Top Ad

الأحد، 27 فبراير 2022

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

السياسة عندما تتعبنا وتصدمنا وتخيب آمالنا؟

منذ وعينا وعلى الدوام.. يبدو أن السياسة هي الفاعل الوحيد الأكثر تسلطا على شؤون البلاد ورقاب العباد.. والأكثر خسة.. خيبة وإفلاسا على جميع الأصعدة.. من ناحية الكرامة.. الحرية والتنمية.. العدالة الاجتماعية والمجالية.. إن على الصعيد الدولي أو القومي أو حتى المحلي؟، ولا أدري من أين لهذه العجوز الشمطاء بكل هذا السحر الزائف والجذب الزاحف،  بأسماء ومسميات ظاهرها الديمقراطية والتنمية وتحقيق التقدم والازدهار والرخاء..، وباطنها من قبلها العذاب والمآسي والسيطرة والتفرقة والتخلف والصراع الطاحن، إنها حقا لعبة.. لعبة خسيسة بين المسؤولين والشعوب..، "يوريوها من الربح قنطار ويديوا لها راس مالها".. هم الراكبون على ظهورها، يعلقون أمامها جزرة الوهم التنموي والديمقراطي..، فلاهم يصلون إليها كطعم، ولا هم رغم عذابهم يتوقفون عن السير المضني في طلبها.. تكررت بين القوم مأساة حمار الطاحونة والأطرش في الزفة؟.

 

هل كانت سياسة تلك التي عبدت طريق الاستعمار إلى بلداننا الإسلامية  لعقود وعقود  من مسخ الهوية وضرب المرجعية وحرب الحدود ونهب الثروات؟، هل كانت سياسة تلك التي خيبت آمال الشعوب المجاهدة وهي لا تلو جهدا للحفاظ على مصالح الاستعمار الذي طردته هذه الشعوب الإسلامية من الباب وأعادته المصالح والنحب المهجنة من النافذة؟، هل كانت سياسة تلك المستلبة الخائنة المهزومة التي كانت ولا زالت لا ترى نهضة شعوبها المحررة إلا في اتباع الغرب المستعمر شبرا بشبر حتى لو دخل جحر ضب لأدخلونا إياه؟. أية سياسة دولية تلك التي اغتصبت منا ارض فلسطين السليبة لتمنحها على طبق من ذهب للكيان الصهيوني الغاصب وهي تستقدمه إليها من الفيافي؟، بل وتعمل على تأمين عيشه فيها ولأزيد من قرن من الحروب المأساوية وكوارثها؟، هل غزو العراق وأفغانستان وسوريا واليمن والسودان وليبيا..، كان بدون ضحايا، فقطع ظهر التنمية وأبقى لنا من السلام سلاما؟.

 

أية سياسة وطنية تلك التي تتولد مؤسساتها صورية عاجزة عن أداء مهامها ومبرر وجودها، وتأتي هياكلها المخزنية والحكومية والجماعية بطرق هجينة ضعيفة في الاعتبار الديمقراطي الكوني، لا جهوية حقيقية فيها ولا مركزية، ولكن تحريكها وكأنه فوق القومية واشتغالها سبق الكونية؟. أية سياسة وطنية تلك التي تتولد فيها بعض الأحزاب والنقابات بملاعق من ذهب على غير امتدادها الشعبي ونضالها الوطني وإنجازها الميداني، وتوضع برامجها الانتخابية ومحطاتها النضالية على غير هامشها القطاعي ومردودها الخدماتي، وكأن ليس بينها وبين المواطن إلا مواسم صناديق البرقوق؟، تنادي بالإصلاح ومحاربة الفساد والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة..، وهي مجرد استمرار لكل من كان قبلها  وتراكمه المرفوض في اضطراب القيم وتجميد الأجور ورفع المديونية والتهاب الأسعار وضرب القدرة الشرائية وتحرير المحروقات.. وتكريس كل الملفات السوداء في التعاقد والتقاعد والهشاشة الصحية والتعليمية والاحتقان الاجتماعي المطرد. إن السياسة لا تتغير فقط بتغيير الأشخاص بل بتغيير الرؤى والبرامج وقبل ذلك المؤسسات والصلاحيات؟.

 

وقبل أن يتحقق للشعب شيء من انتظاراته المشروعة على الصعيد الوطني، هل تحقق له منها شيء قبل ذلك على الصعيد الجهوي والمحلي وطالما وعد بأنه سيكون سيد مجاله الترابي ومبادرته التنموية إن سياسيا أو مدنيا أو حتى مواطنا عاديا؟، كثيرون يرون أنه لا شيء ذي جدوى قد تحقق  غير المشاركة في انتخابات كل طبخاتها ليست في يده لا قبلها ولا بعدها.. أما حاجته الماسة من الكرامة والتنمية فدونها مشاريع وميزانيات، وأما هواؤه من الحرية والعدالة الاجتماعية فدونها أساليب سفسطائية وعقليات، وهكذا جل الأمور تسير دون رأي المواطن ولا إشراكه ولا الاستماع إليه ولا حتى لممثليه وبرلمانيه  ولا.. ولا.؟، كم يشتكي المسكين المغلوب على أمره من رداءة الخدمات في العديد من المؤسسات فمن يستمع إليه؟، كم يشتكي المطحون بالبطالة من ضعف قدرته الشرائية والتهاب الأسعار، من حاول فك طلاسيمه ؟ أفضل ما يقع وأسوؤه مقاربة أمنية سيئة السمعة ومنع الوقفات وقمع الاحتجاجات وصرخاتها ودماؤها السيالة لا زالت تلطخ كل الشوارع والشاشات؟.

 

كيف لا يصاب بالهم والغم، من يستمع إلى شباب اليوم وهو يشكو بالدمع الحزين والشيب قد استباح نضارته قبل الأوان،  يشكو المسكين المطحون كيف حرمته السياسة من اجتياز مباراة التوظيف لتسقيف سنها؟، وحرمته من السفر وقضاء بعض أغراضه الإدارية لعدم توفره على جواز التلقيح المجدد وهو "اختجباري"؟، وحرمته حتى من جر عربة مشروبات ومأكولات خفيفة يجاذبها  كل يوم في طواف ماراطوني السيد القائيد والباشا والمخازنية والباندية؟، كيف تحرم الشابات القرويات من المنحة الجامعية على هزالتها ليستقرن المسكينات في قريتهن بعد عقود من الدراسة البيزنطية، ويبدأن مشوارهن العبثي في انتظار الذي قد يأتي ولا يأتي، ولكنه يقحم بهن في تعليم "الروندة" و"سانجير" باسم مشاريع الشباب، أو تربية الأرانب والدجاج باسم التنمية البشرية؟،  ورغمها فلا بديل عن السياسة إلا السياسة، والسياسة ما ينفع الناس ولو لم ينزل به وحي ولا قال به رسول، ولكن، كيف يمكن أن تكون كذلك؟، لابد لها من أن تكون:

 

1-    سياسة وطنية مبدعة لا سياسة سخرة تابعة.

2-    سياسة مؤسسات و صلاحيات.. حكامة ومحاسبة.

3-    سياسة كرامة و حرية.. تنمية وعدالة اجتماعية ومجالية.

4-    سياسة ديمقراطية تشاركية تضامنية تستوعب الجميع من اجل الجميع.

5-    سياسة واقعية وأخلاقية تستجيب لحاجيات المواطنين بمؤشرات واضحة.

6-    سياسة اجتماعية متكاملة ومندمجة مع غيرها من سياسات الاقتصاد والتربية والثقافة..

7-    سياسة رفع الهيمنة والتضارب بين الفاعل الرسمي وغيره من الفاعلين التمثيليين والمدنيين..

8-    سياسة القوانين والمراسيم التنظيمية التي تكون فوق الجميع ويحتكم إليها الجميع لا إلى غيرها.

9-    سياسة جودة الخدمات وتيسير ولوج الجميع إليها على قدم المساواة من حيث القرب والاستطاعة.

10-  سياسة القضاء المستقل والاعلام الوطني الحر والمبادر والمتضامن مع القضايا الكونية العـــادلة.

 

        ترى ما هو رصيد سياستنا المبجلة وإنجازاتها في هذه المجالات، وقد يقبلها القابلون.. ويرفضها الرافضون.. ويتحفظ بشأنها المتحفظون، لكنها تظل بالنسبة للأغلبية المسحوقة الصامتة والصارخة على السواء.. سياسة متعبة.. صادمة.. غير ضامنة للعمل ومخيبة للآمال..، فعبر الحكومات المتعاقبة ما هي الملفات التي تمت تسويتها لفائدة المواطن أو على الأقل تقدت في اتجاه ذلك بشكل مقبول.. التعاقد؟.. التقاعد؟.. حقوق الإنسان؟.. المرأة والطفولة؟.. الشباب والأسرة؟.. التغطية الصحية؟.. دعم القدرة الشرائية؟.. تخفيض البطالة والبطالة المقنعة؟.. العدالة الضريبية؟.. تخليق الإدارة وتنمية القيم المواطنة والسلوك المدني؟.. تشاورية المجالس الترابية.. الشفافية الجمعوية  من حيث منح الوصولات والفضاءات والمنح والشراكات..؟، وكم يدعم هذا التعب المحبط والصدمة الموجعة كل تلك المؤشرات الذيلية التي ما فتئت تحتلها سياستنا في الترتيبات الدولية.. التنمية البشرية(121/189).. الحرية الإنسانية(134/165).. الأمن الصحي(108/195).. جودة التعليم (101/140).. مؤشر الفساد(87/180).. مؤشر الديمقراطية(95/140)../ ترتيبات 2021 إن صح ضجيج أرقامها؟.

 

         مراتب فوق المائة وبالعشرات أحيانا ترتبنا لا في المراتب الديمقراطية والتنموية الصافية.. ولا في المراتب المعيبة.. ولا حتى في المراتب الديكتاتورية.. ولكنها في المراتب الهجينة.. لا من هؤلاء ولا من هؤلاء.. فإلى متى.. وكيف.. وبماذا.. ستكون حياتنا السياسية والاجتماعية أفضل؟، تتبع السياسات هكذا و التنبيه إلى عيوبها وقصورها وانتقاد انحرافاتها.. و.. و..، ضروري، ولكنه لن يجدي في أمر العلاج والتقويم والنهوض بالبلاد والعباد شيئا، ما لم يبادر كل منا هو ذاته من مكانه وحسب إمكانه إلى استيعاب الأعطاب والاختلالات الموجودة وأسبابها وإلى المساهمة في التغييرات والإصلاحات المنشود ومداخلها وحواملها، لا في أفق الجهد والخلاص الفردي وهو السائد، بل في أفق الجهد والخلاص الجماعي، وبكل تلك المقومات السابقة للسياسة والعمل الوطني، وفي مقدمتها أدوات التعلم وبناء معرفة التغيير التنظيمي والمبادرة المؤسساتية وتراكم جهود الإصلاح والتعاون الذاتي، فالأسري، فالمجتمعي الديمقراطي التنموي التشاركي القيمي والتضامني ككل.. والله الموفق؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الأحد، 20 فبراير 2022

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الشباب و سؤال الغزو الفكري.. ما العمل؟

ذكرنا في المقالة السابقة حول "آفات التراجع الثقافي عند شباب الأمة"، أن تراجع الاهتمام الثقافي بشكل عام وفي المؤسسات الشبابية بشكل خاص، يعود بالعديد من الآفات الخطيرة عليهم وعلى المجتمع، لعل أسوأها حالة الالتباس والضبابية والسطحية والغثائية التي يحدثها عند ضحاياه، فلا يعرفون من الأفكار الصائب من الخاطئ، ولا يميزون بعض السلوكات السوية المتينة من غيرها المعوجة المضطربة، ولا يفرقون في تعاملهم ومواقفهم – إن كانت لهم مواقف – بين الصديق الحميم والعدو اللئيم..، وكل ذلك ربما لاضطراب  مرجعيتهم  الفكرية وفقدان بوصلتهم القيمية واختلاط اتجاهاتهم وتوجهاتهم، مما يجعلهم - بلا شك - لقمة سائغة لدى أي طرف مستهدف لهم ومنظومة متربصة بهم، تستطيع موجتها جرفهم بيسر حتى وإن هاجت عاتية ضد أنفسهم ومصالحهم أو مصالح وطنهم وأمتهم؟.

 

من هنا، فإن الاهتمام بالشأن الثقافي الذي ندعو إليه وغيرنا من الغيورين والمهتمين، هو الشأن الثقافي الصحيح.. البناء.. وليس المنحرف.. الهدام.. خاصة وأن الساحة الثقافية والفكرية عندنا كما في كل العالم، تعج بكل شيء تنظيرا وتفكيرا.. ممارسة وتنشيطا، من أقصاه الجدي الهادف البناء إلى أقصاه السلبي العبثي الهدام. كما أن هذه الساحة الواسعة الفسيحة، ملغومة في الشأن السياسي والثقافي وحتى في الحقل التربوي والديني، ولا يحتطب من غابتها بسلام كل من يفتقد مفاتيح الولوج وأدوات الاحتطاب البيئي السليم، و من خانته الرؤية البصيرة والعزم والحزم لا يخرج  من أدغالها بسلام، لأن فيها من الحلقيات الفلكلورية والجوقات السوقية والكلاليب والخطاطيف والفوقعات الهلامية والفرقعات الصورية، ما يجعل المرء لا أرضا يقطع ولا ظهرا يبقي؟.

 

وكيف يبقي الظهر التربوية ويقطع الأرض الثقافية:

1-    من يعود من تعاطيه الفكري وممارسته الثقافية بمجرد الخجل والاستحياء من انتمائه الديني  ولا يجرأ على الإعلان عن هويته وانتمائه فبالأحرى أن يدعو ويدافع عنهما؟.

 

2-    من يرى دينه لا يصلح إلا أن يكون تابعا لا متبوعا.. وبالتالي فهو يختفي عنده بسهولة أمام كل فلسفات ونظريات وقوانين وهرطقات الآخرين، ولا يصلح أن يكون بديلا كما قال رسول الله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: "والله لو كان عيسى بن مريم حيا بيننا لما وسعه إلا أن يتبعني"، أو كما قال هو ذاته رضي الله عنه:" لقد أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"؟.

 

3-    من يرى دينه على غير حقيقته.. جزء بسيط لا كل متكامل.. أو لا يراه شريعة ربانية ذات مراجع وإجماع، بل انحراف من الانحرافات الوضعية من أقصاها البدعي الطرقي.. إلى أقصاها الداعشي الوحشي، هل كتب على الإنسان في اعتقاد هؤلاء ألا يكون مسلما إلا إذا كان متوحشا.. إرهابيا.. متطرفا.. فاشلا.. شبقا.. متخلفا..؟

 

4-    من يلبس دينه كل الدعوات السمية المتطرفة والشبهات الاستشراقية الكيدية المغرضة وهي لا تفتىء تنال من قائدنا الأعظم ورسولنا الأكرم  الذي برأه الله تعالى من فوق سبع سموات وكفاه وأعلاه وارتضاه لنا قدوة وأسوة حسنة، فقال: "وإنك لعلى خلق عظيم"، وقال:" لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ".

 

5-    من في كل الساحة الدينية الشاسعة لم تستهويه إلا المسالك الضيقة الخانقة للتقليد والجمود والاختلافات الفقهية والصراعات المذهبية والفرق الكلامية التي تلزم أهل عصرها ولا تلزم غيرهم، باعتبار ديننا دين التجديد والاجتهاد.. دين الابداع والإقناع والإمتاع لا دين الاتباع والجمود خاصة في ما استحدث للناس من أمور دنياهم.

 

6-    من يخوض غيره في أعراض المسلمين وقاداتهم وعلمائهم وزعمائهم، ولا يجد غضاضة في الاستماع إليه وإقراره على ذلك، بل ربما خاض مع الخائضين دون بينة ولا تحقيق ولا تأكد من مصادر الأخبار ومدى ثقة ومصداقية المدعين أفرادا وهيئات، والتي ربما كان لهم بوق دعاية بكل ما أوتي من صفحات وتطبيقات ولا يبالي..

 

إنه الغزو الفكري ومثالبه المقيدة قيد خيوط العنكبوت.. تخنق ضحاياها في مثالب دين عاجز على غير حقيقته ولا واقعه ولا تاريخه الوضاء وحضارته العريقة التي لا تزال شمسها تسطع رحمة وأخلاقا وإبداعا وإمتاعا على كل العالمين، فهل تستطيع مؤسساتنا الدعوية وجمعياتنا المدنية وقطاعاتنا الحكومية الشبابية والتعليمية والتربوية والتكوينية أن تعيد تربية شبابنا إلى سكتها الآمنة الوسطية بعيد عن كلاليب ومخالب الغزو الفكري وتطرفه الثقافي وفولكلوريته الفرجوية وعبوديته البحثية للغرب وفي مواضيع لا تسمن ولا تغني من الواقع في شيء؟، هل يستطيع شبابنا أنفسهم أن  يتبصروا بحقائق الأمور،  ويتملكوا بأنفسهم مفاتيح أبوابها وعوالمها؟، بلى، إنهم يستطيعون، فقط، بتصحيح بعض المفاهيم الفكرية وبعض الممارسات السلوكية التي تعيد للتدين في حياتهم وهجه وحقيقته.. وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الأحد، 13 فبراير 2022

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

بعد ريان.. كيف ومتى سنخرج نحن من آبارنا ؟

لا أدري، مع رؤية الطفل "ريان" – رحمه الله – يتحرك بين الحياة والموت في قعر بئر معطلة غارقة ضيقة خانقة، لم يستطع كل العالمين إنقاذه منها حيا رغم ما بذلوه من مجهودات جبارة ورفعوه من دعوات صادقة وصلوات خاشعة، لا أدري، كيف تناهت إلى ذهني الكسيحة.. الجريحة.. الشريدة.. في تلك اللحظات الخاطفة، كل تلك الصور القاتمة التي قرأتها عن الآبار ومآسيها ومغانمها ومن بينها: "البئر الأولى".. "البئر العجيبة".. "البئر والأرانب".. "أنا وأخي والبئر".. "بائع البئر والقاضي".. "بئر يوسف".. "البئر القديم".. "البئر الجديد".. "بئر العفاريت".. "بئر القطط".. "بئر الحرمان".. إلى "بئر العمر والأيام".. إلى "ثعلب الصحراء وآبار النفط"..، وكلها حكايات تمكن أبطالها وضحاياها من الخروج من البئر الخانقة إلى حياة أفضل، ومنهم طبعا، من تعثر ولا زال يتعثر في ذلك، رغم كل الإمكانيات المسخرة والجهود المبذولة؟.

 

فحتى لا يتعثر خروجنا من البئر أحياء، هل نستمع إلى ثقافة الآبار، وهل نأخذ بشيء من حكمتها نستضيء به عتمة الحياة؟، فتحكي الأسطورة، أن أول بئر وجدت في الدنيا كانت لقوم خزن سلطانهم قطعة ثلج  في الأرض تحسبا للجفاف أن يصيب مملكته، انصهرت القطعة وشربت الأرض مائها، أفاق القوم وخوفا من السلطان، أخذوا يحفرون عليها أكواما وأكواما من التراب، إلى أن فاض عليهم ماء الأعماق، فتوقفوا ظنا منهم أن قطعة الثلج قد أينعت (طاعة وعمل جماعي). ومقابل ذلك تحكي الحكاية أن أرانب كسالى كانت لهم بئر طالما أمرهم جدهم بالعناية بها وحفر مثلها حتى لا ينضب الماء عندهم فلم يبالوا إلا باللعب، ابتعد عنهم الجد وحفر بئره، أما البئر الأولى فقد تعطلت وشرد الجفاف الأرانب وهجرهم على وجوههم في الصحراء، لولا أن كلب الجد الوفي قد بحث عنهم وردهم إلى جدهم ينعمون ببعض ماء بئره الجديد (الكسل والعصيان)؟.

 

 وحتى لا يتعثر خروجنا من البئر أحياء، هل ندري بواقع رجل تعليم لا حول له ولا قوة، طحنته القوانين والمذكرات، حتى أن حلمه طوال حياته كان - كما تحكي الحكايات - مجرد التمكن من الانتقال من مقر عمله في "البئر القديم"، وبعد طول انتظار وسنوات من العمل دون استفسار، كان كل ما تحقق له أنه تمكن من الانتقال إلى مقر عمل آخر في "البئر الجديد"، نعم، من "البئر القديم" إلى "البئر الجديد"، أمطري أو لا تمطري فكل خراجك إلي، وانتقلي أو لا تنتقلي فالبئر منتهى حدودك، روضتك وابتدائيتك أو إعداديتك وثانويتك، ومن يدري ربما يوما، كليتك وجامعتك؟. الاكتظاظ والفرنسة.. سؤال الجودة والحكامة.. معضلة الإصلاح.. وإصلاح الإصلاح.. آبار التعليم والصحة والنقل والسكن.. سحيقة ساحقة ماحقة، ترى، ونحن قد رفضنا بعض التأخر القهري في إنقاذ "ريان" وقلنا لم يكن في صالحه، هل كل هذا البطء والتبطيء في هذه المصالح الحيوية التي يصطدم بها المواطن كل يوم، ولعقود وعقود، هل هذا سيكون في صالح العباد والبلاد؟.

 

وحتى لا يتعثر خروجنا من البئر أحياء، فإن إخراج "ريان" كان لنا سيرة ونبراسا، اهتمام جماعي بكل الناس ولو في الهوامش، رصد كل الحالات الكبيرة والصغيرة بالكاميرا الرقمية وليس بأعوان السلطة، إزالة كل الحفر والآبار في حياة الناس وما أكثرها، تحرك وتلاحم الجميع من أجل ذلك سلطات وهيئات ومواطنين، كل من مكانه وبإمكانه، تضامن الجميع وطنيا ودوليا من أجل الجميع وليس من أجل فئات معينة فحسب، الوطن يسع الجميع ويحتاج إلى جهود ومبادرات الجميع، إحياء القيم الحضارية لهذا الوطن وامتداده الكوني العريق عبر الأمة العالمية، عمل جماعي جبار وفي حينه حرك الجبال من أجل مواطن، إطعام جماعي (التويزة) .. ترتيل آي القرآن الكريم ورفع الدعاء الخاشع بإيمان وتوكل لا تواكل.. التحميس بالنشيد الوطني.. ضغط إعلامي هادف بالإرسال الشامل المباشر ليل نهار من عين المكان..، هذه أسباب مادية للبشر كانت كفيلة بتحقيق المعجزات، ولكن، تبقى حكمة الله قائمة وإرادته سارية وهو الأعلى والأعلم والألطف في ما قدر وأنزل؟.

 

وحتى لا يتعثر خروجنا من البئر أحياء، هل نحن واعون بأنها آبار في حياتنا وليست بئرا واحدة، وبأنهم أطفال وأطفال وليس طفلا واحدا، ويظل الطفل "ريان" طبعا، سفير الطفولة في المشرق والمغرب بشكل عام، وسفير الطفولة المغربية والقروية منها بشكل خاص، لقد سموه "ريان" ليروي عطشهم وعطش الريف والوطن، وها هو قد قضى ولازال كثير من الوطن في عطش على عطش؟. أطفال الواحة والجبل بدون مستشفيات ولا طرقات..، يتفشى فيهم الهدر المدرسي لغياب وسائل النقل وقلة دور الإقامات..، تحاصرهم الثلوج في الأعالي بين قلة المؤونة وانعدام التدفئة..؟، لا ملاعب ولا مخيمات فبالأحرى دور الشباب والمراكز الثقافية؟، إن كنت تريد ملاقاة الأصدقاء فعبر الهاتف أو انتظر السوق الأسبوعي، وإن كنت تريد إنجاز الوثائق ففي السوق الأسبوعي، هذا السوق الذي يركب رأسه أحيانا فينقلب هكذا بدون مقدمات من المحلي إلى الجهوي والوطني، ومن الأسبوعي إلى السنوي وإن كانت فيه مواسم الزواج والطلاق؟.

 

وحتى لا يتعثر خروجنا من البئر أحياء، كم يلزمنا من الصدق والإرادة خاصة مع إمكانياتنا المتواضعة، وإن كانت متواضعة فهذا ليس عيبا، فنحن قادرون أن نحرك بها جبلا من أجل طفل، بل وحركناه. لكن كيف يجازى هذا الشعب الجبار عندما يطل عليه مسؤول يدعي حزنه على قضاء "ريان" وينسى أن بسياسته العرجاء يسقط كل الوطن في كل الآبار، وها هو المواطن متعبا مصدوما يستنكر دون جدوى: توقيف التنمية في جهة بأكملها.. العمل مقابل الجرعة.. والنقط مقابل الجنس.. و"التقاشير"..  و"الباصاصيص"..  و"الكراريط"..  و"الشكاليط".. ودخان التهاب الأسعار..  و حكاية 17 مليار..؟. هذا النوع من المسؤول كيف يأمنه المواطن أن يكون هو القابض على حبله في "بئره العجيبة" المسكونة وهو في عمقها، حتى إذا صعد منها ما يطرده منها من "عفاريت" أو "تماسيح" وأطلق الناس من الحبل خوفا وهرعوا، أحكم هو الإمساك لأن الأمر يتعلق بأخيه المواطن.. وبوطن المواطن؟. بل ويا عجبا، ألم يصبح مثل هذا المسؤول صاحب البئر الذي باع بئره الغازي واشترط على الشاري المواطن ألا يسقي منه لا الماء ولا البنزين إلا مقابل الدفع والدفع غير المشروط كما أراد، بدعوى أنه باع البئر وحده ولم يبع ما بداخله، أي قاض سيحكم عليه بالعدول عن ذلك، أي قاضي القضاة  سينصف منه ومن جشعه وتسلطه الوطن والمواطن، أبو "تقاشير"؟.

 

أيها الناس، لولا قصر النظر لأدركنا أن كلنا في بئر من الآبار، ولولا ذلك ما كانت الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فلا يغرنكم بئر الحياة الدنيا وما فيه من اللهو واللعب والزينة والتفاخر بينكم والتكاثر في الأموال والأولاد، فإنه كمثل غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شديد، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"؟. ورحم الله صاحب "كليلة ودمنة" وهو يضرب للإنسان مثلا في بئر الحياة الدنيا "بئر الأيام والحرمان" فقال: "التمست للإنسان مثلا فإذا به كمثل رجل خاف من هائج إلى غصن تحته بئر عميقة وقعت بها رجلاه فأمسك بحبلها معلقا، نظر في عمقها فإذا بتنين له أربعة رؤوس ينتظر بفحيحه سقوطه، وفي الأعلى جرذان أبيض وأسود يقرظان باستمرار في الحبل، وهو في مأساته لم يلهيه إلا خلية وجدها بالقرب منه في جدار البئر وبها بقية عسل مهجور، يلحس منه بين الحين والحين إلى الحين؟، فأما البئر فالدنيا وآفاتها، وأما التنين برؤوسه الأربعة فالأخلاط الأربعة في جسد الإنسان، التراب والماء والنار والهواء أو السوداء والبلغم والدم والصفراء، إذا هاج بعضها على بعض كان فيه طبعه وحاله، حياته أو هلاكه، وأما الحبل فالعمر القصير لبني الإنسان، والجرذان الأبيض والأسود هما الليل والنهار يعملان فيه ولابد هما قارضاه ومفنياه يوما، والعسل قليل الحلاوة التي في الدنيا وتشغلنا عن شأننا وأمر مصيرنا في الآخرة"، فرحم الله من كان في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، ورحم الله من كان بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه؟.

 

الحبيب عكي


 

اقرء المزيد

الاثنين، 7 فبراير 2022

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

فضاء الفتح للتربية والتنمية يعزي في وفاة الطفل ريان .

      على إثر الحدث المأساوي الذي ذهب ضحيته الطفل المغربي "ريان أورام" ذي الخمس سنوات، والمتمثل في سقوطه العارض في بئر ضيقة بعمق 32 متر، في قرية "إغران" بمنطقة "تمروت" في مدينة شفشاون، لم تنجح كل جهود الإنقاذ الجبارة وعلى مدى خمسة أيام متواصلة ليل نهار في الوصول إليه حيا، فقدر الله ما شاء فعل، وله ما أعطى وله ما أخذ.

 

1-    بهذه المناسبة الأليمة، فإننا في جمعيتنا فضاء الفتح للتربية والتنمية (جمعية طفولية وطنية)، نتقدم بتعازينا الحارة إلى والدي الفقيد وأسرته وقريته وكل المغاربة وكل المتضامنين معه عبر العالم على كثرتهم أفرادا وهيئات.

 

2-    نحيي كل هذا التضامن الوطني العربي الإسلامي والدولي الواسع مع البرعم الملاك "ريان" في قدره، تضامنا أحيا فينا قيم حب البراءة والتضامن الإنساني من أجل عالم جدير بأطفاله دون تمييز بين اللون والدين ولا اللغة والمكان.

 

3-    نثمن كل المجهودات الجبارة التي بذلتها كل السلطات والدرك الملكي والوقاية المدنية والمجتمع المدني وكل الأفراد والهيئات التي ساهمت في هذه الملحمة الوطنية التي جرفت وفي ظرف قياسي جبالا من الأتربة من أجل الطفولة.

 

4-    نحيي عاليا كل ما ظهر في الميدان بل عبر كل التراب الوطني والأجواء الدولية من أصالة المغاربة وقيم الوطنية، وما حظوا به تضامنا وتآزرا.. تضحية وتطوعا.. إطعاما جماعيا.. إرسالا للنشيد الوطني.. واسترسالا للدعوات...

 

5-    نحيي حضور المجتمع المدني وصموده فاعلين وخبراء وهيئات، ونشكر لهم كل مساهماتهم في الاقتراح والمساعدة والتنظيم واستثمار وسائل التواصل الاجتماعي رغم ما كان من البعض من التلاعب بمشاعر المشاهدين.

 

6-    ندعو الجهات المسؤولة والأسر والجمعيات وكل من يهمه الأمر، إلى تحمل مسؤوليتها في ضرورة التعامل الإيجابي اللازم والمستمر والفعال مع ما أعاده إلى الساحة هذا الحدث الوطني الدولي من أسئلة حارقة وعلى رأسها:  "أية حماية للطفولة في ظل تتالي فواجعها"؟، وسؤال "العالم القروي، أية تنمية اجتماعية وعدالة مجالية"؟.

 

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

الرشيدية في 5 رجب 1443 موافق 6 فبراير 2022.

 

إمضاء رئيس المكتب الوطني للفضاء:

                                                                                         ذ. عبد العالي طلبي


اقرء المزيد

الأحد، 30 يناير 2022

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

آفات التراجع الثقافي على شباب الأمة.

        على عكس الأجيال السابقة، فإن الأجيال الحالية - على ما يبدو - تعاني عوزا شديدا في كل شيء ما عدا التوفر على بعض أدوات التكنولوجيا لمن استطاع إليها سبيلا، أدوات قد توفر لها العديد من اللعب والمتعة والتواصل الافتراضي الكوني، مع شح شديد في فرص الشغل والتشغيل رغم ما تدعيه تلك التقنيات العولمية من فتح آفاق التكوين الرقمي والتشغيل الافتراضي عن بعد والعابر للقارات؟. أجيال غير الأجيال واهتمامات غير الاهتمامات، لكن استقراء الواقع وما أصبح يسود فيه من ظواهر مقلقة ومقلقة جدا، بطالة معطلين.. احتجاجات معنفة.. هجرة سرية.. قضاء في الأعالي.. تطرف و"تشرميل" أخلاقي.. قبول بأي شيء كان عند الآخرين مما كان يرفض ازدراء إذا ما عرض في الموطن المحلي أو حتى القطري.. قيم تحررية مشاعية في العلاقة بين الجنسين.. ضعف روح المواطنة والسلوك المدني.. كل هذا يؤكد أن الحالة لم تتطور نحو الأفضل؟.

 

         وأكيد أن عوامل متعددة قد أسست لكل هذا الواقع الشبابي المتردي، منها مجهوداتهم الذاتية وما تتسم به من فرط الاستهلاكية والاتكالية، ومنها الظروف الأسرية والاجتماعية وما قد تتسم به من انحلال المنظومة التربوية والقيمية وفساد الذوق والمعنى، ومنها السياسات العمومية للدول وتلاعباتها السياسوية التي لا تروم في كثير منها وبالأساس غير المراوغة في وعودها الانتخابية والتنصل من مسؤوليتها اتجاه المواطنين عامة والشباب منهم خاصة. ولكن لعل أخطر سبب هو التراجع الخطير للوعي الثقافي لدى الأجيال المعاصرة، على عكس ما نشأت عليه الأجيال السابقة من بحبوحة الأنشطة الثقافية.. وقراءة الكتب.. وصراعات إيديولوجية.. وحلقات جامعية.. ومسرحيات ثورية.. وإبداعات فنية.. وفرق رياضية.. ومخيمات صيفية.. وغير ذلك مما كان يصنع من الأطفال والشباب رجالا وأبطالا يقودون الحياة كيفما شاءوا ولا تقودهم كما شاءت؟.

 

         اليوم، كل تلك الحركية التربوية والثقافية قد فترت.. تعثرت.. توقفت.. اضمحلت أو تكاد، فقدت محفزات الاستمرار و وسائل النمو والانتشار وجاذبية الاستقطاب حتى، غزت جماهيرها وسائل العصر المبهرة وتقنياته الساحرة وتطبيقاتها الأخاذة، لتترك فراغا مهولا في حياة النشء من الأطفال والشباب وتقذف بهم في متاهات الغزو الفكري والضياع الثقافي والاستلاب السلوكي، بسم.. وبسم.. وبسم، وما أفدح كل ذلك على الوطن والأمة التي لا تزال تمر عليها عقود وعقود وهي تروم النهوض والتقدم، لكن، وكأنها تنهض نحو القعود وتتقدم نحو الوراء، ولكن، من جانب آخر فبماذا ستنهض وشبابها قد أبعد عن المعركة أو أدخلها بغير سلاح، اللهم ما قد يكون من سلاح  يصوبه في كل مناسبة ضد هويته الدينية و مرجعيته الصحيحة وانتمائه الوطني حتى، بل قد تجد منهم وبشكل متنامي، من يحسبون أنفسهم لا قضية لهم ولا ناقة ولا جمل في أية معركة؟.

 

         في الحقيقة، لا نريد التجني على الشباب، فمنهم - ما شاء الله - شباب ناجحون .. متألقون.. مبدعون.. مغامرون.. مقاومون مقاولون مناضلون مجاهدون.. استطاعوا فرض أنفسهم في تخصصاتهم و مقاولاتهم ومشاريعهم بشكل عام. ومنهم النجوم والأبطال .. والأطباء والمهندسون.. الدعاة الناجحون.. وغيرهم من الأطر العليا والمواهب الفذة.. لكن استقراء الواقع واستنطاق الإحصائيات، يفيد أن هذه النوعية من الشباب ليسوا هم الأغلبية ولا هم الكتلة الحرجة التي يمكن أن تحدث المنتظر من التغيير والإصلاح. فإذا - صح ضجيج الأرقام - فإن "مركز الشباب العربي" قد أورد في استبيانه 2020 ، أن في العالم العربي حوالي 30 %  شباب بطالي، و75 % لا يتوفرون على تغطية صحية، و82 % لا يمارسون أي نشاط ترفيهي، وحوالي 60 ٍ% يرغبون في هجرة بلدانهم، و حوالي 30 % فقط متزوجون، و95% متعلمون، و 80 % يستقون أخبارهم من مواقع التواصل الاجتماعي، و 24 % فقط يهتمون بالعمل السياسي مقابل 10 إلى 15 % منخرطون في العمل التطوعي، و31 % منهم في مناطق التوتر، منهم 58 % نازحي العالم و 45%  من إرهابيه و68 % من ضحاياه..؟؟.  

 

         فإلى القيادات الثقافية في الوطن العربي.. إلى القطاعات الحكومية والجمعيات المدنية.. إلى مؤسسات التنشئة الاجتماعية.. من مدارس وإعداديات وكليات.. إلى دور الشباب والمراكز الثقافية والمخيمات.. ماذا عن شبابنا وتصوره الذاتي عن الأنا والآخر؟، عن محيطه البيئي وعالمه الكوني؟، هل يتصور بإمكانية التغيير والإصلاح أم باستحالته؟، هل له رؤية ومنهجية قابلة للتنزيل.. هل يتصور له دور في ذلك ومن أي مكان وبأي إمكان، أم يرد كل الأدوار إلى غيره وينتظر الذي قد يأتي ولا يأتي؟، لماذا الملايين من خريجي الجامعات العربية – حسب الدارسين – ليس لهم دور ولا قيمة مضافة في تنمية الوطن العربي؟، لماذا يعاقرون الإحباط واليأس ويترنحون اليوم خمر وغدا أمر؟. ما هي قضايا شبابنا من خلال وعيهم الفكري ونهجهم السلوكي وانتمائهم السياسي وحراكهم المدني التطوعي؟. ماذا يقولون في التطرف؟ كيف يواجهون التطبيع؟. أم أن أفق الأفق أكل القوت وانتظار الموت.. وأولوية الدراسة والنجاح ولو بالغش؟.

 

         ويبقى الغريق في ورطته وبفطرته يحاول إنقاذ نفسه قبل الاستنجاد بغيره، وإذا علم من قوم أي قوم نية الإيقاع به فإنه يقاوم حتى آخر رمق ولا يستسلم. قد يكون السياسيون والمثقفون والحركيون والمدنيون وغيرهم من الظروفيون والغضروفيون من هؤلاء القوم كما قلنا، وبشكل ما، قد يكونون مسؤولون عن وضع المواطنين عامة و عن وضع الشباب بصفة خاصة،  لكن أبدا يظل الشباب أول المسؤولين عن نفسه وعليه تقع مسؤولية إنقاذها من براثين الجهل والتخلف الثقافي والانحراف السلوكي المعرفي والقيمي..، فهل يمكن أن يسلك الطريق الصحيح والموصل؟، هل يمكن أن يقرأ من الكتب الجادة والمفيدة؟، وكم يمكن أن يحضر من المحاضرات والندوات والمناظرات حضوريا أو عن بعد؟، كم يمكن أن يحرص عليه من دورات تكوينية وتدريبات في التنمية الذاتية محليا وطنيا ولما لا دوليا؟،  بكم يمكن أن يستمتع من أغاني جميلة ومسرحيات هادفة.. وكم يستطيع مع رفاقه أن يبدع منها بدل انتظارها؟.

 

وبما أن الثقافة معرفة شمولية مقرونة بالعمل فكم يمكنه أن يفتح من غرف حوارية افتراضية فايسبوكية مثلا، وكم يمكنه أن يدير من مواقع وصفحات ومدونات كونية؟، كم لغة حوارية سليمة ومهارة مسعفة يملك لذلك؟، في كم يمكنه أن يشارك من حملات تطوعية رقمية أو وقفات تضامنية ميدانية؟، كم يمكنه أن يكتب ويبدع ويمتع على خلفية كل هذه الأنشطة الثقافية الحيوية والانتظارات الوطنية والهموم الكونية، على أي، يقول العارفون أن تقرأ تركيز ومعرفة.. أن تشاهد استرخاء ومتعة.. أن تكتب معرفة ومتعة ..قوة وإبداع.. إن تجدوا شيئا فشيئا، يوما بعد يوم يمتعكم الله بكل هذا أيها الشباب؟.

الحبيب عكي

 

 

اقرء المزيد

الثلاثاء، 11 يناير 2022

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

عبد الله إبراهيم..هل لازال ينتظرنا منذ 11 يناير 44؟؟

      في مطبوع صغير قليل الحجم كثير الفائدة، عثرت عليه اليوم في السوق الأسبوعي عند بائع الكتب المستعملة، وأحمد الله أنني خرجت به من السوق فيما خرج الناس منه بالمعتاد من الخضر والفواكه، لقد وجدت فيه محاضرة قيمة شهية للأستاذ الوطني الكبير السياسي والنقابي والكاتب المغربي المناضل عبد الله إبراهيم (1918 - 2005)، كان قد ألقاها بالمركب الثقافي المعاريف بالدار البيضاء، بمناسبة 11 يناير 1995، التهمتها في سويعات معدودات فأشبعتني وزيادة، ونظرا لأهميتها اسمحوا لي أن أتقاسمها معكم، فقد جمعها وطبعها المنظمون تحت عنوان:" ثورة تقدمية ذات طابع تاريخي تصطدم بقوة رجعية مضادة 44 - 95 ". وقد تحدث فيها المحاضر عن محاور أساسية طبعت حياة المغرب المعاصر كانت ولا زالت تعتمل فيه بقوة وهي: الحركة الوطنية مخاضات الميلاد ومآلات النضال.. تقديم عريضة المطالبة بالاستقلال، المضامين التحررية والإضافات الوطنية.. قوى الرجعية وصراعات المصالح والهيمنة بعد الاستقلال .. حكومة عبد الله إبراهيم كثالث حكومة مغربية (58 – 60).. الكتلة الديمقراطية والباب المسدود (1976 – 1980) ولماذا انسحب منها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.. فشل مسلسل التناوب التوافقي.. شروط النهضة الوطنية الحتميات والأفاق؟.

 

         هذا وقد بدأ السيد المحاضر - رحمة الله عليه - محاضرته بطرح أسئلة جوهرية وأساسية يرى أنه لا نهضة ولا تقدم – طال الزمن أو قصر – دون الإجابة عنها إجابة مجتمعية وسياسية واضحة وتعاقدية بين جميع الأطراف ومن ذلك:

1-    هل يمكن تحقيق ثورة تقدمية دون فلسفة ثورية؟

2-    هل هناك فلسفة ثورية دون ضمان تنفيذ برامجها، ولا يحميها الدستور ولا تدعمها المؤسسات ولا تنبع من الانتخابات..؟

3-    ملحمتنا التحررية الجهادية، هل أضافت البندقية إلى الشعار؟، أم عوضت البندقية بالشعار؟.

4-    معاهدة الحماية (1912)، ما هي الظروف الموضوعية الداخلية التي أدت إلى فرضها والقبول بها؟

5-    الحركة الوطنية (1930 – 1955) هل هي عمل ظرفي؟، أم مشروع تاريخي مؤسس لما سيأتي بعده؟

6-    الحركة الوطنية هل بدأت مع حرب الريف (20-27)؟، أم مع الصيام الغاضب وحركة اللطيف بالمساجد ضدا على الظهير البربري (16 ماي 1930)؟.

7-    وحتى تتضح مداخيل المعالجة، هل الأزمة في المغرب، أزمة حكم وحكام؟، أم أزمة نخب؟، أم أزمة أمة وشعب؟.

 

         ويجيب الأستاذ المحاضر بأن مسؤولية النخبة واردة بشكل قوي، باعتبار طبيعتها البورجوازية (دارسين في فرنسا.. مترجمين معها..).. تموقعها في المدن أكثر من القرى.. فقدانها القدوة وضعف تأطيرها وقيادتها للمجاهدين في المدن والقرى.. عجزها عن توفير العتاد واللوجستيك الجهادي.. حرصها على مصالحها (تجار مع تجارتهم وأعيان مع مناصبهم..).. خذلان بعض مواقفهم(كتبعية بعضهم اللاحقة للمستعمر..)..، لكن صلابة المقاومين في العالم القروي مجاهدين وقبائل، وقوة الاحتكاك والمواجهة بينهم وبين المستعمر في غير ما موقع، قوى من شوكة وتنظيم الحركة الوطنية وعجل بميلادها، وعلى امتداد 34 سنة من عمرها الجهادي (30 - 56) كانت لها العديد من الثمرات على أصعدة شتى نذكر من ذلك ما وقع من التحول من التحالف مع الاستعمار في إطار الحماية إلى التحالف مع الملك في إطار المطالبة بالحرية والاستقلال، وكذلك التحول من المطالبة بالإصلاحات في إطار الحماية إلى المطالبة بالحرية والاستقلال والتقدم في إطار السيادة الوطنية والمعيش اليومي للمواطن والتاريخ الحضاري للبلاد.

 

        وهكذا توج هذا التعاون بين المقاومة الوطنية والملك السلطان المغفور له محمد الخامس بعريضة المطالبة بالحرية والاستقلال التي قدمها الشعب المغربي إلى سلطات الحماية يوم 11 يناير 1944، وقد ضع مسودتها سفير المقاومة عند الملك الأستاذ المجاهد محمد الفاسي، وهو ككل المقاومين لا يخافون.. لا يرتابون.. لا يخونون.. لا يتراجعون.. ولا يقهرون.. لصلابة إرادتهم و وضوح رؤيتهم ورسالتهم التي كانت من الشعب وإليه وإعلاء لكلمة الله ومجد الوطن، وثيقة انضافت إليها توقيعات الشخصيات والمجاهدين وضمنهم محاضرنا المناضل الأستاذ عبد الله إبراهيم، واحتضنتها عرائض التأييد الشعبية ومظاهرات النصرة العارمة، فكانت بحق منعطفا حاسما وثوريا في تاريخ المغرب المعاصر، ونذكر بعض ثمراتها على مستوى الوطن والمواطن:

1-    تغيير الولاء من التحالف مع المستعمر إلى التعاون مع السلطان والالتفاف حوله.

2-    تغيير الولاء من القبيلة والاستقواء بها إلى الولاء للوطن والأمة والدفـاع عنهما.

3-    تغيير البندقية التقليدية إلى البندقية المعاصرة للمظاهرات والاضرابات والعمل السياسي والنقابي والاضراب العام..

4-    إشراك المواطن بكل فئاته في هموم الوطن بكل مجالاتها.. المجاهدون.. النخبة.. العمال.. النقابات.. الفلاحون.. الطلبة(اتحاد طلبة المغرب بعنفوانه ونضاله وامتداده الدولي).

5-    نزع المبادرة والقرار من المستعمر وجعلهما في يد الشعب والسلطان من أجل مغرب مسلم حر ديمقراطي حديث بصدق وجدية ذلك الزمان.

6-    جعل المغرب جزء لا يتجزأ من المغرب العربي والوطن العربي والعالم الإسلامي دون التفريط في مصالحه مع أوروبا وامريكا والتضامن القوي والدائم مع كفاح الشعوب الأفريقية.

 

      غير أنه بعد عودة السلطان وإعلان الاستقلال يوم 18 نونبر 1956، حدث ما لم يكن في الحسبان، فبدأت تظهر سياسة الأطماع والهيمنة، بل وانحرفت بالبلاد من مغرب حر مستقل إلى مغرب مستقل ولكن في إطار التبعية، ولمن؟ للمستعمر الذي طرده الشعب من الباب فأعاده المغرضون من النافدة وعبر المصالح؟. وضربوا بذلك كل تضحيات عقود من المقاومة الباسلة الظافرة، ومرغوا في الوحل أرواح الشهداء ودمائهم التي لم تجف بعد في كل المواقع البطولية،  "المنقر" .. "عين صلاح".. "الهري".. "أنوال".. "بوغافر".. "بادو".. "تافيلالت".. "الناظور".. "المذاكرة".. "تنغير".. "سيدي بوعثمان"..؟. وبهذا التراجع الخطير، دخل المغرب في أزمة مبكرة وسار في الطريق المسدود وهو لم ينتشي بعد بما فيه الكفاية من تحرره وتخلصه من قبضة المستعمر الغاشم؟. وفي طريق الحل جاءت حكومة الأستاذ الجامعي المحنك والمناضل النقابي  العتيد ورجل الدولة الصلب الأستاذ عبد الله إبراهيم ، وهي ثالث حكومة مغربية نصبت بعد حكومتي "امبارك البكاي" و"أحمد بلافريج"، وثالث حكومة خلدت بمداد الفخر في ذاكرة المغاربة قبل حكومتي الأستاذ"عبد الرحمان اليوسفي" والأستاذ "عبد الإله بنكيران"، وكأن المغرب لم يشهد غير هذه الحكومات الرائدة، وما غيرها ملأ فراغ في فراغ؟.

 

        وكما يحكي رئيس هذه الحكومة في محاضرته التاريخية القيمة، فقد كانت حكومة سياسية.. مستقلة.. مسؤولة عن برامجها، لا حكومة حزب ولا تكنوقراط.. يرأسها رئيس حكومة لا رئيس الوزراء.. في تعاقد واضح بينه وبين الملك (ثقة.. احترام.. صراحة.. مصالح الوطن..)، منسجمة بين وزرائها موضوعيا لا ذاتيا، متجاوبة مع مطامح الشعب وكرامته وبصدق وجدية ذلك الزمان، وزاراتها متضامنة لكن ليس ضمنها أم الوزارات ولا وزارات السيادة، فقد كان المرحوم يرفض حتى فكرة اتباع الداخلية والدفاع والأمن الوطني للقصر، وكان يرى في ظهير 58 أنه مكبل للحريات وممارسة الديمقراطية التي ناضل من أجلها المغاربة؟. وفعلا، هذه الحكومة حققت للمغاربة وفي مدة وجيزة (58 - 60) ما لم يحققه غيرها: تنظيم عملية الحرث الجماعي في المجال الفلاحي.. نزع الأراضي الفلاحية من المستعمر.. إنشاء مؤسسة الإنعاش الوطني لحماية الفقراء والعاطلين.. مؤسسات صناعية وطنية كبرى كسامير و سوماكا.. تطهير الإذاعة والجيش والأمن والمخابرات من الأجانب.. العمل على تعريب التعليم وتوحيده وتعميمه ودمقرطته.. عقلنة مندوبية المقاومة وجيش التحرير وتحصينها من المجاهدين المزيفين.. وضع المخطط الخماسي (60 – 65)..، هذا مع العلم أن بعض الوزراء كانوا في الحكومات السابقة ولم ينجزوا ما أنجزوه في حكومة المرحوم عبد الله إبراهيم الذي كان يتحكم في قراره؟.

         لكن اللوبيات والمكائد هي اللوبيات والمكائد داخلية وخارجية، فهذه الحكومة لم تستمر غير عامين يتيمين (58 - 60)، ليستمر بعدها المغرب في صراع المصالح والهيمنة والإقصاء وبالعنف أحيانا، إلى أن وصلت سياسته من جديد إلى الباب المسدود والسكتة القلبية خاصة ما بين (76 – 80) حيث سياسة التقويم الهيكلي لصندوق النقد الدولي.. تقديم ملتمس الرقابة ضد الحكومة.. تأجيل الانتخابات عامين باستفتاء شعبي.. إشراف الداخلية (أم الوزارات) على كل شيء.. تأسيس كتلة ديمقراطية تقبل بمجرد تناوب توافقي وتغيير الأشخاص بدل البرامج والسياسات والصلاحيات.. وهكذا انسحب منها حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بزعامة الأستاذ عبد الله إبراهيم؟. ليبقى إلى اليوم في المحطة ينتظرنا ويصرخ يا قوم لم يأتي القطار بعد.. لم يفت وقت السفر بعد.. لكن اعلموا – طال الزمن أو قصر – أن حتمية التغيير هي استراتيجية قارة للعمل الوطني اقتصاديا واجتماعيا، وتحديد الأهداف الوطنية في علاقتها بالدول الأوروبية والصناعية. وشروط ذلك:

1-    حكومة سياسية مستقلة مسؤولة عن برامجها.

2-    برلمان حقيقي مؤهل لمراقبة الحكومة ومناقشتها.

3-    إعلام وطني ديمقراطي مستقل لا مدعم ولا موصى عليه.

4-    سياسة راشدة لإشراك الشعب بصدق وإعادة الثقة له في نفسه والأمل في مستقبله.

5-    احترام سلطة المؤسســــــات الدستورية والقانونية لضمان حقوق وكرامة المواطن.

 

        بهذا وبهذا وحده يمكن أن نسير في أفق تحقيق الوحدة الوطنية، بل والوحدة والدعم المتبادل بين بلدان المغرب العربي والوطن العربي والشعوب الإسلامية، وتحقيق التعاون الاقتصادي والثقافي مع شعوب السوق الأوروبية المشتركة والولايات المتحدة والشعوب الأمريكية، وتحقيق مساندة قوية ودائمة لوحدة واستقلال وتضامن الشعوب الأفريقية؟. رحمة الله عليك أيها المناضل الفذ، وأنت لا زلت تنتظرنا في المحطة ونحن ولا شك قد تأخرنا عنك، وربما سنتأخر عنك أكثر، قد أحدثنا ورائك ما أحدثنا، وسرنا  في ما سرنا فيه من اختيارات واتجاهات، فعلا تقدمنا في مجالات ومجالات.. وأخفقنا في أخرى.. لكن ما لم تعلمه ربما، أنه قد انحرفنا في متاهات ما كان علينا أن نقربها بالمطلق.. لقد طبعنا في المغرب الرسمي مع الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين تضامنا مع تحرير الشعوب.. وعدنا مجانا إلى فرنسة التعليم الذي عربتموه.. انتخاباتنا أصبحت حرة ونزيهة ولكن وكأننا ندمنا على ذلك فأصبحت "برق ما تقشع".. فلا يشاع عن حكومتنا غير أنها محكومة لا تحكم.. وعن برلماننا غير تأتأته حتى في شعاره "العام زين"، مساجد توقيفية "توفيقية" خرساء لا تفرح ولا تغضب.. عطالة خريجين وهجرة سرية وقضاء في الأعالي.. ومساعدات "كوفيد 19" لخمسة ملايين أسرة بساكنة 34/28 مليون، و.. و..، وكأننا قد نسينا ثورة 11 يناير 44  وتضحياتها، ونسينا ثورة الملك والشعب 20 غشت 53 وشهدائها، ونسينا كل الثورات حتى ثورات الربيع العربي وهي تستعر حولنا موجات وموجات،  ولا نريد شيئا من أي كان.. فأرجو أن تتركنا عنك وتدعنا وشأننا.. أن تتفضلوا بمغادرة المحطة شكر الله سعيكم.. أن تناموا في قبركم قرير العين مشكورا لكم .. مغفورا لكم، حتى لا يطول انتظاركم لنا ويكون جزاء انتظاركم هو مجرد الانتظار؟؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المشاركات الشائعة