
ومتى سنعد فريقا كرويا ينتصر على فرنسا؟.

أتذكر ذات مرة في إحدى
مسرحياتي، وقد طرحت على صاحبي وبكل كوميدية سوداء مغرضة، سؤالا عريضا غليظا قلت له
فيه وقد بدأ يعد علي المفاخر والمباهج "الوهمية" التي حققها البلد والتي
بوأته مصاف الدول الكبرى فأصبح يرفل بفضلها في الرخاء والازدهار ومنها وعليها تشرق
الشمس، فسألته سؤالا مريرا قلت له فيه مازحا: "ولكن، متى سنصعد على سطح القمر"؟.
أجابني بنفس المكر والاختزال: "ساهلة، يوم سنتعامل بيننا كإخوة، لا حقد ولا
حسد، يوم سنعيش كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، يوم تلد أسرنا.. وتلد.. وتلد، وتخرج
مدارسنا.. وتخرج ..وتخرج، حتى تتخرج منها الطبيبة والمهندس، الأستاذة والمفتش، القاضية
والمحامي..، إييه، الأطباء والمهندسين والأساتذة والمحامين..، ماشي الشمكارة
والسيرورة والطلابة والحراكة والبرامط في البار والضاربات على الآلة الكاتبة؟. خاصنا
نولدو ونربيو.. ونولدو ونربيو..ونولدو ونربيو..، حتى نستطيع تكوين فريق كروي يفوز
بكأس العالم، عندها القمر شخصيا وذاتيا.. بقدره وجلاله سيهبط عندنا ويتمدد أمامنا
ويقول: " ها أنا أمامكم وملككم، تفضلوا اركبوا على ظهري، مرحبا بكم"؟.
اليوم، وفي نفس
"خلط/جلط" الأحلام والأوهام، وفي طغيان الهزل الناعم على الفصل الصلب،
لو أعدنا لعب هذه المسرحية بعد تحيينها، سأتمسك فيها بقضايا القيم والعدالة وكل
يوم تزيد الفوضى من حاجتنا إليها، سأتمسك بالبنيات والمؤسسات الاجتماعية السليمة
وعلى رأسها الأسرة الشرعية والمدرسة الوطنية شريطة تمسكها الأن بالمكاسب و قدرتها
على الحد من نزيف خراجها من هجرة الأدمغة خارج الوطن، ولكن مسألة تكوين فريق كروي
يفوز بكاس العالم، سيتراجع فيها طموحي إلى مجرد فريق كروي يفوز على فرنسا، لأنه في
الحقيقة من يمنعنا من الفوز بكأس العالم، أليست فرنسا؟، وبالتالي، إذا ما فزنا
عليها وتخطيناها فكل الفرق بعدها سبق وأن "بهدلناها"، ألمانيا، بلجيكا،
إسبانيا، هولاندا، كندا، أمريكا.. والقائمة طويلة، الرأس الأخضر والرأس الأحمر بل
وكل الرؤوس القارية بكل ألوان وشعور العالم؟. لكن، كيف يمكننا الفوز على فرنسا؟،
وأية خطة استراتيجية ستسعفنا في ذلك؟، وهل يمكن لفرنسا أن تكون مثل القمر، إذا ما
توفرت بيننا شروط، منحتنا نفسها راضية مثلما هبط إلينا القمر ومد لنا ظهره؟.
تنافسا حربا وإكراها،
أو رضا غواية واستسلاما، في كل الأحوال، لابد من خطة وبرنامج عمل بفصول وأبواب واضحة
ومواد وبنود متماسكة، سنحاول إجمالها في خمسة وهي:
1- اليقين بأن الأمر ممكن وليس من المستحيلات:
ففرنسا وطوال حوالي المائة عام من عمر
منافسات كأس العالم، وعبر دوراتها 23، لم تفز منها فرنسا إلا بنسختين يتيمتين
(1998 – 2018) ولم تحل وصيفة حتى إلا في نسختين (2006 - 2012)، هذا رغم مشاركاتها
المبكرة في المنافسات منذ 1930 والمتكررة عدة مرات (16 مرة)، ورغم ما كانت تلعب به
من أسلوب بدني قوي، وسرعة في المرتدات وبراعة في الفرديات وعدم الخوف من أي فريق..
وهي المدججة بالنجوم الأفارقة من كل الأندية الأوروبية الكبرى، ورغم هذا، فطالما
انهزمت تاريخيا أمام ألمانيا وإيطاليا، إسبانيا والبرازيل..، وكل هذه الفرق وغيرها
سبق وأن واجهها الفريق الوطني في ذات المنافسة العالمية وبتفوق تاريخي. إن اليقين
بما هو تركيز ذهني ورباطة جأش نفسي - كما يقول المحللون - يعتبر نصف المقابلة (50%) ليبقى
النصف الآخر لطراوة اللاعبين وتكتيك المدربين، لأن الكل في الملعب يجري هنا وهناك،
ويبقى الفرق الحاسم خاصة في الثلث الأخير من المقابلة لهذين العنصرين، بهما يمكن
للفريق أن يتغلب على الضغط النفسي للجماهير، أن يخلق ويحسن استثمار الفرص المتاحة،
أن يتجنب الأخطاء المجانية القاتلة، أن يدخل في المقابلة مبكرا ويعود فيها إن
انهزم، وكل من فقد الثقة في نفسه وفريقه واليقين في حظه وخطته، فإنما يكذب على
نفسه ولا يمكنه ربح معركة هو نفسه لا يؤمن بها أو بقدرته على خوضها فبالأحرى حظه في
حسمها.
2- الممارسة والتكوين بمعايير البناء والتعميم والتراكم:
ممارسة شعبية واسعة، وتكوين شامل مستمر وفق حمولات ثلاثة: عقلية، جسدية،
وتنظيمية، ووفق هيكلة يمكن أن تكون: دراسة ولعب وأخلاق أو ما كنا قد سميناه ومشينا
عليه في جيلنا أيام الشباب: ( عبادة + دراسة + رياضة = النجاح والسعادة)، لأن في
هذا الشعار سيجمع اللاعب في الحقيقة كل الفضائل وبشكل متوازن، وسيضطر التلميذ
الهاوي أن يهتم بالدراسة قبل الرياضة حتى لا يحرم منها. وفي الحقيقة أيضا، ينبغي
الإقرار بأنه ورغم كل الجهود المبذولة لتنمية الرياضة الكروية عندنا والرهان
التنموي والسياحي عليها، فإنها لا تعدو إلا أن تكون كل هذه الجهود في بداية
البدايات، وضجيج الأرقام يتحدث أن فرنسا التي نريد تجاوزها مثلا، تتوفر على 37
مركز تكوين على رأسها (Claire fontaine) وهو بمثابة أكاديمية محمد
السادس عندنا، والتي لا نتوفر منها إلا على نسخة واحدة فقط، في حين نحتاج إلى
مثلها في كل جهة بما يعني (12 أكاديمية رياضية)، بدء بأكاديميات طنجة وفاس والعيون
والرشيدية. مراكز صارمة تراقب القوة والدراسة في حين أن مراكز إسبانيا (42) تراقب اللمسة
والاستحواذ، وكلها تخرج مواهب نجوما وأبطالا بملايين الدولارات، فرنسا تتوفر منهم على 800 لاعب محترف في حين لا
يتعدى العدد عندنا 120 فقط، وينبغي أن نصل إلى 400 على الأقل، فرنسا تنفق على
كرتها 1.2 مليار يورو في حين لا نتعدى نحن 600 مليون يورو، وهو رقم كبير بالنسبة لأولوياتنا
الصحية والتعليمية والتشغيلية والسكنية.. وبقية الرياضات الفردية والجماعية، لكن
على الأقل، ينبغي تدبيره بحكامة، فملاعب القرب عندنا مثلا، إنجاز جيد، ولكن أين
نحن من تعميمها ومن عائدها الرياضي والتربوي على الطفولة والشباب، وهم وإن وجد
بعضها في حيهم لا يملكون تكلفة الولوج إليها؟.
3- الإعداد الشمولي:
لأن الدول الكبرى التي
لا زالت تبهر العالم بكرة قدمها، لا تحظى بالفوز بمنافساتها القارية أو السير فيها
إلى أبعد حدود ممكنة، بالكرة وحدها وإنما بمنظومة متقدمة متكاملة اقتصادية وسياسية
واجتماعية منصفة وعادلة، تلبي حاجيات مواطنيها وفوق المطلوب و"اللي لعب فيهم
جات معاه، واللي برز فيهم جات معاه". إذ الكرة كما يقال: " لعبة وحولها
تدور كل الألاعيب من المراهنات إلى الاشهارات، ومن المنشطات إلى المثبطات،
والملهيات الفرجويات..". ولا نريد رهانا رياضيا خاسرا منذ البداية كرهان دول
أمريكا الجنوبية في البرازيل والأرجنتين والتي رغم تقدمها الكروي لازالت تئن تحت
وطأة القهر والفقر والهشاشة الاجتماعية؟. بينما الدول المتقدمة كرويا في أوروبا لها تاريح طويل من السياسة
الديمقراطية ومن الاقتصاد الليبرالي المنتج والسياحة العالمية الكاسحة، والتي
استثمرت فيها مآثرها التاريخية من قصور وقلع محصنة وصامدة، ومنتجعات طبيعية خلابة
ومآوي مريحة..، فجلبت إليها ملايين السياح لدعم الرياضة التي تدعمها هي بدورها.
فعدد السياح في فرنسا وحدها يصل إلى 102 مليون سائح سنويا منها حوالي 40 مليون في
جبال الألب وحدها، في حين أن جبالنا تكسوها الثلوج في الشتاء وتبقى كذلك إلى أن
تذوب على راحتها وفي سكينتها؟. وعدد السياح تحت شمس وشواطئ والمآثر الأندلسية لإسبانيا يبلغ سنويا إلى حدود 97
مليون. في حين أن واحاتنا نحن تجف وبوادينا تهجر وضواحي مدننا الأن تسوى واجهاتها
وتشرد ساكنتها بقوة من أجل 2030، قيمنا الحضارية وتراثنا اللامادي الزاخر لا
يزالان بكرين أو يكادان ولا نشتغل عليهما ولا نستثمر فيهما بأي سياحة ثقافية راقية،
صحتنا وتعليمنا، تشغيلنا وسكننا..، هل هناك كأس عالم بإخفاء الحقيقة التي لا
تخفى؟.
4- الاستحقاق ومحاربة الريع:
محاربة الريع الذي ينعت به المجال
الرياضي بشكل عام، بدء من الأندية والاتحادات إلى العصب الجهوية والجامعات الوطنية،
حتى أضحت بعض الرياضات وبالأخص تدريبا وتسييرا حرفة من لا حرفة له، وأضحت بعض
الفرق الوطنية لا يجد فيها المرء مكانا له – كائنة قدراته ومواهبه ما كانت – إلا
من باب ضربة حظ أو من كانت "أمه في العرس"، وأضحت بعض الأندية
والاتحادات الكبرى لا تستطيع تجديد هياكلها وإذا ما ابتلاها المبتلي فبمعارك داحس
والغبراء وكسر الكراسي والتقاذف بالصحون؟. وجراء كل هذا، تراجعت أندية وماتت أخرى،
وأقصيت رياضات من الدعم وحتى من الانتظام أحيانا، ولا تزال أقاليم وجهات وفئات
اجتماعية محرومة من تواجد رياضات في مناطقها أو فضاءات مناسبة ولوجة لممارستها،
كما حرمت كفاءات رياضية من مكانتها التي تستحق ضمن صفوف الفرق المحلية والوطنية
وجلبت بدلها بروفايلات بالدوباج الإعلامي أو موضة وعقدة الأجنبي؟. لماذا لم تجد أسماء
شامخة معطاءة مكانها في الفريق الوطني كبار لكرة القدم وقد بحت أصوات المواطنين
مطالبة بها ومأملة فيها؟، لماذا كلما تجرأ لاعب على أن يعبر كإنسان على موقف شجاع
من قضية إنسانية كان مصيره التهميش والاقصاء؟. أين مكان الطاقات الجديدة والمجددة
والمتجددة من شباب U20 و U23 وهم من أبانوا عن علو كعبهم في الكرة وأبهروا العالم أكثر من
غيرهم وغير ما مرة؟. إن الفريق الأمثل وفريق المباريات الصعبة لابد أن يكون منسجما
متكاملا، نعم، ولكن أيضا مخضرما ومن عدة مدارس وأجيال، مثلا: 5 لاعبين يمارسون في
الدوري الوطني، و 4 في الدوريات الأجنبية من ذوي الجنسية المزدوجة، و2 شباب من U20 و U23. لكن، أين
مراكزنا لاستقطاب هؤلاء في أوروبا وآسيا وأفريقيا، أم أن شاشات التلفاز تكفي وهي
بعيدة كل البعد عن اللعب في الحارات مشتل المواهب والطاقات والكفاءات؟.
5- الهوية الوطنية والتركيز الذهني والانتصار النفسي:
انطلاقا من "البهدلة" التي
أذاقها الفريق الفرنسي للفريق الوطني خلال مباراة الربع من فعاليات كأس العالم
2026، والتي ذاق مثلها وأكبر منها فريق الديكة ذاته من طرف فريقي إسبانيا في نصف
النهائي (0/2 )وفريق إنجلترا في مباراة الترتيب من بعد (4/6 )، يتبين بالملموس أن فريق
الديكة ليس بالفريق الذي لا يقهر كما تصوره البعض، وأن فريق الأسود لم ينهزم من
طرفه رغم ذلك إلا من قلة التركيز ومن الضغط النفسي، فقلة التركيز جعلته ينسى
أسلوبه القتالي المعهود في المنافسات، أسلوبه الجماعي والاستعراضي الممتع، وحتى
الفرديات الانقادية التي يقوم بها البعض(ديوب والعيناوي)، نسي اللاعبون أماكنهم
وأجنحتهم والبناءات المطلوبة منهم ومتى وكيف ومع من، فلم يستطيعوا الدخول في
المباراة فبالأحرى قيادتها أو العودة فيها بعد الهزيمة؟. ليس هذا من قلة التركيز
فحسب، بل أيضا النفسية المهزوزة التي دخلوا بها جراء تمثلات غير صحيحة تمثلوها أو
وصلت وتسربت إليهم كاعتقادهم أن الديكة فريق لا يقهر و لا يمكننا إلا أن نخرج معه
بأقل الخسائر فانتقلوا من تدبير النصر إلى تدبير الخسارة، وأيضا يحدث هدا بتحميل
المباراة حمولة تاريخية وسياسية لا تحتمل، وأنى للمستعمَر أن ينتصر على المستعمِر؟،
وأنى لمن يعتبر نفسه خاسرا أن يربح وهو من سابع المستحيلات؟، مع أن الكرة لا تعترف
إلا بالميدان والخطط والخطط المضادة، وكم من تلميذ ماهر تفوق فيها على مدربه وأستاذه؟.
أما عن الهوية الوطنية، فلا نضرب في هوية أحد، وكل المغاربة مغاربة في الداخل أو
في الخارج، ولكن، انطلاقا من الفريق الفرنسي ذاته والذي ينعت بأنه فريق الأفارقة
لأن لاعبيه السمر ومجملهم كذلك، لا يربطهم بفرنسا إلا الجنسية والمنح الخبزية؟،
عكس لاعبينا والحمد لله - الحاليين خاصة ومنذ قطر 2022- بهويتهم الوطنية وقيمهم
وأخلاقهم إلى درجة ينعتون فيها ب"فريق الساجدين ورضاة الوالدين" وقراءة
الفاتحة والدعاء في المستودعات وعند البدايات، أسود لا لبؤات لا
"شعكوكات" ولا قلائد..، ولكن، لا أدري لماذا يعيب عليهم بعض :المتثاقفين"
سلوك السجود هذا في الملاعب؟، ولما طغيان الحديث بالفرنسية من بعضهم ولو مع الصحافيين
المغاربة، وأكيد مع الجمهور المغربي العربي والأمازيغي؟، وهل من الهوية الوطنية ضحك
بعضهم ملأ الأشداق بعد الخسارة المرة والتي أجهشت البعض الآخر بالبكاء؟، على أي،
إن حمل القميص الوطني حمل أحلام شعب وحقه في الفرحة ولو بانتصار كروي مؤقت، وكما
يقال: فاللياقة والتكتيك يوصل الفريق بسلام إلى 70 دقيقة من المباراة مما يمنحه
فرصة عريضة للانتصار، والتركيز والنفسية تحميه 20 دقيقة المتبقية وتمنحه فرصة
ثمينة للعودة في المباراة بعد الهزيمة، بما يعني أن الجمع بينهما سيمنح صاحبه
بالضرورة حظ الانتصار على فرنسا وعلى غيرها، ولما لا الفوز بكأس كؤوس العالم ؟.
