرى، وهي أن الجيل " Z " كما يبدو قد تحرر  من كل السلطات/التسلطات ومن كل انضباط المؤسسات خاصة تلك التي دأبت على الوصاية على الأخر وعلى إفراغ الأشياء من المعنى وهو مبرر وجودها، والداعي إلى خدمة قضايا الناس وفق حقوقهم وإشراكهم، مما أكسبه يعني هذا الجيل، جرأة غير مسبوقة بقول الحقائق عارية كما هي كتخلف وضعنا الصحي والتعليمي والاصلاحي عامة والدي أصبح يغرد به الجميع اليوم عكس ما كان الكثيرون بالأمس يطبلون لإخفاقاته ومشاريعه الفاشلة وغير العادلة؟، فهل يستطيع من يريد التواصل معه أن يكتسب شيئا من لغته الصريحة التي قد يسميها البعض وقحة وهي مجرد لغة واقعية ونفعية تدعم من يرفع شعار الحكامة وتراعي المصلحة والنتيجة قبل كل شيء، أم أن الانضباط للمؤسسات وتوازناتها  والمراسيم والتعليمات.. ستحول بينه وبين ذلك وبالتالي بين التأطير أو حتى مجرد التواصل لا على التعاون ولا على غيره؟.

 

2)    مشروع إصلاح مدونة الأسرة واحتدام معركة الهوية والقيم:

وهو مشروع يستهدف إصلاح الخلية الأولى في المجتمع التي هي الأسرة، أفرادها، معايير وأهداف تأسيسها، قيم التعايش فيها تحت سقف المودة والرحمة والتضامن والتعاون، أمساك بمعروف أو تسريح بإحسان..، تحديات متعددة تواجه هذه الأسرة المعاصرة، عرفية وتشريعية وكونية مست بعمق هويتها وقيمها، نمطها ونمط العيش فيها، فأصبحت بؤرة العديد من الاختلالات ومرتع العديد من الأمراض الاجتماعية والتحولات الجارفة، عزوف عن الزواج، تفشي الطلاق، تفكك أسري، فقر عاطفي، ضعف الأنس وغياب الحوار، هدر مدرسي وجامعي، اعتداءات جنسية على الأطفال خاصة في الفضاءات والمؤسسات، بطالة وهجرة قسرية..، فما هي مشاريع القيم التي تساهم بها جمعيات المجتمع المدني في تدارك هذا الفقر الممتد والهشاشة المستشرية، وهي تمتد من الأسرة القرابية إلى غيرها من الأسر المؤسساتية في المجتمع، أسرة الوحدة وأسرة المدرسة وغيرها؟. أين الترافع الجاد والجماعي من أجل إخراج المجالس الدستورية الاستشارية الوطنية التي من المفروض أن تؤطر هذا الورش الوطني الاستراتيجي، "المجلس الوطني للأسرة والطفولة" و " المجلس الوطني للشباب والعمل الجمعوي" على أمل ألا تكون كغيرها من المجالس القائمة والتي تمكننا من رؤية وطنية  تشريحية لمختلف الأوضاع في إطار دولي شمولي فتعطينا تقارير موجهة وأرقام منذرة سرعان ما تتحقق نبوءتها، ولكن السياسات العمومية والقطاعية وكأن شعارها معها لا يزال مع الأسف: " شاورها ولا تدير برأيها".

3)    مرور سنتين على طوفان الأقصى والعدوان الصهيوني الهمجي على غزة/ فلسطين:

سنتين من التدمير العنيف والشامل والابادة الجماعية على غزة، سنتين من التجويع القاتل والتهجير القسري الممنهج، طال الأطفال والنساء وكل المدنيين الغزيين الأبرياء، مما استنكرته كل شعوب العالم ضدا على أنظمتها المتواطئة مع الاستكبار العالمي الغاشم بقيادة أمريكا. والآن، وقد انتصرت المقاومة بفضل الله وجهادها الباسل وتضحيات شعبها والتفافه حولها وكذا أحرار العالم حولها، ولكن المعركة لا تزال مستمرة متقدة لابد لها من "طوفان الوعي"  لاستمرار اتقاد القضية لا اقبارها أو نسيانها أو الفتور عن مناصرتها في السلم كما في الحرب، لابد من نصرة عدالة الشرائع السماوية والمواثيق الكونية وحمل مشاعلها المضيئة الوضاءة، وخاصة تلك التي تستوجب الحرية والكرامة والعدل والانصاف، وترفض الظلم والعدوان والاستعمار والاستيطان والتجويع والتهجير والحصار القسري للإنسان كل الإنسان، وكل هذا من مآسي الفلسطينيين وملفاتهم الحارقة والمستمرة رغم إعلان وقف إطلاق النار؟. فماذا يمكن أن تقدم جمعيات المجتمع المدني لتساهم به بكل فخر في حمل هذه القيم الانسانية السامية والحقوق المشروعة لكل شعب مستضعف بين أنياب الاستبداد والاستكبارالصهيو/أمريكي الظالم؟، إن المجتمع المدني خلال الحرب الضارية قد أرى العالم كله مبادرات ومناشط لا زال الغزيون في أمس الحاجة إليها.. بل وضع إيقاف الحرب أدعى إلى نجاحها أكثر من غيره، ومن دلك: مناشط وفعاليات التعبئة والتحسيس.. مسيرات النصرة وحملات التبرع ومعارض المنتوجات المتجولة.. أساطيل الصمود لكسر الحصار.. فتح المعابر لإدخال المساعدات.. المساهمة في إعادة الإعمار.. الأدب والفن التضامني الإنساني لإبقاء الذاكرة الجماعية حية مقاومة ممانعة مقاطعة غير مطبعة ولا مهرولة ولا مستسلمة ولا متعبة.. الترافع لدى المحاكم الدولية العليا ضد جرائم الحرب لإحقاق الحق وعدم الافلات من العقاب..؟.

 

إن كل هذا الحراك المدني العالمي الزاخر والمتضامن مع القضية، قد تحركت الكثير من المياه الراكدة والآسنة تحته، خاصة لدى العديد من الجهات والمؤسسات المغرضة كأصحاب "تازة قبل غزة "، وكشف الكثير من التغليط والتعتيم والادعاء الصهيو/ أمريكي، مما يفيد أن تسجيل الموقف من طرف المناصرين أو حتى التصويت لصالح القرار الفلسطيني وحده لا يكفي، بل لابد من " طوفان الوعي" و "طوفان المساعدة" وفك الحصار.. وفتح المعابر، ولابد من مزيد من النضال الشامل على حزمة من الحقوق الأساسية على أرض الواقع، حق الأمن، وحق الاستشفاء وحق التعليم وكافة مظاهر الاستقرار والحياة الآدمية الحرة الكريمة. لا تحسبن الجمعيات أن الأمر قد مر وانتهى، فهناك لا يزال المشردون وهناك لا يزال المهجرون وهناك الأسرى والمسجونون، وهناك.. وهناك، لا تبني لقضاياهم إلا بتكتل الجمعيات الحقوقية منها والاجتماعية الخيرية والثقافية الفنية والتنموية البيئية وغيرها. والجمعيات إذ تقوم بهذا أو شيء منه وفوق أنه التزام ديني وواجب وطني، فإنما هي الرابحة ومن عدة أوجه لعل أهمها الاشتغال داخل الموضوع المدني وليس خارجه، ثانيا، الاشتغال على أهم المبادىء الانسانية والتي لا  بناء ولا تنشئة ولا تنمية وطنية أو قومية من دونها، وبالتالي فالجمعيات في هذه القضية ستأخذ بقدر ما تعطي؟.

 

4)    تضييق بعض السلطات على أنشطة وفعاليات بعض الجمعيات:

هناك أمران في السياق، أولا: رغم الهجرة الكبيرة والجماعية للكثير من الفاعلين إلى العالم الافتراضي والهوية الافتراضية، وتغليب النشاط في هذا العالم الحر والملغوم على النشاط الواقعي والميداني، ورغم أن مثل هذا النشاط الرقمي لا نعرف عن مخاليبه شيئا، ولا زال في الغالب لا يفاجئنا إلا بمواقف وحملات وحراكات ومقاطعات لا قبل لنا بها؟. ثانيا: رغم أن الفتور واليأس والقعود قد تسرب إلى الكثير من الفاعلين و منهم حتى النخبة المثقفة المنزوية، فآثرت الصمت حيث وجب الكلام، وانشغلوا بالشأن الخاص تاركين الشأن العام إلى مصيره وتضارباته؟،  هذان موقفان ولا شك لا يخدمان لا مصلحة البلاد ولا مطالب العباد، ورغم هذا، فإن بعض رجال السلطة لا يزالون يستصحبون مواقف التضييق على بعض الجمعيات القانونية وكأنهم في عداء مستمر مع فاعليها المدنيين وهمهم أن يعترضوا طريقهم ويضيقوا عليهم في مساعيهم المشروعة، ولمصلحة، أكيد أنها ليست لا تنموية ولا وطنية؟.

 

لا وصل إيداع ولو عند تجديد الجمعية أو على الأقل تأخيره لأشهر وسنوات أكثر من اللازم مما يضر بمصالح الجمعية ويفوت عليها الكثير من أنشطتها وفعالياتها؟، رفض تقديم المنح المشروعة وعقد الشراكات المتاحة ودون إعطاء أي مبرر لذلك؟، تحويل الإشعار في الأنشطة إلى ترخيص ورفض منح هذا الترخيص مما يهدر جهود وأنشطة الجمعية الكبرى، رفض الترخيص باستعمال بعض القاعات العمومية التي تمنح للآخرين ولا تمنح لك بمراوغات غير قانونية مكشوفة؟، من هنا يطرح السؤال: هل جاء دور التضحية بالفاعل المدني بعدما ضحي بالفاعل السياسي والنقابي أو يكاد، فأصبح وجوده أو عدمه عمليا عند بعض السلطات سواء، والضحية ما نراه اليوم من شيوع التفاهة والسخافة ومن تراجع الوساطة المقنعة والتأطير المجتمعي المجدي إلى مستويات ضعيفة متردية وغير مسبوقة؟. ولا مخرج من كل هذا إلا بالترافع الجماعي من أجل احترام الحقوق الدستورية للمجتمع المدني وإعمال الحكامة الجيدة والمقاربة التشاركية بمضامين وأشكال حقيقية لا صورية لا تغني مع همومنا شيئا، مع تأسيس الفضاءات الدستورية الوطنية للحوار العمومي الذي ولا شك سيقرب بين العقليات والنفسيات ويتيح الاطلاع بوضوح على كل الرؤى والبرامج ووجهات النظر قصد النقد والتداول والاصطفاء والمقاربة المجالية التشاركية التضامنية، وتبقى مصلحة الوطن فوق الجميع وجهود التنمية تستوعب الجميع، فهل نستوعب بعضنا البعض؟.

الحبيب عكي

 


اقرء المزيد

الأربعاء، 20 أغسطس 2025

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

سنة أولى بعد رحيل الدكتور عبد الفتاح فهدي

    

14- رجل الإبداع في فضاء الإمتاع

        في مثل هذا اليوم، الخميس 22 غشت 2024، رحل عنا أخونا الدكتور عبد الفتاح فهدي، إلى جوار ربه الحنان المنان، نسأل الله لنا وله الرحمة والمغفرة الواسعة وأن يتقبله عنده بقبول حسن، ولا يحرمنا أجره ولا يفتنا بعده، فقد كان رحيله عند أبنائه وإخوته ومؤسساته ومحبيه فقدا عظيما وصدمة قوية وألما اعتصر قلوبنا وخبل أرواحنا، ولكن نرضى بقضاء الله ونؤمن بقدره وإن العين لتدمع والقلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وكل شيء عنده بقضاء وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام، حقيقة جسدها الله في قوله تعالى: " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" آل عمران/185.

 

وأنا أحيي هذه الذكرى الأليمة وإن بهذه المقالة اليتيمة، أذكر نفسي وإخوتي أن الغاية منها ومما سبق وأن كتبناه من مقالات حول المرحوم (13 مقالة تحت عنوان: علمنا الدكتور عبد الفتاح فهدي، رحمه الله)، هو مجرد التذكير ببعض خصاله الحميدة وإنجازاته النيرة في التربية والدعوة والثقافة والعمل المدني..، قصد الاعتبار والانتفاع بها عبر فضاءاته الجمعوية ولما لا كما قال رئيس حركة التوحيد والإصلاح الدكتور "أوس رمال" في حفل "الوفاء" الذي نظمته الحركة احتفاء ووفاء لمن قضوا من أبنائها القادة: تأسيس مؤسسة مدنية باسم "الإخاء والوفاء" تكون مدرسة لحفظ خصالهم وتجاربهم والتدريب عليها ونشرها وتطويرها وهم الذين عافسوا الواقع العنيد وكابدوه حتى استقامت لهم وبصموه وبصمهم بها وهي لا تزال من المداخل والحوامل والروافع والدعامات الأساسية والمعاصرة لما نهتم به في المجتمع من شؤون التربية والدعوة وسؤال النهضة والإصلاح.

 

لقد كان الدكتور عبد الفتاح فهدي، رحمه الله رجلا متعدد الخصال رصين المبادئ ومتقد المواهب، وكل هذا قد جسده في الجمعية التي أسسها هو وإخوانه في فاتح يوليوز 1987 في مدينة الرشيدية بالجنوب الشرقي للمملكة "فضاء الفتح للتربية والتنمية" حاليا، وهي لا تزال جمعية حية وفاعلة وممتدة عبر التراب الوطني تسير على هذه المبادئ تعمل بها وتنشرها بل وتجدد فيها حسب المستجدات والمتطلبات والتراكمات والبصمات..، وقد سبق وأن أشرنا إلى هذه الخصال كعناوين لما سبق وأن كتبناه من مقالات عما تعلمناه من الدكتور عبد الفتاح رحمه الله ومن مدرسة الفضاء عموما ونذكر من ذلك:

1-     في سياق الدواعي.

2-     معنى المواطنة الصالحة، التزام وعطاء.

3-     معنى الانخراط في مشروع الإصلاح.

4-     معنى شعار الجمعية: "تنمية الإنسان أولا".

5-     معنى التضامن مع قضايا الأمة.

6-     رفض الشطط في استعمال السلطة.

 

7-     معنى الأخوة والمحبة والألفة والمودة.

8-     معنى العمل الجماعي والانجاز بروح الفريق.

9-     معنى الانفتاح والشراكة والتعاون والتضامن.

10-سباعيات وتسميات، الدواعي والمسارات.

11-العمل الجمعوي بين إدارة التنمية وتنمية الإدارة

12-العمل المدني بين جمعية الحل وجمعية المشكل.

13-معنى الشغف بطلب العلم وحب المعرفة.

 

                   خصال، فوق ما يربط بينها من وضوح الهوية والمرجعية والرؤية الواقعية والغيرة الوطنية والرسالة الإصلاحية والممارسة الميدانية..، فهناك خاصية مهمة جدا وهي خاصية الإبداع، وما أحوجنا إلى الإبداع على قول "ابن خلدون" رائد علم الاجتماع: " التغيير قاعدة الحياة"، وما ساءت أحوال المسلمين واستفحل تخلفهم في العديد من المجالات إلا لأنهم استأنسوا بالجمود واستمرئوا الاستيراد والتقليد بعيدا عن عناء أصالة الاجتهاد وواقعية التجديد وحداثة الإبداع، وهكذا فقد أبدع المرحوم وإخوانه وفضاؤهم وحساسيتهم الحركية وفعلهم المدني على العموم في العديد من المجالات ومنها التي كانوا هم أول من دشنوها فكان لهم بذلك سبق إضافة الإبداع على الإبداع، وقد تجلى ذلك:

1-  عندما تبنوا العمل الجمعوي العلني في زمن السرية والانغلاق.

2-  عندما اختاروا لفضائهم الجمعوي بعدا إقليميا ثم جهويا فوطنيا في زمن الجمعيات المحلية.

3-  عندما كانوا يغيرون أهداف وأسماء جمعيتهم كل 7 سنوات حسب المستجدات والمتطلبات.

4-  عندما انتقلوا إلى العمل المتخصص في الطفولة والشباب في زمن العمل الشمولي الذي يفعل كل شيء..

5-  عندما اعتمدوا العمل المشترك بين الرجال والنساء في وقت لا تزال فيه المرأة مغيبة عن الجمعيات.

6-  عندما نظموا معارض الكتاب المتجول وأدخلوا عبره آلاف الكتب إلى المنطقة فكوا بها عزلتها الثقافية.

7-  عندما كانوا يعتمدون التدبير الجماعي والتفويض الوظيفي في زمن الاستفراد وقيادة: "ما أريكم إلا ما أرى".

8-  عندما اهتموا بقضايا الوطن والأمة ونظموا لها أسابيع ثقافية حافلة بالمحاضرات والأمسيات والدوريات.

9-  عندما اكتروا لهم مقرا خاصا يسع أنشطتهم، ولم يكتفوا بمن دار الشباب عليهم بسويعات في قاعاتها ..

 

10-   عندما لم ينتظروا لهم منصب خطابة ووعظ في المسجد فصنعوا لهم داخل مقرهم كرسي علم بكل شيء لا زال يشهد بدرس الثلاثاء للدكتور عبد الفتاح، وما حظي به من إقبال كثيف ومستمر من طرف مختلف الفئات.

11-   عندما أسسوا لهم أندية للمطالعة والفكر والحوار ولجنا للرياضة والعمل الاجتماعي، بل أندية فنية للمسرح والإنشاد وقد بنوا لها منصة داخل المقر في وقت كانت فيه مثل هذه الأنشطة غريبة وبدعة.

12-   عندما أنجزوا عقودا من المخيمات الناجحة في فضاءات رسمية زمن المخيمات السرية المتوحشة.

13-   عندما أبدعوا في إعداد المشاريع وعقد شراكات بشأنها مع قطاعات وزارية في زمن الاستنكاف المزعوم.

14-   عندما نظموا تداريب مؤطري الطفولة في وقت كان حظ المنطقة منها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

15-   عندما لا زالت فروعهم تبدع في أنشطتها المتميزة من مهرجانات وملتقيات ورياض أطفال وكفالة يتيم..

16-   عندما انخرط المرحوم عبد الفتاح خلال كل هذا في ملتقى سجلماسة لفن الملحون منذ تأسيسه وكان عضوا فاعلا في مختلف دوراته بعروضه ومداخلاته القيمة، عملا على البحث في التراث ومغربة التربية والثقافة، وهي أهداف طالما تسطرها الجمعيات ولكن لا تنجز فيها شيئا.

 

            ويستمر الفضاء، ويستمر معه ورش التدافع والترافع، يستمر فيه الإبداع والإقناع والإمتاع بروح الفريق والعمل الجماعي، ولا نخشى بإذن الله على فضائنا وروح الأجيال المؤسسة والأجيال اللاحقة فيه تتفاعل ويلهم بعضها بعضا ويساعد بعضها بعضا كل من مكانه وبإمكانه، والجميع كل يوم يضحون من أجل حمل الأمانة واستمرار الرسالة أملا في نيل رضا الله تعالى وشرف خدمة الصالح العام للوطن والأمة، فحفظ الله الأجيال العاملة وهي تحمل المشعل ورحم القاضون منا إلى رحمة ربهم وعفوه وعطفه ومنه، وعلى رأسهم الرئيس المؤسس أخونا الدكتور عبد الفتاح فهدي، وأملنا في الله أن يتجسد في الجميع بعض قوله تعالى: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " الأحزاب/ 23.


                                                                                                  الحبيب عكي


اقرء المزيد

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2024

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

علمنا الدكتور عبد الفتاح فهدي، رحمه الله/12 (الأخيرة)

(الأخيرة)

                           12- معنى الشغف بطلب العلم وحب المعرفة.


 لا شك أن من أهداف العمل الجمعوي بحمولاته التربوية والثقافية والفنية المتعددة الأبعاد، هو الاسهام في البنيات التنموية بشكل عام وتيسير سبلها الرامية إلى التغلب على القهر الطبيعي وكوابح الجهل المتفشي ومكدرات التخلف الأخلاقي والاجتماعي. من هنا يطرح السؤال الحقيقي، ما هو العمل الجمعوي؟، وما هو العمل الجمعوي الذي يساهم حقا في هذا الاتجاه التنموي، كيف ولماذا؟، بل ما هي هذه التنمية المنشودة؟، خاصة وأن تاريخها إلى اليوم، لا زال يؤكد أنها مركب غاية في التعقيد وإن رآها التنمويون بشكل عام :"على أنها تحول شمولي من حالة إلى أخرى تحسب إيجابية وأفضل"، فلا زالت مجمل الدول على اختلاف مستوياتها وتوجهاتها، لا زالت تعافسها وتأبى إلا عدم التطاوع لها بالشكل المطلوب، رغم كل تجاربها الذاتية والغيرية، اقتصادية حداثية كانت أوتبعية سياقية، رأسمالية مركزية أو اشتراكية تشاركية، عمرانية تقنية بيئية أو إنسانية بشرية مستدامة، إلى غير ذلك.

 

وحتى من زاوية الجمعيات، ورغم تزايدها بأعداد هائلة (270 ألف جمعية)، وتعدد مجالاتها ومضاعفة جهودها..، إلا أن معظم المعضلات التي تتصدى لها، تأبى إلا الاستفحال، وكأن الأمر المجتمعي/الفعل المدني مجرد صيحة في واد وذر للرماد في العيون، وكثيرا ما يسمع الناس له جعجعة وبهرجة مرصعة بالمشاريع والشراكات والميزانيات ولا يرون لها على أرض الواقع طحينا فبالأحرى طعاما يستفيد منه المحتاجون إن لم يكن الجميع؟. وهكذا، فالرشوة.. والمخدرات.. والبطالة.. والهجرة.. والغش المدرسي.. والتفكك الأسري.. والتفاهة الرقمية.. وتضييق حرية الصحافة.. وحق كل الشعوب في الأمن والسلام.. والتغييرات المناخية واستنزاف الموارد الطبيعية..، كلها ظواهر مستفحلة رغم وجود العديد غير المعدود ولا المحدود من الهيئات والمنظمات والجمعيات التي تحاربها؟، مما يعني أن هناك خللا في الأمر، إن على مستوى المفاهيم والمنطلقات، أو على مستوى المقاربات والمنهجيات، أو على مستوى الأنساق الحوامل والأنظمة الروافع، أو على مستوى كل ذلك وغيره؟، فكيف يمكن أن نجد رأس الخيط في كل هذا المكبل من الخيوط ونقطة البداية الصحيحة في الانطلاق ؟، نحو يقظة راشدة في عمل الإصلاح، وبوصلة سديدة وجديدة في الرؤية والتخطيط والبرمجة والانجاز؟.  

 

لا منطق سالك ومتماسك عند الدكتور عبد الفتاح فهدي، رحمه الله، وإطاره المدني فضاء الفتح للتربية والتنمية، إلا "العلم" والعلم الحقيقي موضوعا ومنهجا ومجال تطبيق وأعلام اجتهادا وتجديد وإبداع وإمتاع وإقناع، وفي ديننا يقال: "باب العلم قبل العمل". من هنا، كان الدكتور يحب كنز العلم ودخر المعرفة الذي هو الكتاب، وكان لا يرى إلا ومعه كتاب، لا يذهب إلى المدرسة إلا ومعه كتاب، ولا يأتي إلى الجمعية إلا وبحوزته كتاب، وقد أخبرتنا كريمته الأستاذة خلال التأبين أن دارهم كلها كتب، أينما مدت بصرها منذ صغرها وقعت على كتاب، وأخبرني المرحوم عند تقاعده، عندما سألته: ماذا تفعل الآن؟، قال: "أنني متفرغ للكتب والدعوة والمسجد"، وبذلك أعطى قدوة لأبنائه وإخوانه في حب الكتاب والعلم والمعرفة، الفلسفة والمنطق بحكم التخصص، الفكر والثقافة الإسلامية بحكم الدعوة والرسالية، وغيرها من حصاد المطابع بحكم هموم الأمة وتحديات الوطن، وما يلزمان به أصحابهما من بناء الوعي واستمرار الحرص واتقاد اليقظة.

 

 وقد أنجز رحمه الله أطروحته في الدكتوراه في "الفلسفة وعلم الكلام عند الإمام الجويني"، إمام الحرمين والمنطق وعلم الكلام وفقه الأصول، أيام كانت المراجع مجرد مخطوطات، كما بحث في تراث فن "الملحون" ودخل عبره إلى نادي رائده في المغرب تأليفا ودراسة وثقافة قيمية وشعبية المرحوم الدكتور "عباس الجراري" وما أنجزه من دورات فكرية سجالية في هذا الموضوع ( ملتقى وزارة الثقافة الوطني لفن الملحون بسجلماسة)، وكان الدكتور عبد الفتاح، رحمه الله، دائم المحاضرة الشيقة في مختلف أنشطة وتظاهرات الجمعيات وأسابيعها الثقافية داخل وخارج الوطن، كان عضوا في رابطة الأدب الإسلامي وعضوا في الاتحاد العالمي للمنظمات الأهلية في العالم الإسلامي الذي استضاف مؤتمره في البيضاء 2009، ولا ننسى أهم ما بحث فيه أيضا وهو إرث الفيلسوف والطبيب المغربي المرحوم الدكتور "المهدي بن عبود" الذي أسس له رفقة إخوانه في "البيضاء" بعد انتقاله إليها من "الرشيدية" مؤسسة أكاديمية باسمه تدعى: "مؤسسة المهدي بن عبود للبحوث والدراسات والإعلام" وأخرجوا تراث الفقيد في كتاب نفيس من ثلاثة أجزاء عنوانه "رصد الخاطر"، أهداني منه رحمه الله نسخة رائعة.

 

وسيرا على سيرته وخطاه والروح العلمية التي سبق خلقها وتمثلها والسير عيها في الفضاء، سارت ثلة من أبناء الجمعية وطلائعها كذلك على حب العلم والمعرفة خاصة في المعرفة الأكاديمية المتخصصة والهادفة والرصينة، فأصبح منهم من حصل على الإجازة والماستر وحتى الدكتوراه وأصبحوا أساتذة جامعيين، ومنهم من جمع بين الوظيفة والدراسة واقتطع لها وقتا من عمله بعدما سمح بذلك في الجامعة عبر التوقيت الميسر، ومنهم من عاد الآن إلى فصول الدراسة وتوفق في اجتياز البكالوريا أحرار، ولا زال يمخر عباب العلم والمعرفة الأكاديمية حتى بعد سن التقاعد؟. وهكذا بفضل الله وعزم أبناء الفضاء الأوفياء تكونت لدينا في الفضاء طاقة علمية معتبرة وفي شتى التخصصات العلمية والدينية، الإنسانية والاجتماعية، في الفلسفة والمنطق والدراسات والفكر الإسلامي، في القانون والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس..، ناهيك عن التخصصات العلمية والتقنية في مختلف الجامعات المغربية ومنها جامعات.. فاس.. مكناس.. الرشيدية.. الرباط.. القنيطرة.. نتمنى التوفيق للجميع.

 

وكل هذه التخصصات عادت بنوع من الثقة والاستقرار على نفوس أصحابها، رقيهم المعرفي والمهني واستقرارهم الأسري والاجتماعي، تماسكهم وتكاملهم وتطوعهم الجمعوي والمجتمعي، ولكن، لا زلنا نرى كيف يمكن جمع مجمل هذه الطاقة العلمية الأكاديمية واستثمارها كقوة ناعمة لتعميق الفعل المدني للجمعية، وتنمية أبعاده فهما صحيحا أصيلا وممارسة منتجة رصينة، تسير به وبأبنائه ورواده نحو علمية مدنية تنموية أفضل ما تكون، بما تجمعه بين رافعتين قويتين أس وأساس نهضة كل شعب وكل جماعة/مؤسسة ألا وهو الجمع بين العلم الأكاديمي والعمل الميداني، بين الجامعة والبحث العلمي والجمعيات وغيرها من الهيئات والمؤسسات، حتى لا تبقى هذه الأخيرة تؤسس للوهم التنموي أو تنمية التخلف. وصحيح، أنه كانت هناك جهود ذاتية في كل هذا الرقي العلمي والمعرفي للإخوان، ولكن الجمعية برسالتها التربوية وتحدياتها الميدانية وبيئتها الإبداعية تبقى أيضا أكبر حافز على هذا الانجاز العلمي الجماعي، ولأن الأمور بدوافعها وخواتمها، فنتمنى أن نوفق في تفعيل هذه الطاقة العلمة الناعمة للصالح العام بشكل أفضل، ورحم الله من ابتدأها وسار على نهجها وحرص على تشجيعها، أخونا الدكتور عبد الفتاح فهدي، جعلها الله لنا وله صدقة جارية وعلما ينتفع به، وتقبل الله منا ومنه ومن الجميع صالح الأعمال.

                                                                                                 الحبيب عكي

 


اقرء المزيد

الاثنين، 25 نوفمبر 2024

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

علمنا الدكتور عبد الفتاح فهدي، رحمه الله/11

11- العمل الجمعوي بين إدارة التنمية وتنمية الإدارة

1 – إدارة التنمية:

                إن العمل الجمعوي كأي عمل تنموي في حاجة إلى إدارة فاعلة قوية ووازنة، فاعلة يعني تحقق أهدافها المرسومة مع مرور الزمن بل في زمن قياسي مناسب، قوية بمعنى تتسع رقعة تحقيق هذه الأهداف بما يلبي حاجيات أكبر الشرائح الاجتماعية الممكنة، فالخير ما عم وانتشر لا ما خص وانحصر. ووازنة يعني يسهر عليها أشخاص وازنون وليس ما فضل من الناس عن جلائل الأعمال أو ما يعتقد أنها كذلك، فالأشخاص الوازنون بنضجهم و توازنهم و سعة ثقافتهم و أصالة تجربتهم هم الضمانة و الرهان لقيادة العمل الثقافي نحو النمو الراشد و العطاء الواعد و بعيدا عن  الاضطراب والانزلاق أو الاغتراب و الانحصار وبالطبع الضحالة والتآكل والاندثار.

 

                   وإن إدارة جمعوية بهذه المواصفات، وهي ترسم لها أهدافا وتضع لها خططا وبرامج و تبحث لها عن وسائل وإمكانيات...، لابد لها من بعض المنطلقات الأساسية و الأبعاد والمرامي الثقافية التي ينبغي أن تؤطر مجهوداتها في مختلف المجالات حتى تؤتي أكلها وتحقق أفضل مردودية ممكنة، وعلى رأس هذه الأبعاد والمنطلقات:

 

1 – تنمية الأفكار وتشجيع المبادرات: فالأفكار البناءة والجادة والمتجددة هي رهان العمل الجمعوي وكل جمعية تقمع الأفكار في مهدها، لا شك ستقبر المبادرات في عقول أصحابها، لتجد نفسها في الأخير في متاهة الاجترار والضحالة والتجاوز والإحباط والعجز عن إبداع الأفكار التي من شأنها إخراج الجمعية من دوامة القصور والدوران الفارغ، مما يجعل بعد ذلك الجمعية تنتقل من وسيلة للرقي والمساهمة في حل الأزمة إلى أزمة في حد ذاتها يتيه أصحابها   في دواليب مشاكلها المعقدة والمتراكمة والدائمة.

 

2 – إدارة متخصصة في إطار التعاون والتكامل: فالمهام الإدارية أكبر من أن يقوم بها فرد أو أفراد مهما أوتوا من الحنكة والقوة والتضحية المستمرة، والجمعية كما يقال جمعية (يعني مؤسسة) وليست فردية (بمعنى ملكية) يقوم صاحبها أو المتنفذون فيها بجميع الأشغال حتى لو لم يتقنوا أيا منها. في كل جمعية هناك أدوار أساسية لابد أن يضطلع بها أصحابها كما انتدبوا أو انتدبوا أنفسهم لذلك، ومنها المهام الوظيفية من الرئاسة والكتابة العامة وأمانة المال والمحافظة وغيرها، ثم على الجميع - بمقتضى الوضوح والشفافية - أن يضع ما يقوم به رهن إشارة الجميع في المكتب على الأقل، إن لم يكن رهن إشارة غير أعضاء المكتب من مسؤولي الجمعية وأعضائها ممن لهم حق الاطلاع، أو حتى غيرهم من الرواد وممن يرغبون في الاطلاع على ذلك بموجب الحق في المعلومة. لكن، أين كل هذا من بعض الجمعيات التي يقوم رئيسها بمهام العلاقات الخارجية وأشغال الكتابة العامة نيابة عن كاتبه الذي ليس بينه وبين الكتابة إلا الخير، بل و ربما دبج الرئيس المسكين حتى التقارير المالية، خاصة إذا كان لديه أمين مال يعتبر أن تقاريره المالية – إن وجدت لديه - إنما هي شأن خاص ينبغي أن يوضع في محفظته وفي منزله فلا رئيس يطلع عليه فيحاسبه ولا أمين مركزي يجالسه فيجتبي منه ؟!.

 

3 – إدارة ذات مشروع تنموي حقيقي: فكم من مشاريع تافهة تتبناها الجمعيات في حين أن مناطقها الجغرافية وشرائحها السكانية في أمس الحاجة إلى غيرها من المبادرات والمشاريع، الناس العقلاء لا يجتمعون على العبث ولا على المفسدة مهما غلفها أصحابها بالمصلحة، والمشاريع ما كان من الثقافة وإليها وبها دام وازدهر وما كان منها إلى غيرذلك انقطع وانحصر، وكم تستطيع جمعياتنا أن تفعل في الشأن المحلي و الجهوي أو الوطني أي شأن، لا أبالغ إذا قلت أن عطاء بعض الجمعيات الجادة و المحترمة قد تجاوز  وفي فترات وجيزة حتى  عطاء بعض الجماعات المحلية، بل عطاء بعض المندوبيات القطاعية التي قد تكون موجودة ولكنها ضعيفة أو قد تكون غير موجودة بالمطلق، فما بالك إذا كان هناك تنسيق و تعاون بين الواجهتين الرسمية والمدنية وبينهما وبين غيرهما من الواجهات الممكنة وطنيا ودوليا، كل ذلك ولا شك سيجلب المصالح الكبرى للمنطقة وشرائحها الاجتماعية، ولكن النظرة القصيرة والتعامل السياسوي بين الأطراف المختلفة  من سلطات إدارية أو جماعات محلية أو جمعيات مدنية غالبا ما يفوت أكبر المصالح على الجميع، في وقت أصبحت المقاربة التنمية اليوم من القرار المركزي إلى الحكامة التشاركية، هكذا فكل الأرقام موجودة على الساحة،وكل المشاريع  متبناة  في الواقع ولا سبيل لتنمية مندمجة ومستدامة شئنا أم أبينا إلا بالتوافق و التعاون اللازم ما أمكن.

 

4 – إدارة ذات فكر مركزي استراتيجي ومستقبلي: فكر مركزي يجعل همه الأساسي كما قلنا هو تنمية الأعمال الجمعوية وتشجيع المبادرات في هذا الصدد وبدل الجهد من أجل توفير اللازم من الوسائل والإمكانيات لذلك. فكر استراتيجي يستطيع ترتيب كل المبادرات، وتنظيم كل الأنشطة واستثمار كل الوسائل، والإنفتاح على كل الطاقات والكفاءات، ليضع كل منها لبنته الخاصة  في صرح البناء الجماعي ويقطف ثمرة من ثمرات العطاء المجتمعي، فكر مستقبلي يحرر العمل الجمعوي مما قد يعترضه من العراقيل التي قد تأسر فعله في الهامش أو تجمد سيره في الواقع وتحبس نموه في المفيد، فتقعد به في فناء الفراغ أو تتيه به خارج الأهداف المرسومة و الأدوار المطلوبة، الفكر المستقبلي هو الذي يستطيع إنتاج الأفكار المتعددة و البدائل غير المحدودة، ووحدها الأفكار البناءة و القوة الإقتراحية المعطاءة تستطيع فتح العمل الجمعوي على مصراعيه وخارج الصناديق كما يقال، حتى يختار منه قياديوه  ما وجب واستطاعوه و ينال منه رواده حسب الجهد ما يلبي الحاجيات.

 

2- تنمية الإدارة:

           إن إدارة التنمية بالمواصفات السابقة لن تحقق ذاتها ولا أهدافها إلا بتنمية نفسها خاصة في الجوانب التالية:

1 – تنمية الضبط والتسيير الإداري: أو ما يمكن أن نسميه تنظيم و إدارة الأعمال الجمعوية، فهذا جوهر عملها ومبرر وجودها الأساسي، لذا ينبغي أن تعمقه في أفرادها و أن ترقى به لديهم منفتحة في ذلك على تقنيات العصر في التوثيق و التواصل، في التقرير و الإعلان..، لأن الأعمال الجمعوية الناجحة كما يقال لابد لها من خمسة مراحل لا يغني بعضها عن بعض: الفكرة والإعداد لها.. حسن تنزيلها.. تقييمها.. والتوثيق لها.. ولاشك أن المتتبع للعمل الجمعوي كثيرا ما يدرك مدى التدني الفادح الذي قد تتسم به جل هذه الأبعاد خاصة الأبعاد التواصلية الإعلامية أوما يتصل بها من الأبعاد التقريرية التوثيقية، وإن كانت الجمعية جهوية أو وطنية وذات فروع ؟!. هذا في ما بأيديها من وضع المخططات و المشاريع الثاقفية، توضيح الروى ووضع البرامج والميزانيات، التقارير واللافتات والإعلانات، التكاوين وتبادل التجارب، فكيف بما قد يكون خارجا عن إرادتها و إمكانياتها كتنمية الموارد المالية واستقطاب أو استيعاب الموارد البشرية الجديدة؟!، كم من فرع جمعية وطنية لا يتواصل حتى مع مكتبه الوطني؟، كم من جمعية لا تستطيع التوفر على مقر لها وإذا حصلت عليه لا تسطيع تسييره بإحكام؟، كم مكتب مركزي لا يعرف فيما تتخبط فيه فروعه حتى إذا علم عجز عن حل مشاكلها؟، كم من جمعية لا تتوفر على تقرير سنوي لأنشطتها وماليتها؟، لاتعقد جموعها العامة  ولا ينتخب روادها مكاتبها..؟!.هذا كله مما ينبغي تجاوزه في عملنا الجمعوي إذا كنا فعلا نروم مجتمعا مدنيا يستحق أن يكون شريكا تنمويا فعليا و فاعلا، وأعتقد أن لدى الجمعويين من الخبرة والتجربة ما يؤهلهم لذلك إذا أدركوا  فقط حجم مسؤوليتهم المدنية ورغبوا في القبض على الزمن التنموي و الثقافي الضائع.

 

2 – تنمية الاهتمام بالتكوين وبأفكار إبداعية: بواسطة الثقافة و المناقشة و متابعة الأحداث و المستجدات و خاصة في المجالات الثقافية و حركية المجتمع وحراكاته المدنية، لإن الاستسلام للواقع و خمول الفكر لن يولدا لدى المرء غير الفتور و التقاعس و التطبيع مع الواقع الرديء و التبلد به، لذا علينا أن نتسائل دائما عن وسائل العمل ونبحث عن أفكار للتغيير، وننخرط وننسق مع المتاح من مثل هذه المؤسسات التي تصبو إلى هذا الغد الوطني الأفضل، علينا أن نتساءل دائما عن ما حدث ويحدث؟،  ما دورنا وماذا نستطيع أن نعمل وكيف؟. علينا أن ندرك وبكل وضوح أن المجالات الإدارية بمثابة حلقات متماسكة وكل تقنية تدبيرية بمثابة مفتاح إداري، وإن غياب أو إهمال أي حلقة إدارية من مخططات ثقافية ورؤية تربوية، وبرامج وميزانيات، واجتماعات ومتابعات، و تقارير ومراسلات، كل ذلك يشكل خللا في العمل برمته، سواء على مستوى الجمعية أو على مستوى المتعاونين معها أو المسؤولين عليها.. ولكن إتقان هذه الأساليب الإدارية لاتغني فيها مجرد الرغبة في الإتقان عن تملك التقنيات والوسائل و التحكم فيها، فإلى أي حد نتقن تقنية الاجتماع؟، أسلوب الإعلان؟، مضمون التقرير؟، شكل المراسلة؟، أبواب الميزانية؟، سياسة الانفتاح؟، إلى غير ذلك مما يستلزمه العمل الجمعوي و مما لم تعد تجربتنا المدنية تسمح بعدم الإلمام به فكيف بالأحرى الإخلال به؟.

 

3 – تنمية الأخوة والثقة والمشاركة والتعاون و التواصل والانفتاح: وذلك بالتفكير الجماعي في الأعمال و التعاون على إنجازها، لأن الإدارة الناجحة هي إدارة الفريق، عمل المكتب كل المكتب، بل و الأندية و اللجن، وطاقة الفرد مهما كانت فهي محدودة، وغيرمستوعبة، وغير دائمة..، و أفكاره مهما بدت رائعة فقد تكون قاصرة..، ولكن الفريق لن يعمل أو يكون عمله في المستوى المطلوب و المردودية المأمولة إذا لم تسد وسطه الثقة المتبادلة والأخوة والمحبة و الألفة والمودة و الإيمان الجماعي بأهمية الأعمال و تقاسم المسؤوليات والأدوار بما يستوعب الجميع في سداد   وتكامل، لذا على المسؤول الإداري أن يتسائل دائما مادور فلان وعلان، كما على فلان وعلان أن يتساءلا ما دورنا نحن لا نعمل والناس يعملون؟.

 قال الشاعر: قدم لنفسك ما شئت قبل الموت في مهل // فإن حظك بعد الموت منقطع.

وقال آخر : فخذ لنفسك اليوم نورا تستضيء به // يوم اقتسام الورى الأنساب بالرتب.

وقد تكون أعمالنا الجمعوية قاصرة، تلبي حاجيات البعض فيرضى، ولا تلبي حاجيات البعض الآخر فيسخط، لكن أن يسخط الجمعويون بعضهم على بعض وتتمزق لحمتهم الأخوية وتنقلب ألفتهم عداء وبغضا، ويتحول الخلاف في الأراء إلى حزازت و خلاف الذوات، فهذا ما لا خير فيه بالمطلق؟!

 

 4 – تنمية الإيمان بالعمل و الإخلاص فيه لله تعالى: أو بمعنى آخر تجديد الإيمان بالعمل وتصفية القصد فيه لله تعالى، فالإيمان وحده من يحمل صاحبه على التضحية والتضحية  الجبارة لأنها وحدها تحقق الأهداف بفضل الله، وما ينقدنا من الفتور و الدعة أن تكون لنا أهداف في حياتنا وهي ولا شك موجودة، ولكن، لن نكون صادقين ولا جادين في تحقيقها إذا لم نقدم جلائل الأعمال لتحقيق هذه الأهداف، ووحده الإيمان بالأهداف والطمع في الأجر والثواب و الرضا بالإنجازات التنموية والمكتسبات الثقافية ورؤيتها تتحقق على ارض الواقع ويستفيد منها خلق الله، هذا سيجعلنا نضحي من أجلها أكثر، إذن، وحدها التضحية تحقق الأهداف، ووحده بتحقق الأهداف يكون لحياتنا طعما وإيجابية وحلاوة ومعنى، و وحده بالإخلاص لله تعالى تدوم هذه الحلاوة و المعنى في الدنيا ولها ما بعدها في الآخرة، أفلا يستحق مثل هذا أن نضحي من أجله كل التضحيات، ونتحمل من أجله كل الأعباء ومع أناس قد يرضون فيشجعون وقد يسخطون فيعرقلون، قد ينالون فيمدحون وقد يحرمون فيعتبون، قد نميل إليهم و قد لا نميل،قد يوافقوننا في الرأي وقد يخالفون، ولكن مصلحة العمل تقتضي منا التعاون والعمل على كل حال، ولنا خير مثال في المتعاونين العابرين للقارات وقد يكاد لا يجمع بينهم شيء(هم)، وأيضا، في من قد يكاد يجمع بينهم كل شيء ولا يكادون يتعاونون على أي شيء(نحن)؟!.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

التسميات

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المشاركات الشائعة