Top Ad

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

مواضيع مختارة

الجمعة، 16 أكتوبر 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الظاهر والخفي في تحامل النظام العلماني على الحجاب في أذربيجان.

من مأساة الحرب أن الذي يخوضها منتصرا أو منهزما يألفها ولا يستطيع العيش بدونها وإن حول شكلها مما بينه وبين العدو الخارجي إلى ما بينه وبين شعبه الداخلي، فهل تتكرر هذه الحكاية الأسطورية على نظام أذربيجان الذي خرج سنة 2020 من حربه في إقليم "ناغونو كارا باخ" ضد الأرمينيين والانفصاليين منتصرا وحقق بذلك الوحدة والسيادة الوطنية نال على إثرها ولاشك حب الشعب والتفافه حول زعيمه "إلهام عليف" الذي جاء بعد "حيدر عليف"؟. لأن السؤال الذي يطرح اليوم بقوة هو: ما الذي جعل النظام الأذري وكأنه ينقلب على شعبه ويكافئ التفافه حوله وحبه لقيادته بالطعن في هويته العريقة ومساومته على شرفه وكرامته وصلت حد منع فلذات أكباد الآذريين الإناث من التلميذات والمعلمات من ولوجهن أبواب المدارس لنيل حقهن في التعليم أو ممارسته لمجرد ارتدائهن الحجاب؟.

 

نعم، أذربيجان شعب 10.5 مليون نسمة مسلم في غالبيته الساحقة تصل إلى 96%، عاش تحت الحكم السوفياتي كغيره من الجمهوريات القوقازية المسلمة ما يزيد عن 70 سنة، تقع أذربيجان في وراسيا بين جنوب غرب أسيا و شرق أوروبا مجاورة لإيران الشيعية جنوبا وتركيا السنية غربا والتي يشكل بنوها من أكبر قومياتها حتى قيل أن أذربيجان أمة واحدة بشعبين، ومن حدودها أيضا روسيا وجورجيا شمالا وأرمينيا غربا وبحر قزوين شرقا، وهي أرض الزراعة والنفط والغاز والكافيار القزويني الأسود، نظامها السياسي والتعليمي علماني وفق الدستور..، الأمر الذي يطرح السؤال الإشكالي القديم الجديد وهو: هل تستطيع العلمانية فعلا وكما يدعي سدنتها أن تؤطر الشعوب الإسلامية ضامنة حقها في الحرية والهوية والمرجعية والحرية والكرامة اعتقادا وممارسة؟، أم أنها كما بينت التجارب التاريخية طوال امتدادها تضيق ذرعا بذلك فلا حداثة صناعية وتنمية تكنولوجية تجلب ولا هوية وحرية وكرامة تبقي؟.

 

الظاهر في الأزمة الأذربيجانية اليوم، ـأن مجلس الوزراء الأذري قد أصدر في 21 شتنبر 2026 قراره 309 "يمنع بموجبه أي لباس إضافي يخل بوحدة الزي المدرسي أو يتعارض مع مبدأ علمانية التعليم"، وفي  6 أكتوبر 2026 صدر القرار الخاص بلباس المعلمات "ويشترط فيه توافقه مع الطابع العلماني والمهني"،  أي من القرارين لم يشر إلى الحجاب ، لكن الأجرأة والتنفيذ في شيطنته ذهب مباشرة إلى ذلك، ومنع بموجبه أي فتاة ترتدي الحجاب من ولوج باب المدرسة، وأية أستاذة محجبة من أن تمارس وظيفتها التعليمية داخلها، ولهن الخيار بين الدراسة والعمل أو الحجاب والمنزل؟. الظاهر أيضا، أن هناك ردود فعل قوية وغير مسبوقة تمثلت في أن بنات محجبات في عمر الزهور يبكين الحرمان والتعسف أمام أبواب المدارس، وشابات غير محجبات يستنكرن القرارات ويتضامن مع زميلاتهن المحجبات بارتداء الحجاب مثلهن، شباب يكسرون أبواب المدارس ليدخلوا زميلاتهم إلى المؤسسات والفصول دون جدوى؟، المعلمات لم يستسلمن فأخذن يدرسن البنات أمام المؤسسات وفي الساحات والحدائق المجاورة؟، الآباء نزلوا إلى الشارع في احتجاجات غاضبة، وهم يهددون بسحب البنين إن لم يسمح للبنات بالدراسة؟، رعب التأويل حمل بعض الموظفين الملتحين على إعفاء لحاهم، السلطات اعتقلت العشرات والمئات من الضحايا المحتجين؟، حجزت منصات التواصل الاجتماعي "يوتوب.. فايسبوك.. وأنستغرام.."وفي ظنها أنها هي من تغذي الاحتجاجات..؟. لكن، ما هي الأبعاد الخفية والحقيقية لهذه المعركة الأذربيجانية؟، هل هو الخوف على العلمانية وقد ألفها الشعب أزيد من 70 سنة تحت حكم الشيوعيين السوفييت؟، أم الخوف من الهوية الإسلامية وقد دبت روحها في الشعب من جديد بفخر واعتزاز بعد الحرية والاستقلال؟. أم نعم للبعدين ولكن بشروط نظامية لا شعبية ولا مرجعية ولا غيرها؟.

 

والخفي أن أذربيجان حسب التحليلات والتأويلات تقول: لا لهوية إسلام إيراني شيعي بدأ بعض مشايخه ومرجعياته يشجعون الاحتجاجات ويفتون لها بالصمود على أساس "أنهم يفضلون السجن على دراسة الصغيرات بدون حجاب"/أيجول سليمانوف؟. ولا لهوية إسلام تركي سني يتدخل في شؤون البلاد ويدعم انفصالييها عبر حسابات وهمية ومداولات برلمانية؟. ومن هنا فأذربيجان تريد "هوية وطنية علمانية" لا سوفياتية ولا إيرانية ولا تركية، ومن حقها ذلك. لكن حتى إذا صح هذا، فهل الإسلام يؤخذ من بلدان صديقة أو عدوة أم من هويته المرجعية والتشريعية؟، إن الحجاب قد اجتهد فيه حسب الزمان والمكان فكانت العباءة الخليجية والطرحة المصرية والبرقع الإيراني والشرشف التركي والدوباتا الباكستاني والحايك المغرببي..، لكن لا دولة إسلامية أنكرت الحجاب وهو من المعلوم في الدين بالضرورة، ثم هل بفرض نزع الحجاب سيتحقق الاختيار الأذري في هويتها الإسلامية أم في أيديولوجيتها العلمانية؟، هل بطعن الأذربيجانيين في الهوية والمرجعية وقيم الحرية والشرف والكرامة سيتحقق ذلك؟، هل بمنع الحقوق الدستورية وعلى رأسها  العلمانية بكونها تضمن حرية التدين(مادة 18) وحرية المعتقد بما يعني حرية السلوك (مادة 48) وحق التعليم بما يعني تعليم دون قيد أو شرط(مادة 42)؟، أو أن ذلك كله - كما قيل - إيمان العلمانيين المتعصبين في بلاد المسلمين بحرية المرأة في التعري ومصادرة حقها في الستر والعفة، وكأن مشاكلنا مع التخلف والفساد والفقر والقهر هو الحجاب، أم أن العلمانيين يبشروننا بحداثة متفلتة جديدة ورأسمالية متوحشة داعرة تريد أن تضع النساء في أكياس لباس الرجال الخشن (Combinaison) حتى يتسنى لها الاستئناس بها في المواخير قبل المعامل، وأين المعامل وأين العمال وأين العمل؟.



على رسلكم أيها الأفاضل قبل القفز في أتون معركة طاحنة وفاشلة، أين موجة الاستعمار والاستشراق وأفاعيليهما في الحجاب على يد حملة "نابوليون" الفرنسي و"كرومر" البريطاني و"قاسم أمين" و"هدى شعراوي" العروبيين النسويين...، وقد قضوا كلهم وكيدهم وعنفهم الرمزي وبقي الحجاب المتخلف بالنسبة إليهم؟. أين موجة العلمانية الثورية في تركيا مع "كمال أتاتورك" والجيش العلماني (1925 - 1997) وقد حرصوا على نزع الحجاب بالقوة عقودا عددا، فقضوا وعاد الحجاب يعج ويلج على رؤوس النساء بالأشكال وبالألوان؟، وفي إيران الشاه "رضا بهلوي" وقد أمر بنزع الحجاب/البرقع بالقوة 1936، و حتى في إيران الثورة مع "الخميني" وقد أمرت ثورته بارتدائه بالقوة 1979، فما لبثت شوارع طهران إلا أن عجت بصراخ المتظاهرات (المرأة تريد الحياة والحرية)؟. أين فرنسا ( 2004 – 2010) ومعركها المجانية والخاسرة في منع الحجاب في المدارس والنقاب في الشارع العام على أنها فضاءات عامة (للدولة) لا تتحكم فيه إلا القوانين المدنية لا ترى الدين غير شأن شخصي مكانه (البيت)؟.

 

أين الجمعيات النسوية والمنظمات الحقوقية الدولية من الموضوع؟، أليست الأذريات نساء وفتيات لهن من الحقوق ما لجميع النساء؟، هل ارتداء الحجاب عند هذه الجمعيات والمنطمات أخطر من المنع من حق التعليم وحق الشغل وحق الكرامة والمواطنة؟، هل أثبت هذا الحجاب المسكين يوما ما عائقا أمام تعلم المهارات وتنمية القدرات في مجال من المجالات؟، أم تريدونها نمطا واحدا سافرا معولما رغم اختلاف الهويات والثقافات؟، ألا ترون لماذا في الغرب لا زالت تفشل كل جهوده في إدماج أبناء الجيل الثاني والثالث من أبناء الجالية المسلمة، لقد صبر آباؤهم على العنصرية مقابل العمل والسكن..، لكن هؤلاء ولدوا هناك ويتقنون اللغة كأبناء البلد بدون لكنة، فهل بمجرد أنهم يحملون حجابا أو جلبابا أو أن اسم أحدهم محمد أو عبد الرحمان، ينبغي أن يحرمهم ذلك من الحقوق، إنهم مسلمون مختلفون نعم، لكنهم محترمون وينبغي أن تحترم هويتهم وثقافتهم، كما يدعي الغرب اعتقاده بالتعدد والمساواة؟، وإلا عبثا تحاول الدولة أي دولة في كل مرة أن تتعسف في تحديد المعاني والمفاهيم والأماكن والمعارك وحطبها الذي اعتادت أن تجعله في المرأة وكيف ينبغي أن تكون على ذوق النظام لا على قناعتها واختيارها، قيمها ودينها، هل صدق السوسيبولوجي "بيير بورديو" في قوله : "من يمكك الكلمات والمفاهيم يملك السلطة"؟.

 

و أخيرا، إن الحجاب كان دائما عند كل الحضارات وعبر كل التاريخ من الآشوريين واليونانيين والساسانيين والرومانيين..، كان رمزا للعفة والوفاء وإبراز المرأة المتزوجة الوفية من غير المتزوجة أو العاملة في الحقول من العاملة في المنزل وإن انتمت إلى عائلة ملكية..، وفي الأديان التوحيدية انتقل الحجاب من العادة إلى العبادة عند اليهود والمسيحيين داخل الديرة والكنائس وخارجها في الحياة العامة، وقد زاد الإسلام أن فرضه على جميع النساء بمجرد البلوغ وبغض النظر عن الطبقة والفئة الاجتماعية، وأقرنه بآداب كتغطية الرأس والصدر: "وليضربن بخمرهن على جيوبهن " وكانت نساء العرب ترمينه على ظهورهن فتظهر صدورهن، وأوجب له مستلزمات  كغض البصر وتجنب الفتنة والشهرة، وجعل له مقصدا غاية في الأهمية ألا وهو حماية المرأة من الأذى، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ" الأحزاب/59، أن يعرفن فلا يؤذين، ترى أيها الإخوة الأذربيجانيين ومن لف لفهم من العلمانيين، أليس في منع الفتيات من حق التعليم والمعلمات من حق العمل غاية في الإيذاء؟.

 

لتكن الشعوب المعادية للحجاب والمضيقة على مرتدياته، صريحة مع نفسها وفي تحديد ساحات معاركها ولتمتلك الجرأة والشجاعة مع شعوبها على مواجهة مشاكلها الحقيقية بدل قطعة قماش على رأس النساء، بعضهن قد يدفعهن التضييق على اتخاذه هوية احتجاجية ومعركة مصيرية من أجل الكرامة لا هوادة فيها، ولتكن مع من كانت؟، ماذا فعلت فرنسا مع أهل الضواحي في بلادها وهم غارقون في التهميش والاقصاء والعنصرية (الحكرة)، مع إعدادياتها وثانوياتها وهي تحترق الآن احتجاجا على التقشف والخصاص في كل شيء؟، وماذا فعلت إيران مع العزلة الدولية ورفع العقوبات التي تهد كل يوم في اقتصادها وقوت شعبها؟، وماذا فعلت أذربيجان في تطبيعها مع الكيان الصهيوني الغاصب تحول منذ 2023 إلى التمثيل السفاراتي، وما علاقة هذا الجرم النظامي الشنيع بالتضييق على المحجبات؟، هل تستطيع أي من هذه الشعوب أن تطرح مثل هذه المواضيع على شعوبها شوارعها ومؤسساتها؟، هل لديها أدنى حل لكذا معضلاتها السياسية والاقتصادية والعدالة الاجتماعية والمجالية والبيئية..؟، أما الحجاب الحقيقي فهو تدين شرعي واختيار شخصي للهوية والمرجعية وقيم الشرف والكرامة والمواطنة الصادقة، وما وضع باختيار شخصي لا يمكن أن يزال بغير اختيار شخصي، ولكن هيهات هيهات، فليكن لكم في النموذج المغربي والإندونيسي خير مثال: "الحجاب والجلباب اختيار شخصي والمدرسة والوظيفة للجميع"؟.

الحبيب عكي

   


اقرء المزيد

الخميس، 17 سبتمبر 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

سؤال القيم الأخلاقية في الانتخابات البرلمانية.

       في الحقيقة، قد لا نبالغ إذا قلنا أن تمثلات الشعب المغربي للبرلمان في جزء مهم منها لا تزال سيئة وغير مشجعة على التفاعل الإيجابي لا مع هياكله ولا مع برامجه، فبالأحرى مع تشكيله و متابعته أو تقييمه وتقويمه؟، ففي الوقت الذي يعتبره الدستور مؤسسة تشريعية ورقابية من الشعب وإليه، فإن فئات عريضة من هذا الشعب لا يحتفظ له بغير تمثلات سلبية كثيرا ما يغديها بؤس الواقع وتعقيداته وعجز البرلمان عن مجرد الخوض في ذلك بله العمل الحقيقي والفعال على حله والتخفيف من مضاعفاته؟، كل ذلك يجعله مقرونا عند الكثيرين بتمثلات سلبية منها: كونه مجرد واجهة لشراء أصوات النخب وولاءات الأعيان مهمتهم المصادقة على سياسات وتمرير قرارات لا تعبر عن الإرادة الشعبية؟، وهو كذلك هيئة لا تشتغل إلا في مشاريع وبرامج فوقية جاهزة ومحسومة سلفا وترفض فيها كل الملاحظات والتعديلات التي لم يقل بها مهندسوها ضدا على الحكامة التشاركية؟، عدم الجرأة على الاقتراب من المواضيع الحارقة التي قد تمس هوية المجتمع وتنخر هوامشه...، مما يجعل جلساته عند هؤلاء مجرد مسرحيات سمجة سيئة الإخراج والخراج، وسط غياب واضح ودائم لأبطاله، وميزانية ضخمة وتقاعد مريح لممثليه، لا ينال مثله من أفنوا أعمارهم في المضنيء من الأعمال المحطمة للصحة الجسدية والنفسية؟، إنه برلمان الأمية الأبجدية، مبتلع الطاقات المحترقة المبدعة، وفاصلها عن الشارع بطالة وغلاء، مظاهرات وتوترات، حراكات وهجرات..، في خرق صريح لما وضعوه أو وضع لهم من بنود مدونة السلوك والأخلاقيات؟.

 

     البند 390 من هذه المدونة مثلا يقول:                                     "يجب على النائبات والنواب أن يعملوا لمصلحة الوطن والمواطنين وعلى إيثار المصلحة العامة على كل مصلحة فئوية أو خاصة وتجنب تضارب المصالح مع مهامهم النيابية، وألا يستغلوا مهامهم النيابية لتحقيق مصلحة خاصة أو منفعة مالية أو عينية لهم أو لذويهم"، وأكيد، أننا بعيدون عن ذلك وأن هناك تحديات عديدة وعلى مختلف المستويات تحول دون إبقاء البرلمان على جوهره الرقابي اللازم والتشريعي المنتج وهويته التمثيلية والخدماتية للشعب، وسنطرح بعضها الشائك والذي بدونه ستبقى الهيئة مجرد صورة باهتة بعيدة عن أهدافها التشريعية وأدوارها التنموية، وبعيدة بالأخص عن حيويتها وجاذبيتها، ومن ذلك:

1-    سؤال التمثيلية وتوسيعها:

 هل تتمثل في البرلمان كل الجهات وكل الفئات وكل القبائل والهويات والثقافات.. بتعدد وتنوع المغرب؟، ولماذا كل هذه الحشود من الفاعلين الذين ينشطون وبحيوية خارج المؤسسات، هل كان ذلك اختيارهم أم اضطرارهم؟.

2-    سؤال العمل الحقيقي للبرلمان:

     إذا كان يتصدى للمشاكل الحقيقية للشعب، فكيف هو مع الصحة والتعليم والتشغيل...، وهي أزمات تستفحل لعقود وعقود بدل أن تخف؟، كيف هو مع الهوية والبطالة ومحاربة الغلاء ومقاومة التطبيع..، كيف هي مع التنسيقيات الفئوية والحراكات الإقليمية والهجرة الفردية والجماعية وفي كل لحظة وفي كل بقعة ترتفع ألسنة لهبها الحارق؟.

3-    طبيعة العمل العدالي للبرلمان:

     ماذا يقبل من اقتراحات الغرفتين دلالة على حق الاجتهاد وتثمينا لجهد الابداع وضمانا لحق المشاركة الفعلية والحكامة بين الفرقاء والاستيعاب التمثيلي والانصاف الجهوي والمجالي خارج المسطر الحديدي من مصالح اللوبيات المركزية وجشعها، أم كتب على ممثلين إلا أن يصادقوا وعلى امتداد الولاية على مشاريع لا ناقة لهم فيها ولا جمل ولا لمناطقهم وفئاتهم؟.

4-    سؤال الترجمة الحقيقية للمشاريع الملكية:

     وبعضها لا يكاد يراوح مكانه أو يتحرك بأبطء من بطء ك(الجهوية الموسعة.. والدولة الاجتماعية..)، وأين هو من برلمانات الشارع وحراكاته الاجتماعية وفي كل مرة تقدم ملتمس رقابة لإسقاط حكومة لا تسقط ولا تملك الشجاعة على ذلك، ولا حتى اليقظة لإطفاء نيران دبت في أطراف فساتينها؟.


 

   إذن، هناك عوامل متعددة أدت كلها إلى هذا الوضع، الذي لابد من تداركه وإصلاحه وفي ذلك إصلاح للمؤسسات وإحكام بنيتها وتقوية شرعيتها وبالأخص مصداقيتها وفعاليتها والثقة فيها، ومن تلك العوامل عوامل التشكل أو الانتخابات التي ينبغي القطع الجازم مع كل أشكالها الهالكة والمهلكة، وعلى رأسها:

1-    انتخابات المال الحرام بسخاء:

  بكل اشكاله وكل أسعاره، وشعاره:" بقدر ما تعطي، بقدر ما تنجح"، ومجرد 200 درهم للصوت في "دار ممتدة ودوار واحد"، قد يكسب صاحبه 8000 صوت، وهي كافية لإنجاحه، ولو على ذمة "القاسم المشترك" الذي يضمن ذلك، وأكثر من ذلك يضمن أن يجعل من مشروع : " ماء وكهرباء + مدرسة  ومستوصف + طريق و نقل + مسجد الحي + حديقة وملعب قرب"، مجرد عقد شراكات مع الشركة الخاصة بالمرشح أو أحد أقربائه والجمعية الوهمية لأصدقائه الذين هم في الحقيقة "بلطجيته" الانتخابية؟.

2-    انتخابات القبيلة والعائلة الممتدة:

وتعني الدعاية والتصويت على ابن العائلة بالدرجة الأولى، بدل الدعاية والتصويت للكفاءة والصلاح، والحزب اليقظ من يستثمر الحمية والتحالفات..، وقد تجمع لمحظوظها 15 أو 20 ألف صوت، فتنجح القبيلة ولكن تخسر القرية، وتتراجع في كل شيء وهي التي كان طموحها أن تصبح مدينة مزدهرة فإذا بها قد مرت عليها ولايات وولايات وهي من شدة الفقر وخنق الجفاف لم يتمكن أبناؤها البررة الذين لم يجرؤوا على كسر "عهد القبيلة والحط بكلمتها" حتى لا يصبحوا مساخيطها، لم يجدوا بدا إلا أن يرحلوا نحو المدينة في مغامرة عيش يقتلعهم من جذور الجذور؟.

3-    انتخابات الصورة الشعبوية للأعيان الجدد:

   انتخاب على من عنده خطاب عاطفي جياش، يتحدث ببراعة عن المكبوت من يأس الناخبين ويفجر بؤسهم، ويقنعهم أنهم يستحقون الأفضل ومن حقهم، وأن ذلك الأفضل سيأتي على يده، فقط إذا ساروا وراءه  وكانوا معه كما هو معهم الأن في الأسواق يأكل "الهندي" و يركب معهم "التريبوتور" إلى المقهى يكرمهم صاحبه بالمشروب "البلدي" ..، وبعدها ينجح الرجل ولا شيء يتحقق من كل وعوده الانتخابية، لأن السياسات والميزانيات والتصويت على القرارات أعقد من كل الرغبات والنوايا الطيبة، بل أعقد حتى من المظالم الواضحة والمرافعات الصادقة؟.

4-    انتخابات المقاطعة تلو المقاطعة:

  تحت شعار سوسيولوجي خطير تجسده عبارة: " أولاد عبد الواحد كلهم واحد" و " أصلا الأحزاب ما عندهاش لا سلطة ولا حكم"، وكم عقودا أمضيناها ورائهم نجتر الكلام تلو الكلام في نفس القضايا، هي تزداد استفحالا وتعقيدا ونحن نزداد ضعفا ويأسا، فأصبحنا اليوم 50% يهتمون بالسياسة والإصلاح و 50% لا يهتمون بأي شيء كان إصلاحا أو إفسادا؟. متناسين أن الانتظار لا يسوي المعضلات فما بالك بتطوراتها وتعقيداتها عبر الزمن وأدوات الاشتغال؟.

 


  ما أضيق السوق الانتخابية إذا ظلت غارقة في الضحل المادي الآسن، ولو تنحت شيئا ما جانبا، لرأت أن هذا الوحل المادي الصرف هو الذي يغرقها وينتنها ويفسدها حتى ما عاد الناس يأملون شيئا في وعودها فكيف في إنجازاتها؟، وإن الأمر ليس من قلة السياسات والمخططات ولا من قلة البرامج والميزانيات، ولكن أكثر شيء -لو رأيتم-  هو من قلة القيم الأخلاقية والإنجازات المعنوية والتي قد لا تتطلب غير الإرادة الصادقة دون فلس واحد من الميزانية، وهي مرتكزات كل الشعوب والزعماء في معاركها السياسية وتنميتها الاجتماعية وعدالتها المجالية، الحرية، الكرامة، الانصاف، العدالة، الحقوق والمساواة، وحتى التمييز الإيجابي إذا لزم أحيانا..؟. فهذا "Barack Obama" في رئاسياته الأمريكية اتخذ له شعار: " Yes we Can" أي "نعم نستطيع"، وهو شعار غير مادي بسيط وعميق سرعان ما جمع حوله ملايين من الأنصار، أعاد إليهم الثقة وفتح أمامهم الأبواب الموصدة خاصة في مواجهتهم للأزمة المالية 2008، البعبع الذي أرعب الأمريكيين فواجهوه وهزموه لا بالأرصدة المادية بقدر ما كان ذلك بالثقة والأمل وهي قيم معنوية؟.


 

   وهذا  "Jean-Luc Mélenchon" المرشح الاشتراكي اليساري للرئاسيات الفرنسية 2027 والأوفر حظا حسب استطلاعات الرأي والتجاوب الميداني، وهو يرفع شعار: " L’insoumission" يعني " التمرد وعدم الخضوع" وهو شعار معنوي أيضا لا يعني الدعوة إلى الفوضى في شيء، بل له أصول من التاريخ الفرنسي وما امتلأ به من قيم الحرية والتمرد على كل ما هو غير شرعي وغير منطقي وعقلاني، ومن ذلك اليوم، التمرد المالي على مالية الاتحاد الأوروبي التي تخنق الفرنسيين وتحرمهم من الزيادة في الأجور وهم يستطيعون ذلك ومحتاجون إليه؟، التمرد ضد السياسة الليبرالية المتوحشة للجمهورية الخامسة التي جعلت كل السلط متمركزة في يد الرئيس، بدل يد الشعب كما يقتضي ذلك حلمهم في ميلاد الجمهورية السادسة التي ستحرر فرنسا من التبعية لأمريكا وإسرائيل والخضوع لهما بالسكوت عن جرائمهما في غزة/فلسطين و كركاس/ فينزيلا وفي غيرهما من بقع العالم؟. وأخيرا، عدم الخضوع لإعلام أوليغارشي في يد الأقلية الثرية وخدمتها وهو يزور حقيقة الأحداث على غير ما هي عليه تهوينا وتهويلا، ومن ذلك أوضاع المسلمين والمهاجرين الذين يسعى النظام المأمول إلى استيعابهم وتسوية أوضاعهم والتصالح معهم ومع نمط زيهم وعيشهم خاصة وأن ضجيج الأرقام اليوم  يقول بأن من بين كل ثلاثة فرنسيين هناك أجنبي واحد أو له أصل بذلك، بما يعادل نسبة 30% أو 20 مليون نسمة؟.


 

في الأخير، أحيانا وخلال بعض الحملات الانتخابية وبرامجها تتردد بعض الشعارات الأخلاقية الراقية من مثل: الحرية للمعتقلين، الشغل للجميع، الهوية الوطنية، الديمقراطية، التنمية، العدالة الاجتماعية، الأسرة، المدرسة، التضامن، الكرامة الإنسانية، الجهوية واللامركزية.. لكن أثناء الحملات الميدانية والبرامج الإعلامية، لا أحد يعبىء على أساسها أو يخوض في مفهومها وتطورها، لوازمها ومستلزماتها، تمثلاتها ومعيقاتها..، وسرعان ما تختفي في الحملة ككل وتطغى عليها البرامج المادية الصرفة والأرقام السحرية التي قد يقرأ فيها رقم 9 مجرد رقم 6 والعكس، ويتحول الشارع إن أتى ولمن أتى إلى مجرد رصيف بالإسفلت أو الزليج (أنت وزهرك)، والمسجد إلى مجرد مآراب أمامه ساحة..، ذلك أن التصويت كان قبليا وعلى غواية مادية إن لم نقل على بياض انتخابي تم فيه البيع للمرشح المادي، أرى الناس من الربح قنطارا وسلب منهم رأس تنميتهم دون حس أخلاقي، ومن أين له بالحس الأخلاقي وهو من أتاح لنفسه استغلال فقر المواطن في الانتخابات وشراء ذمته بالقليل أو الكثير؟، من شرع لنفسه استغلال جهل الناخب وأميته وانتماؤه القبلي وهو عنده أمر مشروع الاستباحة؟، وهل ما سبق تسجيله من مثل تدخل بعض الشيوخ والمقدمين وبعض رجال السلطة لصالح أحزاب ومرشحين في عصر الذكاء الاصطناعي، هل هو من شفافية الاستحقاق أم من الفساد والبهتان والسحر الذي طالما انقلب على الساحر دون جدوى؟.


 

إن الزعماء الذين نجحوا في ثوراتهم التغييرية والاصلاحية والتنموية وتعبأت لهم شعوبهم ونقلوا بفضلها بلدانهم إلى مصاف الدول المتقدمة والشعوب المزدهرة، إنما كانت شعارات معاركهم أخلاقية، وعبر الأخلاق كان الفائض المادي  الذي تمتعت به البلاد والعباد، وليس العكس، فهذا "غاندي" كان شعاره الذي أخرج به الاستعمار البريطاني من بلاده 1944: "Quit India " أي "أخرجوا من الهند"؟. وهذا "مانديلا" كان شعاره ضد الميز العنصري: "Amandla Ngawethu"  أي " السلطة للشعب"، و"ماو تسي تونغ" كان شعاراته 1963: " Let the rose bloom " أي " دع الوردة تينع"، و"أردوغان" حرر شعبه من القبضة الحديدية للعلمانية سنة 2002 بشعار: "Yeter, söz milletindir!" أي " كفى، الكلمة للشعب"،  وكلها شعارات معنوية أخلاقية استطاعت تعبئة الشعوب أكثر من أي شيء مادي قد يأتي ولا يأتي ما دامت هناك عوائق أخلاقية كثيرة تحول دون تحقيقه، وإلا فليس عبثا ينادي الناس ب"العدالة" وب"التضامن" وب"المساواة" وب"الإنصاف".. وكلها عناوين أخلاقية لمعنى واحد أو إثنين أساسيين فيهما كل شيء مادي ومعنوي وهما "الثقة" و"الكرامة"، ولمن لم يدرك بعد هذا فليحاول الإجابة بصدق على مجرد هذا السؤال: "هل نحن في المغرب نعاني صدقا من قلة الإمكانيات أم من سوء توزيعها ولا حكامة تدبيرها؟، وإلا كيف بهده الإمكانيات المنعدمة تظهر بقدرة قادر إذا تعلق الأمر بمشاريع كبرى من حجم ملاعب 5G وقطار TGV؟، وهل هذا الاشكال سيعالج حقا بالوعود المادية أم بالقيم الأخلاقية تتشبع بها عقولنا ويتأثر بها إيجابا واقعنا؟

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

ما هذا الشرخ الذي أصاب التربية في مقتل أو يكاد؟.


إن حجم المشاهد التراجيدية التي صدمتنا خلال الزحف البحري الجماعي لآلاف المغاربة والمغربيات نحو سبتة المحتلة، بوابة لهم نحو إسبانيا الأندلس الفردوس المفقود، ومعبرا لهم نحو أوروبا الاتحادية الحلم الموعود، هجرة جماعية غير نظامية بالآلاف المؤلفة (50 ألف) من كل الأجناس الذكور منهم والإناث، وكل الأعمار حتى الأطفال والشيوخ، وكل الفئات التلاميذ والطلبة، المعطلين والعاملينن، بل وحتى العرسان وذوي الاحتياجات، أسر بأكملها ومؤسسات بأطقمها وشركات تركها عمالها من مدن وقرى الشمال كما الجنوب وجنوب الجنوب، مما يطرح السؤال على مصراعيه: لماذا وكيف حدث هذا الذي حدث؟، ولماذا في هذا التوقيت الوطني الرمزي والمميز عند الجميع، عيد العرش الذي يعتبر المساس به أو الإساءة إليه مساس وإساءة ولا شك إلى الهوية والسيادة والاجتماع الوطني.  وقد نحتلف في إجاباتنا عن سؤال الحدث اختلافات ونذهب في تحليل مظاهره أسبابه وعواقبه مذاهب وسياقات، حيثيات حقائق وتأويلات ، لكن الذي لا يختلف فيه اثنان هو أن الموضوع بكل تأكيد تجل من تجليات الشرخ أو الشروخ التي أصابت التربية عندنا في مقتل أو تكاد؟. ترى ما هي هذه الشروخ؟، ما أسبابها وأخطارها وما سبل علاجها؟، على اعتبار كما رأينا أنها لا تبقي ولا تذر أي شيء في أي شيء؟.

 

والتربية هنا بمعناها الشمولي التكاملي، تربية عقائدية وثقافية، سياسية واقتصادية، وطنية اجتماعية، قطرية وكونية..، تربية أصيلة ومنفتحة تكون هي أساس وأس كل شيء وعليها يبنى كل شيء كما يقال.  هذه التربية قد أصابتها شروخ في مرجعياتها وبنياتها الأسرية والمدرسية، المسجدية الجامعية والجمعوية..، فأصبحت الأوطان غير الأوطان والأجيال غير الأجيال والبنيات والروابط غير البنيات والروابط..، وإلا فكيف نفسر كل تلك المشاهد المأساوية التي فقأت أعين الجميع خلال الحدث المؤلم؟، سواء ما تعلق منها ببلد الطرد والارسال أو ما تعلق منها ببلد الجذب والاستقبال، هل تواعد الناس للهجرة الجماعية غير النظامية من مجرد المواقع الافتراضية فهبوا هبة واحدة ونزلوا نزولا واحدا يجسدون همهماتها في مراتع  الواقع؟، كيف لهذه الهمهمات أن قادت الألوف المؤلفة من المهاجرين غير النظاميين إلى مصير مجهول يعتقدون في أحلامه بقوة؟، وسرعان ما صدمهم جحيم أخطاره مباشرة بعد العبور، حيث لا ماء ولا طعام، لا إقامة ولا مأوى، بل بالعكس تعرض المهاجرون الناجون كما فضحت ذلك وسائل التواصل الاجتماعي لأقصى درجات العزلة والمهانة،  والمطارة العشوائية والمعاملة العنصرية ..، سجلت خلالها حالات قتل .. وحالات اغتصاب.. وحالات تجويع.. وحالات.. وحالات..؟.

 

ويبقى السؤال التربوي في الموضوع انشطاريا كل شهاب منه حارق: "كيف اقتنع الطفل القاصر "الحارك" على أن مستقبله في "الحريك" إلى سبتة لا في مقاعد الدراسة التي ترك فيها الجمل بما حمل؟، وكيف اقتنع أن هذا المستقبل ممكن بالفعل ووردي وهو لم يدرس له أي مستوى ولم يتعلم له أية حرفة لا من صنعة الأب ولا من ورشات التكوين المهني أو حتى مآرب الأقارب والأصدقاء في الحي"؟. "كيف تتجرأ المرأة على تأنيث الهجرة غير النظامية فتترك زوجها وأبنائها لتلتحق بحقول المعذبات في الأرض ترعى "الفراولة" وتجنيها بدل أن ترعى أسرتها من التفكك وزواجها من الصورية والحل والانحلال"؟. "كيف بالعاملين في قطاع عام أو شركة خاصة يتركون وظائفهم وأعمالهم أملا في العثور على وظائف وأعمال إسبانية وأوروبية مماثلة أو أقل منها ومعروفة سلفا كالندالة في المقاهي والملاهي والنظافة في الشوارع والمطارح ورعاية المسنين في منازلهم ودور العجزة"؟. كيف لكل هؤلاء المهاجرين غير النظاميين أن فقدوا الثقة في وطنهم وعدم قدرته على إدماجهم - إن صح التعبير -، وأملوا في الاستثمار في أي شيء في إسبانيا التي كانت هي ذاتها وطوال تاريخها مجرد نقطة عبور إلى أوروبا التي كانت ترسل إليها هي نفسها بجاليات وجاليات، بل هي اليوم تستثمر في المغرب - الذي فقد فيه أبناؤه ثقتهم -، وإسبانيا لها فيه أزيد من 1000 شركة في مجال البناء والبحرية والخدمات والصناعات وعلى رأسها شركاتها الرئوية في ميناء طنجة المتوسطي؟.

 

إنها الشروخات الكبرى التي أصابت اليوم التربية في مقتل أو تكاد، وإذا أردنا تجاوز التشخيص إلى المساهمة في مقترحات العلاج، فرغم أن هناك بعض الخصوصيات حسب المجالات التربوية العقائدية منها والسياسية، الاقتصادية منها والاجتماعية، الثقافية منها والفنية والرقمية..، وأيضا حسب المؤسسات الأسرية منها والمدرسية، الجامعية منها والجمعوية والحزبية والنقابية.. ، فإن لها قواسم مشتركة مهما اختلفت أنواع التربية والمؤسسات ويمكن إجمالها في أخطر ثلاثة وهي:

1-     لغة التواصل التي فقدت المعنى والمبنى:

وكأنه لا أحد اليوم يفهم أو يدرك ويستوعب ما يقوله الآخر، أو يشير إليه أو تجسده أحواله وقد قالوا: " لسان الحال أبلغ من المقال"؟. فإدا قال مواطن مثلا: أنا محتاج.. أنا مظلوم.. أريد حقي.. إني أعاني.. أريد العمل..، كان كل ذلك عند الآخر وكأنه مجرد لغو كاذب أو"الطنز العكري"، لا يفهمه ولا يدركه إن لم يستوعبه ربما بالمقلوب، فكيف سيتفهمه ويتخذ بشأنه اللازم والمناسب من المواقف في حينها بالكم وبالكيف المطلوب؟. "منذ كم والمهتمون يقولون إن هناك خللا تربويا خطيرا ينبغي أن يعالج، إن الأطفال في مدن الشمال المجاورة لمعابر "سبتة" و"مليلية"، يتركون المدارس ليتسوقوا داخل هذه المدن التجارية المحتلة، ويعتبرون ذلك نباهة مبكرة منهم توفر للصغار من المصروف ما لا يتوفر عليه الكبار؟، لم نعالج الأمر، ومرت السنين، وها هم اليوم جموع الأطفال يحذون حذوهم، وعند ملاجىء إسبانيا وإيطاليا للقاصرين الاحصاء اليقين"؟. هل كان هذا الهجر/الهدر بسبب المسألة المادية فقط؟، لا بل أصل الاشكال أيضا من اللغة، أقصد اللغة الأسرية والمدرسية الممزقة والمرقعة برقع تكشف العورة أكثر مما تسترها: لغة الأم + الدارجة + العربية + الفرنسية + الإنجليزية.. حسب المراحل والمؤسسات، مما يجعل التواصل في هده المؤسسات في الحقيقة منعدما، وإذا غاب التواصل غاب الفهم والادراك وغاب التفكير و النقاش والاقناع.. ومن تمة القيم والمعايير، فلا يسألن أحد بعدها من نحن؟، ولا بأية قيم وطنية نعيش؟.

 

2-     شرخ الهوية والقيم والأخذ دون العطاء:

القيم في الأسرة تغيرت وفي المدرسة أكثر، إن القيمة في أسرة اليوم لم تعد كما كانت في السابق: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا قدرا " بل :" من يكون حتى يقول لي.. راسي وما يقوليش"؟، ومدرسة اليوم أيضا لم تعد  قيمتها كما كانت سابقا :"من زرع حصد" أو "احترم تحترم" بل " من نقل انتقل" و"اللي دوى يرعف"، فأصبح النجاح ليس في الدراسة والاجتهاد بل في القوة و"الفلوس"، والفلوس عند "الفلوس" راها في الخارج والمواقع ماشي عندنا في الواقع؟. وهكذا فقدت المدرسة قيمها وهيبتها ورمزيتها فأصبحت مجرد محطة للشواهد الكاسدة والمعطلين المتوترين ينتظرون وينتظرون وجلهم يريدون الآخذ على الدوام دون العطاء، فأي معنى عندهم للتربية المبادرة والمواطنة؟، ومع الأسف، بدل أن تخرج قيم المدرسة إلى الواقع والشارع تهذبهما وتؤطرهما، دخلت قيم هذه الفضاءات المتوحشة بعنفها وتفاهتها إلى المدرسة دون استئذان، شعارها البراق أن اللاعب الفلاني يربح أكثر من مائة أستاذ، وبعضهم أرهقته الساعات الإضافية وبعضهم هدت كتفه صناديق "السردين" التي يوزعها باكرا على الباعة المتجولين كل يوم سوق قبل أن يلتحق بالمؤسسة؟، بل إن التلميذة "اليوتوبرة" الفلانية لها ملايين المتابعين وتربح الملايين من مجرد هاتفها الذكي و"روتينها اليومي"، والمدرسة لا زالت تحرم عليها كل شيء؟. ليبقى السؤال هو: إلى أي حد تعتبر الأسرة أو هذه المدرسة هي من خلقت كل هذه المشاكل والانحرافات والاحتياجات الاجتماعية حتى تعتبر مسؤولة عن حلها بدل جهاتها المؤكدة وأصحابها الحقيقيين من حكومات وسياساتها ومنظمات؟.

 

3-     شرخ انعدام الغاية وموت النموذج والمشروع:

إن الأسرة فقدت قدرة الجواب على الأسئلة التربوية الحارقة: "كيف نربي أولادنا وعلى ماذا"؟، "لماذا أدخل ابني مدرسة خصوصية بالمقابل في وجود مدرسة عمومية بالمجان"؟، و"لماذا وفي وجود المدرستين أدفع إيتاوات الساعات الإضافية وأحرص على ذلك وأستمر فيه وأنا غير مقتنعة"؟، وكذلك المدرسة فقدت قدرة الجواب على السؤال الأخطر والأعمق والمؤسس لكل شيء وهو : "لماذا ندرس، وأي تلميذ نريد، ولأي وطن"؟، بالأمس كان التلميذ يدرس للترقي الاجتماعي، لاكتساب القيم الوطنية ومعايير الاندماج، أو كما يقول "بورديو": "لإعادة إنتاج الرساميل الثقافية والاجتماعية والرمزية للمجتمع" الذي يوصمه بأنه إنسان دارس، مثقف حضري يتمتع بأساليب التفكير والتفكير النقدي؟. واليوم، وكأن المدرسة أصبجت مضيعة للوقت والحياة تدار خارجها، وبالتالي، إذا غابت الغاية والقصد من الدراسة غاب الاجتهاد وخيم ما خيم اليوم مع الأسف: مؤسسة غير معيارية ناقصة الفضاءات والمؤطرين ضعيفة البرامج والأنشطة..، تلميذ مدمن غش وعنف وموضة و"السوايع" والهدر المدرسي رغم كل "الدوباجات"..، أستاذ محبط، بلا مشروع، دائم الاحتجاج على ظروف العمل وغيرها، لا فرصة أمامه إلا لتلقي كل شيء صالح وطالح..، من منهم طلب بيداغوجية "الريادة" أو يستطيع الانفكاك منها أو حتى الخوض في تقييمها..، وقبلها الأهداف والكفايات والإدماج..؟، وهكذا أصبحت التربية كاسدة، مدارس عمومية تغلق أبوابها المفتوحة لأنها بلا تلاميذ أو بلا أساتذة أو بجانبها مدارس خصوصية تفتح حتى إذا وجدت لها من الأساتذة بقدر التلاميذ، أوصدت بدورها أبوابها للمفتوح الجديد من مدراس الشوارع ومدارس المواقع ومدارس الهجرة..، لا تنقصها لا حرية ولا تلاميذ أوأساتذة، الكل فيها نموذج حر قد يأخذ ولا يعطي أو على الأصح يأخذ أكثر مما يعطي في طموحاته وأحلامه خارج الوطن فكيف بداخله؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

في تاريخ الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا

         إن وضع المغرب بالنسبة لإسبانيا، وضع خاص ومعقد باعتبار هذه الأخيرة جغرافيا هي بلد جار في الشمال على بعد 14 كلم بحرا بين طنجة وطريفة، وهي بوابة القارة الأوروبية العجوز من الجنوب، مستعمر قديم لبعض مناطق المغرب في الشمال وفي الجنوب ومنها "سبتة" و"مليلية" وبعض الجزر المتفرقة التي لا تزال محتلة فك الله أسرها، كانت معقل الأندلس وما أدراك ما الأندلس وتاريخ حكم ومحاكم الأندلس على امتداد 8 قرون، لكنها اليوم شريك استراتيجي متعاون في العديد من المجالات الحيوية كالأمن الحدودي والتعاون الطاقي والتجارة والصناعة والفلاحة، ومحاربة شبكات تهريب المخدرات والاتجار في البشر والهجرة غير النظامية، وغير ذلك مما تجاوز به البلدان التاريخ الدموي الاستعماري بينهما إلى براغماتية المصالح المشتركة التي تربط بينهما برباطات معقدة يصعب تفكيكها أو الانفكاك منها رغم ما يعتريها في العمق ويطفو على سطحها أحيانا كإشكالات "سبتة" و"مليلية" والصحراء المغربية والفلاحة والصيد البحري، وإن كان بعضها يجد طريقه إلى الحل التفاوضي والديبلوماسي كالصيد والصحراء.

 

            فإسبانيا دون المغرب مثلا، لا يمكن لها تأمين حدودها الجنوبية من تهريب المخدرات (70%) وشبكات الهجرة غير النظامية إلى (90%) والفلاحة الموسمية إلى (80%) والتجارة الحرة (20 مليار يورو/2023) خاصة في المدينتين المحتلتين وقبل إغلاق المعابر، بل حتى الاستثمار فإن (1000 شركة اسبانية موجودة في المغرب ومنها ما يوجد في الميناء المتوسطي لطنجة ويشكل إلى جانب البحرية الاسبانية شريانه الحي).ما جعل من المغاربة من جهة أخرى: أول جالية عربية وإفريقية في إسبانيا (800 ألف)، وإن ساعدها المغرب إبان أزمتها الطاقية سنة 2025 بحواليGw/h  500 فإنه يستورد منها طاقة رخيصة بكمية 2500 Gw/h كل سنة عبر خطين بحريين ينوي المغرب إضافة خطين آخرين منهما بحلول 2028، كما يستفيد المغرب من إسبانيا وساطتها لدى السوق الأوروبية المشتركة ودعمهما الديبلوماسي لاستقراره، لأن أي اضطراب في الجنوب سيصلى ولاشك برجع صداه الشمال.

 

            ورغم ما بين المغرب وإسبانيا من شراكة (رابح – رابح) مجالاتها وملفاتها تخدم طرفا أو آخر أو كليهما على الأرجح، فإن ملف الهجرة عامة والهجرة غير النظامية خاصة قد ظل بينهما على الدوام تاريخا من الاضطراب والتوتر الاجتماعي والسياسي ما جعله يراكم تاريخا من التحولات الشائكة كانت الأرقام المهولة لضحاياه من الغرقى في البحر والمحبوسين في ضيعات المنافي والفيافي ، أكبر دليل على أن الملف قد تطور ولا يزال من السيء إلى الأسوأ، ولا يزال بسياسات تدبيره مرشحا لأكثر من ذلك، ترى كيف كانت أولى خطوات وملامح هذه الهجرة بين المغرب وإسبانيا؟، ما هي أهم المراحل التي طبعت تطورها، ولصالح من كان خراجها وحصادها؟، لماذا ورغم كل هذه العقود لا زالت القضية تتطور نحو مزيد من التعقيد بدل التخفيف والحل؟، وهل في الأفق من مقترحات التخفيف من حدة الأزمة، خاصة بعدما بلغت مبالغ الخميس الأسود 30 يوليوز 2026 للزحف الجماعي سباحة لآلاف المغاربة (50 ألف) من كل الأجناس ومن كل الأعمار إلى "سبتة" المحتلة، فكانت الكارثة؟.

 

1)  مرحلة الاستعمار 1912 – 1956: وكان الاسبان هم من يأتون إلى المغرب من أجل العمل العسكري والإدارة الاستعمارية والعمل في مناجم الحديد بالريف وضيعاتهم الفلاحية والصيد البحري..، وبخلفية نهب الثروات والتمكين لاستعمارهم، كعس المغاربة الذين كان عبورهم إلى إسبانيا شبه منعدم باستثناء بعض الفلاحيين الموسميين،  خاصة من سكان الشمال يعبرون إلى جنوب إسبانيا (الأندلس وألميريا..) بشكل تلقائي وعفوي دون أوراق ولا عقود عمل.

 

2)  مرحلة ما بعد الاستقلال 1956 – 1970: رجع الاسبان إلى بلدهم وبقيت حركة المرور بين البلدين أيضا عفوية وتلقائية وفي الاتجاهين، فالإسبان بحكم الفقر كانوا يرسلون أبنائهم للعمل في فرنسا وألمانيا وسويسرا وكانوا يرسلون آبائهم إلى المغرب لاجتياز العطلة، والمغاربة كانوا يجتازون الحدود للعمل والتجارة اليوميين (دون المبيت ) في إحدى المدينتين السليبتين وبمجرد بطاقة العمل أو هوية السكن لمدة عام على الأقل في إحدى مدن الشمال المجاورة كالحسيمة والناظور أو تطوان وطنجة.

 

3)  مرحلة أزمة النفط 1973 – 1980 : سنة 1973 وهي الموسومة بأزمة النفط، وهي السنة التي توقفت فيها أوروبا عن استيراد اليد العاملة فاستبدلها بعض المهاجرين إليها بالإقامة في بلد لم يكن إلا للعبور إلى دول أوروبا وهو اسبانيا قبيل الانتعاش الاقتصادي، ورغم ذلك فعدد المغاربة في إسبانيا كان قليلا جدا لا يتجاوز 5 ألاف ولم يكونوا يكونون جالية تساعد غيرهم و 90 % منهم من أبناء مدن الشمال، بحكم القرب وبحكم حركة المرور لا تزال سهلة دون عقود عمل ولا اتفاقيات شراكة ولا سياجات شائكة أو جوازات و تأشيرات لا ورقية ولا رقمية.

 

4)  مرحلة بداية الانتعاش الاقتصادي الاسباني 1985 – 1991 : ففي سنة 1985 إسبانيا تصدر أول قانون يتعلق بالأجانب، وبدأت مراقبة الحدود، وفي سنة 1986 دخلت إسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي، فأصبحت بشكل رسمي بوابته من الجنوب وعليها تقع مسؤولية حراستها وتأمينها، وبمقتضى الوضع الجديد شددت إسبانيا مراقبة الحدود، فكان رد فعل غير منتظر وهو ظهور الهجرة السرية عبر القوارب في صفوف المهاجرين غير النظاميين وفرض جواز السفر على المهاجرين النظاميين.

 

5)  مرحلة الانتعاش الاقتصادي الإسباني 1993 – 2005:  سنة 1993 تم بناء أول سياج حدودي من طرف إسبانيا في "سبتة" بارتفاع 2.5 متر وصل الآن إلى ارتفاع 6 متر وطول حوالي 8 كلم، وجاء مثله في "مليلية" سنة 1998، كما أصبحت فيزا "شنغن" لتنقل المسافرين من الوثائق المطلوبة بالضرورة للمرور إلى أسبانيا أو غيرها. وفي سنة 2001 أبرمت اتفاقية الهجرة الدائرية (Gecco) بين المغرب وإسبانيان  تستقدم هذه الأخيرة بموجبها 15 ألف من العمالة النسوية ( متزوجات وذوات أطفال وتجربة فلاحية من العالم القروي) للعمل في حقول الفراولة لمدة 3 إلى 6 أشهر يعدن بعدها إلى بلدهن، ومنهن من تبقى بطرق غير شرعية وفي وضع هشاشة؟. وبين 2003 و 2005 ارتفع عدد الضحايا من الغرقى إلى ما بين 3 و 5 ألاف مما دفع بإسبانيا وحلفائها إلى تشديد الرقابة وإعلاء السياج، خاصة بعد أحداث 11 شتنبر 2001 الإرهابية في أمريكا.  

 

6)  مرحلة الأزمة الاقتصادية في إسبانبا 2006 – 2008: مرحلة الأزمة هذه وقع فيها المغرب مع الاتحاد الأوروبي شراكة "الحدود والتنمية "Frontex"، يتلقى المغرب بموجبها مساعدات من الاتحاد الأوروبي مساعدة على جهوده في حراسة الحدود وعلى جهوده في مساعدة المرشحين للهجرة غير النظامية من أبناء جنوب الصحراء اختاروا الإقامة في المغرب أو العودة الطوعية لبلدانهم. غير أن سنة 2008 تميزت بالأزمة المالية الحادة التي ضربت قطاع البناء في إسبانيا لدرجة تراجع فيها القطاع ب 70% وارتفعت البطالة من 8 إلى 27 % مما اضطر البلد ليس إلى تجميد التجمع العائلي والهجرة النظامية بل حتى إلى طرد المهاجرين وتحفيزهم على العودة الطوعية لبلدانهم، بل والهجرة العكسية إلى بلدان مجاورة أو على الأقل الهجرة من البناء إلى الفلاحة والخدمات داخل نفس البلد.

 

7)  مرحلة الهجرات المغربية الجماعية 2018 – 2026: واستمرت سياسة الأزمة المالية اتجاه الهجرة وسياسة الطرد للمهاجرين إلى سنة 2018 حيث حدثت أزمة بين المغرب وإسبانيا على خلفية استقبال هذه الأخيرة في مستشفياتها لزعيم "البوليزاريو" إبراهيم غالي/بن بطوش، وكان رد فعل المغرب الغاضب وكأنه قد أرخى من دوره في حراسة الحدود فدخلت 8 ألاف مهاجر/ة غير نظامي منهم 1500 قاصر، في يوم واحد (الاثنين 17 ماي 2021). بعدها جاءت أزمة "كورونا" سنة 2020-2021 وجراء الإجراءات الاحترازية التي ركزت على منع التنقل والأسفار، علقت خلالها 7200 عاملة في اسبانيا دون أوراق ولا بطاقة الإقامة؟، وهكذا إلى أن جاء الخميس الأسود  30 يوليوز 2026 حيث زحف على "سبتة" سباحة بحرية في يوم واحد ما يزيد على 50 ألف مغربي ومغربية من كل الأجناس وكل الأعمار، دون بطاقة مرور ولا جواز سفر أو فيزا بيومترية أو حتى ما وضعوه للتو من سياجات بحرية عائمة، ورغم ما يقال من أنه قد عادت منهم حوالي 48 ألف، فقد كان الحدث كارثة بكل المقاييس والاعتبارات والملابسات، ويفتح سؤال الأسئلة الحارقة على كل التساؤلات؟.



              ختاما، أكيد أن كل الأطراف بقدر ما نالت من وضعية الهجرة غير النظامية هذه بعض ما يمكن أن نسمية مكاسب، بقدر ما وقعت عليها أضرار ربما أشد وأكثر، ومن ذلك:

1)المغرب: قد يكون كسب شراكة الهجرة الدائرية (Gecco)، بعض التحويلات المالية وبعض مساعدات الاتحاد الأوروبي (Frontex)، ولكن عليه ضغط حراسة الحدود وما يناله جراء الهجرة بشكل عام من نزيف الطاقات والتفكك الأسري وظروف إقامة مهاجراته..؟.

2) إسبانيا: لها مكاسب إنعاش اقتصاد المدينتين السليبتين(20 مليار يورو/2023 )، جلب اليد العاملة الرخيصة وتأمين مواسمها الفلاحية ب(80%)، لكن تتبعها مسؤولية الموتى والغرقى في البحر ووصم إساءة التعامل مع المهاجرين ضدا على حقوق الانسان، مع ما لا يرحمها من الضغط على الخدمات،

3)الاتحاد الأوروبي: وقد يكون كسب شراكة موثوقة ومعتمدة مع المغرب  ويساعده في بعض المشاريع التنموية في الموضوع، لكنه فشل في تحقيق التحول الحلم من الهجرة بالقوارب إلى الهجرة بالعقود، وكذلك في إيقاف ما يتفجر كل يوم من الاتجار بالبشر أو يحتد من الصراعات الاجتماعية ومشاكل الاندماج..؟.

 

       كل هذا يضعنا كأطراف ومجتمع دولي أمام تحديات جسيمة في الموضوع ويوجب على الجميع البحث الجماعي عن حلول مشتركة ناجعة وآفاق رحبة لتأمين الهجرة وتجويدها، ومن ذلك:

1)على المدى القريب:

* توسيع الهجرة الدائرية أعدادا ومناطق ومجالات..

* حماية العاملات بتوفير سكن لائق ومراقبة الضيعات..

* منع البقاء غير القانوني بعقد واضح وغرامة على الباقيات وعلى المشغلين..

2)على المدى المتوسط:

* الاستثمار التنموي النظيف في المغرب بعقلية نقل المعمل بدل العامل.

* التكوين المهني وإعارة فائض الخريجين إلى الدول المحتـــاجة وفق عقود.

* المشاريع المدرة للدخل في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مع العمل على ضمان النجاعة والتعميم.

3) على المستوى البعيد:

* تنمية حقيقية و سياسة هجرة مشتركة وإدماج حقيقي

* عدم الاستغلال والقضاء على أوضاعه: ساعات عمل أكثر وأجور أقل، البدون أوراق، هشاشة المساكن..

* الادماج الحقيقي ومحاربة الاغتراب بتعلم اللغة وتفادي العنصرية والفراق الأسري والصدمة الثقافية عامة، ومن المؤكد بهذا الصدد أن حفاظ المهاجرين على هويتهم وقيمهم وثقافتهم أدعى لاندماجهم من سياسات التماثل والتطابق (Assimilation) التي طبقتها بعض الدول الأوروبية حتى في المأكل والملبس..، ولم تؤدي إلا إلى نتائج عكسية وتقاطبات حادة.

 

        وتبقى الهجرة خيار بشري منذ الأزل وضرورة إنسانية أحيانا، لها مكاسبها الانفراجية وإكراهاتها الموضوعية، ولكن الاشكال قد لا يكون في الهجرة كهجرة بشكل عام وإنما في نوع منها وهي الهجرة غير النظامية، غير الحقوقية وغير الاندماجية، والتي قد لا تكون بين حدود البلدان فقط بل أيضا بين طبائع النفوس وأمزجة الذوات في نفس البلد بل في نفس الأسرة ونفس البنية الاجتماعية والعقلية الثقافية، وتلك قضية أخرى أشد وأعقد.

الحبيب عكي 


اقرء المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المشاركات الشائعة