Top Ad

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

مواضيع مختارة

الخميس، 17 سبتمبر 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

سؤال القيم الأخلاقية في الانتخابات البرلمانية.

       في الحقيقة، قد لا نبالغ إذا قلنا أن تمثلات الشعب المغربي للبرلمان في جزء مهم منها لا تزال سيئة وغير مشجعة على التفاعل الإيجابي لا مع هياكله ولا مع برامجه، فبالأحرى مع تشكيله و متابعته أو تقييمه وتقويمه؟، ففي الوقت الذي يعتبره الدستور مؤسسة تشريعية ورقابية من الشعب وإليه، فإن فئات عريضة من هذا الشعب لا يحتفظ له بغير تمثلات سلبية كثيرا ما يغديها بؤس الواقع وتعقيداته وعجز البرلمان عن مجرد الخوض في ذلك بله العمل الحقيقي والفعال على حله والتخفيف من مضاعفاته؟، كل ذلك يجعله مقرونا عند الكثيرين بتمثلات سلبية منها: كونه مجرد واجهة لشراء أصوات النخب وولاءات الأعيان مهمتهم المصادقة على سياسات وتمرير قرارات لا تعبر عن الإرادة الشعبية؟، وهو كذلك هيئة لا تشتغل إلا في مشاريع وبرامج فوقية جاهزة ومحسومة سلفا وترفض فيها كل الملاحظات والتعديلات التي لم يقل بها مهندسوها ضدا على الحكامة التشاركية؟، عدم الجرأة على الاقتراب من المواضيع الحارقة التي قد تمس هوية المجتمع وتنخر هوامشه...، مما يجعل جلساته عند هؤلاء مجرد مسرحيات سمجة سيئة الإخراج والخراج، وسط غياب واضح ودائم لأبطاله، وميزانية ضخمة وتقاعد مريح لممثليه، لا ينال مثله من أفنوا أعمارهم في المضنيء من الأعمال المحطمة للصحة الجسدية والنفسية؟، إنه برلمان الأمية الأبجدية، مبتلع الطاقات المحترقة المبدعة، وفاصلها عن الشارع بطالة وغلاء، مظاهرات وتوترات، حراكات وهجرات..، في خرق صريح لما وضعوه أو وضع لهم من بنود مدونة السلوك والأخلاقيات؟.

 

     البند 390 من هذه المدونة مثلا يقول:                                     "يجب على النائبات والنواب أن يعملوا لمصلحة الوطن والمواطنين وعلى إيثار المصلحة العامة على كل مصلحة فئوية أو خاصة وتجنب تضارب المصالح مع مهامهم النيابية، وألا يستغلوا مهامهم النيابية لتحقيق مصلحة خاصة أو منفعة مالية أو عينية لهم أو لذويهم"، وأكيد، أننا بعيدون عن ذلك وأن هناك تحديات عديدة وعلى مختلف المستويات تحول دون إبقاء البرلمان على جوهره الرقابي اللازم والتشريعي المنتج وهويته التمثيلية والخدماتية للشعب، وسنطرح بعضها الشائك والذي بدونه ستبقى الهيئة مجرد صورة باهتة بعيدة عن أهدافها التشريعية وأدوارها التنموية، وبعيدة بالأخص عن حيويتها وجاذبيتها، ومن ذلك:

1-    سؤال التمثيلية وتوسيعها:

 هل تتمثل في البرلمان كل الجهات وكل الفئات وكل القبائل والهويات والثقافات.. بتعدد وتنوع المغرب؟، ولماذا كل هذه الحشود من الفاعلين الذين ينشطون وبحيوية خارج المؤسسات، هل كان ذلك اختيارهم أم اضطرارهم؟.

2-    سؤال العمل الحقيقي للبرلمان:

     إذا كان يتصدى للمشاكل الحقيقية للشعب، فكيف هو مع الصحة والتعليم والتشغيل...، وهي أزمات تستفحل لعقود وعقود بدل أن تخف؟، كيف هو مع الهوية والبطالة ومحاربة الغلاء ومقاومة التطبيع..، كيف هي مع التنسيقيات الفئوية والحراكات الإقليمية والهجرة الفردية والجماعية وفي كل لحظة وفي كل بقعة ترتفع ألسنة لهبها الحارق؟.

3-    طبيعة العمل العدالي للبرلمان:

     ماذا يقبل من اقتراحات الغرفتين دلالة على حق الاجتهاد وتثمينا لجهد الابداع وضمانا لحق المشاركة الفعلية والحكامة بين الفرقاء والاستيعاب التمثيلي والانصاف الجهوي والمجالي خارج المسطر الحديدي من مصالح اللوبيات المركزية وجشعها، أم كتب على ممثلين إلا أن يصادقوا وعلى امتداد الولاية على مشاريع لا ناقة لهم فيها ولا جمل ولا لمناطقهم وفئاتهم؟.

4-    سؤال الترجمة الحقيقية للمشاريع الملكية:

     وبعضها لا يكاد يراوح مكانه أو يتحرك بأبطء من بطء ك(الجهوية الموسعة.. والدولة الاجتماعية..)، وأين هو من برلمانات الشارع وحراكاته الاجتماعية وفي كل مرة تقدم ملتمس رقابة لإسقاط حكومة لا تسقط ولا تملك الشجاعة على ذلك، ولا حتى اليقظة لإطفاء نيران دبت في أطراف فساتينها؟.


 

   إذن، هناك عوامل متعددة أدت كلها إلى هذا الوضع، الذي لابد من تداركه وإصلاحه وفي ذلك إصلاح للمؤسسات وإحكام بنيتها وتقوية شرعيتها وبالأخص مصداقيتها وفعاليتها والثقة فيها، ومن تلك العوامل عوامل التشكل أو الانتخابات التي ينبغي القطع الجازم مع كل أشكالها الهالكة والمهلكة، وعلى رأسها:

1-    انتخابات المال الحرام بسخاء:

  بكل اشكاله وكل أسعاره، وشعاره:" بقدر ما تعطي، بقدر ما تنجح"، ومجرد 200 درهم للصوت في "دار ممتدة ودوار واحد"، قد يكسب صاحبه 8000 صوت، وهي كافية لإنجاحه، ولو على ذمة "القاسم المشترك" الذي يضمن ذلك، وأكثر من ذلك يضمن أن يجعل من مشروع : " ماء وكهرباء + مدرسة  ومستوصف + طريق و نقل + مسجد الحي + حديقة وملعب قرب"، مجرد عقد شراكات مع الشركة الخاصة بالمرشح أو أحد أقربائه والجمعية الوهمية لأصدقائه الذين هم في الحقيقة "بلطجيته" الانتخابية؟.

2-    انتخابات القبيلة والعائلة الممتدة:

وتعني الدعاية والتصويت على ابن العائلة بالدرجة الأولى، بدل الدعاية والتصويت للكفاءة والصلاح، والحزب اليقظ من يستثمر الحمية والتحالفات..، وقد تجمع لمحظوظها 15 أو 20 ألف صوت، فتنجح القبيلة ولكن تخسر القرية، وتتراجع في كل شيء وهي التي كان طموحها أن تصبح مدينة مزدهرة فإذا بها قد مرت عليها ولايات وولايات وهي من شدة الفقر وخنق الجفاف لم يتمكن أبناؤها البررة الذين لم يجرؤوا على كسر "عهد القبيلة والحط بكلمتها" حتى لا يصبحوا مساخيطها، لم يجدوا بدا إلا أن يرحلوا نحو المدينة في مغامرة عيش يقتلعهم من جذور الجذور؟.

3-    انتخابات الصورة الشعبوية للأعيان الجدد:

   انتخاب على من عنده خطاب عاطفي جياش، يتحدث ببراعة عن المكبوت من يأس الناخبين ويفجر بؤسهم، ويقنعهم أنهم يستحقون الأفضل ومن حقهم، وأن ذلك الأفضل سيأتي على يده، فقط إذا ساروا وراءه  وكانوا معه كما هو معهم الأن في الأسواق يأكل "الهندي" و يركب معهم "التريبوتور" إلى المقهى يكرمهم صاحبه بالمشروب "البلدي" ..، وبعدها ينجح الرجل ولا شيء يتحقق من كل وعوده الانتخابية، لأن السياسات والميزانيات والتصويت على القرارات أعقد من كل الرغبات والنوايا الطيبة، بل أعقد حتى من المظالم الواضحة والمرافعات الصادقة؟.

4-    انتخابات المقاطعة تلو المقاطعة:

  تحت شعار سوسيولوجي خطير تجسده عبارة: " أولاد عبد الواحد كلهم واحد" و " أصلا الأحزاب ما عندهاش لا سلطة ولا حكم"، وكم عقودا أمضيناها ورائهم نجتر الكلام تلو الكلام في نفس القضايا، هي تزداد استفحالا وتعقيدا ونحن نزداد ضعفا ويأسا، فأصبحنا اليوم 50% يهتمون بالسياسة والإصلاح و 50% لا يهتمون بأي شيء كان إصلاحا أو إفسادا؟. متناسين أن الانتظار لا يسوي المعضلات فما بالك بتطوراتها وتعقيداتها عبر الزمن وأدوات الاشتغال؟.

 


  ما أضيق السوق الانتخابية إذا ظلت غارقة في الضحل المادي الآسن، ولو تنحت شيئا ما جانبا، لرأت أن هذا الوحل المادي الصرف هو الذي يغرقها وينتنها ويفسدها حتى ما عاد الناس يأملون شيئا في وعودها فكيف في إنجازاتها؟، وإن الأمر ليس من قلة السياسات والمخططات ولا من قلة البرامج والميزانيات، ولكن أكثر شيء -لو رأيتم-  هو من قلة القيم الأخلاقية والإنجازات المعنوية والتي قد لا تتطلب غير الإرادة الصادقة دون فلس واحد من الميزانية، وهي مرتكزات كل الشعوب والزعماء في معاركها السياسية وتنميتها الاجتماعية وعدالتها المجالية، الحرية، الكرامة، الانصاف، العدالة، الحقوق والمساواة، وحتى التمييز الإيجابي إذا لزم أحيانا..؟. فهذا "Barack Obama" في رئاسياته الأمريكية اتخذ له شعار: " Yes we Can" أي "نعم نستطيع"، وهو شعار غير مادي بسيط وعميق سرعان ما جمع حوله ملايين من الأنصار، أعاد إليهم الثقة وفتح أمامهم الأبواب الموصدة خاصة في مواجهتهم للأزمة المالية 2008، البعبع الذي أرعب الأمريكيين فواجهوه وهزموه لا بالأرصدة المادية بقدر ما كان ذلك بالثقة والأمل وهي قيم معنوية؟.


 

   وهذا  "Jean-Luc Mélenchon" المرشح الاشتراكي اليساري للرئاسيات الفرنسية 2027 والأوفر حظا حسب استطلاعات الرأي والتجاوب الميداني، وهو يرفع شعار: " L’insoumission" يعني " التمرد وعدم الخضوع" وهو شعار معنوي أيضا لا يعني الدعوة إلى الفوضى في شيء، بل له أصول من التاريخ الفرنسي وما امتلأ به من قيم الحرية والتمرد على كل ما هو غير شرعي وغير منطقي وعقلاني، ومن ذلك اليوم، التمرد المالي على مالية الاتحاد الأوروبي التي تخنق الفرنسيين وتحرمهم من الزيادة في الأجور وهم يستطيعون ذلك ومحتاجون إليه؟، التمرد ضد السياسة الليبرالية المتوحشة للجمهورية الخامسة التي جعلت كل السلط متمركزة في يد الرئيس، بدل يد الشعب كما يقتضي ذلك حلمهم في ميلاد الجمهورية السادسة التي ستحرر فرنسا من التبعية لأمريكا وإسرائيل والخضوع لهما بالسكوت عن جرائمهما في غزة/فلسطين و كركاس/ فينزيلا وفي غيرهما من بقع العالم؟. وأخيرا، عدم الخضوع لإعلام أوليغارشي في يد الأقلية الثرية وخدمتها وهو يزور حقيقة الأحداث على غير ما هي عليه تهوينا وتهويلا، ومن ذلك أوضاع المسلمين والمهاجرين الذين يسعى النظام المأمول إلى استيعابهم وتسوية أوضاعهم والتصالح معهم ومع نمط زيهم وعيشهم خاصة وأن ضجيج الأرقام اليوم  يقول بأن من بين كل ثلاثة فرنسيين هناك أجنبي واحد أو له أصل بذلك، بما يعادل نسبة 30% أو 20 مليون نسمة؟.


 

في الأخير، أحيانا وخلال بعض الحملات الانتخابية وبرامجها تتردد بعض الشعارات الأخلاقية الراقية من مثل: الحرية للمعتقلين، الشغل للجميع، الهوية الوطنية، الديمقراطية، التنمية، العدالة الاجتماعية، الأسرة، المدرسة، التضامن، الكرامة الإنسانية، الجهوية واللامركزية.. لكن أثناء الحملات الميدانية والبرامج الإعلامية، لا أحد يعبىء على أساسها أو يخوض في مفهومها وتطورها، لوازمها ومستلزماتها، تمثلاتها ومعيقاتها..، وسرعان ما تختفي في الحملة ككل وتطغى عليها البرامج المادية الصرفة والأرقام السحرية التي قد يقرأ فيها رقم 9 مجرد رقم 6 والعكس، ويتحول الشارع إن أتى ولمن أتى إلى مجرد رصيف بالإسفلت أو الزليج (أنت وزهرك)، والمسجد إلى مجرد مآراب أمامه ساحة..، ذلك أن التصويت كان قبليا وعلى غواية مادية إن لم نقل على بياض انتخابي تم فيه البيع للمرشح المادي، أرى الناس من الربح قنطارا وسلب منهم رأس تنميتهم دون حس أخلاقي، ومن أين له بالحس الأخلاقي وهو من أتاح لنفسه استغلال فقر المواطن في الانتخابات وشراء ذمته بالقليل أو الكثير؟، من شرع لنفسه استغلال جهل الناخب وأميته وانتماؤه القبلي وهو عنده أمر مشروع الاستباحة؟، وهل ما سبق تسجيله من مثل تدخل بعض الشيوخ والمقدمين وبعض رجال السلطة لصالح أحزاب ومرشحين في عصر الذكاء الاصطناعي، هل هو من شفافية الاستحقاق أم من الفساد والبهتان والسحر الذي طالما انقلب على الساحر دون جدوى؟.


 

إن الزعماء الذين نجحوا في ثوراتهم التغييرية والاصلاحية والتنموية وتعبأت لهم شعوبهم ونقلوا بفضلها بلدانهم إلى مصاف الدول المتقدمة والشعوب المزدهرة، إنما كانت شعارات معاركهم أخلاقية، وعبر الأخلاق كان الفائض المادي  الذي تمتعت به البلاد والعباد، وليس العكس، فهذا "غاندي" كان شعاره الذي أخرج به الاستعمار البريطاني من بلاده 1944: "Quit India " أي "أخرجوا من الهند"؟. وهذا "مانديلا" كان شعاره ضد الميز العنصري: "Amandla Ngawethu"  أي " السلطة للشعب"، و"ماو تسي تونغ" كان شعاراته 1963: " Let the rose bloom " أي " دع الوردة تينع"، و"أردوغان" حرر شعبه من القبضة الحديدية للعلمانية سنة 2002 بشعار: "Yeter, söz milletindir!" أي " كفى، الكلمة للشعب"،  وكلها شعارات معنوية أخلاقية استطاعت تعبئة الشعوب أكثر من أي شيء مادي قد يأتي ولا يأتي ما دامت هناك عوائق أخلاقية كثيرة تحول دون تحقيقه، وإلا فليس عبثا ينادي الناس ب"العدالة" وب"التضامن" وب"المساواة" وب"الإنصاف".. وكلها عناوين أخلاقية لمعنى واحد أو إثنين أساسيين فيهما كل شيء مادي ومعنوي وهما "الثقة" و"الكرامة"، ولمن لم يدرك بعد هذا فليحاول الإجابة بصدق على مجرد هذا السؤال: "هل نحن في المغرب نعاني صدقا من قلة الإمكانيات أم من سوء توزيعها ولا حكامة تدبيرها؟، وإلا كيف بهده الإمكانيات المنعدمة تظهر بقدرة قادر إذا تعلق الأمر بمشاريع كبرى من حجم ملاعب 5G وقطار TGV؟، وهل هذا الاشكال سيعالج حقا بالوعود المادية أم بالقيم الأخلاقية تتشبع بها عقولنا ويتأثر بها إيجابا واقعنا؟

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

ما هذا الشرخ الذي أصاب التربية في مقتل أو يكاد؟.


إن حجم المشاهد التراجيدية التي صدمتنا خلال الزحف البحري الجماعي لآلاف المغاربة والمغربيات نحو سبتة المحتلة، بوابة لهم نحو إسبانيا الأندلس الفردوس المفقود، ومعبرا لهم نحو أوروبا الاتحادية الحلم الموعود، هجرة جماعية غير نظامية بالآلاف المؤلفة (50 ألف) من كل الأجناس الذكور منهم والإناث، وكل الأعمار حتى الأطفال والشيوخ، وكل الفئات التلاميذ والطلبة، المعطلين والعاملينن، بل وحتى العرسان وذوي الاحتياجات، أسر بأكملها ومؤسسات بأطقمها وشركات تركها عمالها من مدن وقرى الشمال كما الجنوب وجنوب الجنوب، مما يطرح السؤال على مصراعيه: لماذا وكيف حدث هذا الذي حدث؟، ولماذا في هذا التوقيت الوطني الرمزي والمميز عند الجميع، عيد العرش الذي يعتبر المساس به أو الإساءة إليه مساس وإساءة ولا شك إلى الهوية والسيادة والاجتماع الوطني.  وقد نحتلف في إجاباتنا عن سؤال الحدث اختلافات ونذهب في تحليل مظاهره أسبابه وعواقبه مذاهب وسياقات، حيثيات حقائق وتأويلات ، لكن الذي لا يختلف فيه اثنان هو أن الموضوع بكل تأكيد تجل من تجليات الشرخ أو الشروخ التي أصابت التربية عندنا في مقتل أو تكاد؟. ترى ما هي هذه الشروخ؟، ما أسبابها وأخطارها وما سبل علاجها؟، على اعتبار كما رأينا أنها لا تبقي ولا تذر أي شيء في أي شيء؟.

 

والتربية هنا بمعناها الشمولي التكاملي، تربية عقائدية وثقافية، سياسية واقتصادية، وطنية اجتماعية، قطرية وكونية..، تربية أصيلة ومنفتحة تكون هي أساس وأس كل شيء وعليها يبنى كل شيء كما يقال.  هذه التربية قد أصابتها شروخ في مرجعياتها وبنياتها الأسرية والمدرسية، المسجدية الجامعية والجمعوية..، فأصبحت الأوطان غير الأوطان والأجيال غير الأجيال والبنيات والروابط غير البنيات والروابط..، وإلا فكيف نفسر كل تلك المشاهد المأساوية التي فقأت أعين الجميع خلال الحدث المؤلم؟، سواء ما تعلق منها ببلد الطرد والارسال أو ما تعلق منها ببلد الجذب والاستقبال، هل تواعد الناس للهجرة الجماعية غير النظامية من مجرد المواقع الافتراضية فهبوا هبة واحدة ونزلوا نزولا واحدا يجسدون همهماتها في مراتع  الواقع؟، كيف لهذه الهمهمات أن قادت الألوف المؤلفة من المهاجرين غير النظاميين إلى مصير مجهول يعتقدون في أحلامه بقوة؟، وسرعان ما صدمهم جحيم أخطاره مباشرة بعد العبور، حيث لا ماء ولا طعام، لا إقامة ولا مأوى، بل بالعكس تعرض المهاجرون الناجون كما فضحت ذلك وسائل التواصل الاجتماعي لأقصى درجات العزلة والمهانة،  والمطارة العشوائية والمعاملة العنصرية ..، سجلت خلالها حالات قتل .. وحالات اغتصاب.. وحالات تجويع.. وحالات.. وحالات..؟.

 

ويبقى السؤال التربوي في الموضوع انشطاريا كل شهاب منه حارق: "كيف اقتنع الطفل القاصر "الحارك" على أن مستقبله في "الحريك" إلى سبتة لا في مقاعد الدراسة التي ترك فيها الجمل بما حمل؟، وكيف اقتنع أن هذا المستقبل ممكن بالفعل ووردي وهو لم يدرس له أي مستوى ولم يتعلم له أية حرفة لا من صنعة الأب ولا من ورشات التكوين المهني أو حتى مآرب الأقارب والأصدقاء في الحي"؟. "كيف تتجرأ المرأة على تأنيث الهجرة غير النظامية فتترك زوجها وأبنائها لتلتحق بحقول المعذبات في الأرض ترعى "الفراولة" وتجنيها بدل أن ترعى أسرتها من التفكك وزواجها من الصورية والحل والانحلال"؟. "كيف بالعاملين في قطاع عام أو شركة خاصة يتركون وظائفهم وأعمالهم أملا في العثور على وظائف وأعمال إسبانية وأوروبية مماثلة أو أقل منها ومعروفة سلفا كالندالة في المقاهي والملاهي والنظافة في الشوارع والمطارح ورعاية المسنين في منازلهم ودور العجزة"؟. كيف لكل هؤلاء المهاجرين غير النظاميين أن فقدوا الثقة في وطنهم وعدم قدرته على إدماجهم - إن صح التعبير -، وأملوا في الاستثمار في أي شيء في إسبانيا التي كانت هي ذاتها وطوال تاريخها مجرد نقطة عبور إلى أوروبا التي كانت ترسل إليها هي نفسها بجاليات وجاليات، بل هي اليوم تستثمر في المغرب - الذي فقد فيه أبناؤه ثقتهم -، وإسبانيا لها فيه أزيد من 1000 شركة في مجال البناء والبحرية والخدمات والصناعات وعلى رأسها شركاتها الرئوية في ميناء طنجة المتوسطي؟.

 

إنها الشروخات الكبرى التي أصابت اليوم التربية في مقتل أو تكاد، وإذا أردنا تجاوز التشخيص إلى المساهمة في مقترحات العلاج، فرغم أن هناك بعض الخصوصيات حسب المجالات التربوية العقائدية منها والسياسية، الاقتصادية منها والاجتماعية، الثقافية منها والفنية والرقمية..، وأيضا حسب المؤسسات الأسرية منها والمدرسية، الجامعية منها والجمعوية والحزبية والنقابية.. ، فإن لها قواسم مشتركة مهما اختلفت أنواع التربية والمؤسسات ويمكن إجمالها في أخطر ثلاثة وهي:

1-     لغة التواصل التي فقدت المعنى والمبنى:

وكأنه لا أحد اليوم يفهم أو يدرك ويستوعب ما يقوله الآخر، أو يشير إليه أو تجسده أحواله وقد قالوا: " لسان الحال أبلغ من المقال"؟. فإدا قال مواطن مثلا: أنا محتاج.. أنا مظلوم.. أريد حقي.. إني أعاني.. أريد العمل..، كان كل ذلك عند الآخر وكأنه مجرد لغو كاذب أو"الطنز العكري"، لا يفهمه ولا يدركه إن لم يستوعبه ربما بالمقلوب، فكيف سيتفهمه ويتخذ بشأنه اللازم والمناسب من المواقف في حينها بالكم وبالكيف المطلوب؟. "منذ كم والمهتمون يقولون إن هناك خللا تربويا خطيرا ينبغي أن يعالج، إن الأطفال في مدن الشمال المجاورة لمعابر "سبتة" و"مليلية"، يتركون المدارس ليتسوقوا داخل هذه المدن التجارية المحتلة، ويعتبرون ذلك نباهة مبكرة منهم توفر للصغار من المصروف ما لا يتوفر عليه الكبار؟، لم نعالج الأمر، ومرت السنين، وها هم اليوم جموع الأطفال يحذون حذوهم، وعند ملاجىء إسبانيا وإيطاليا للقاصرين الاحصاء اليقين"؟. هل كان هذا الهجر/الهدر بسبب المسألة المادية فقط؟، لا بل أصل الاشكال أيضا من اللغة، أقصد اللغة الأسرية والمدرسية الممزقة والمرقعة برقع تكشف العورة أكثر مما تسترها: لغة الأم + الدارجة + العربية + الفرنسية + الإنجليزية.. حسب المراحل والمؤسسات، مما يجعل التواصل في هده المؤسسات في الحقيقة منعدما، وإذا غاب التواصل غاب الفهم والادراك وغاب التفكير و النقاش والاقناع.. ومن تمة القيم والمعايير، فلا يسألن أحد بعدها من نحن؟، ولا بأية قيم وطنية نعيش؟.

 

2-     شرخ الهوية والقيم والأخذ دون العطاء:

القيم في الأسرة تغيرت وفي المدرسة أكثر، إن القيمة في أسرة اليوم لم تعد كما كانت في السابق: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا قدرا " بل :" من يكون حتى يقول لي.. راسي وما يقوليش"؟، ومدرسة اليوم أيضا لم تعد  قيمتها كما كانت سابقا :"من زرع حصد" أو "احترم تحترم" بل " من نقل انتقل" و"اللي دوى يرعف"، فأصبح النجاح ليس في الدراسة والاجتهاد بل في القوة و"الفلوس"، والفلوس عند "الفلوس" راها في الخارج والمواقع ماشي عندنا في الواقع؟. وهكذا فقدت المدرسة قيمها وهيبتها ورمزيتها فأصبحت مجرد محطة للشواهد الكاسدة والمعطلين المتوترين ينتظرون وينتظرون وجلهم يريدون الآخذ على الدوام دون العطاء، فأي معنى عندهم للتربية المبادرة والمواطنة؟، ومع الأسف، بدل أن تخرج قيم المدرسة إلى الواقع والشارع تهذبهما وتؤطرهما، دخلت قيم هذه الفضاءات المتوحشة بعنفها وتفاهتها إلى المدرسة دون استئذان، شعارها البراق أن اللاعب الفلاني يربح أكثر من مائة أستاذ، وبعضهم أرهقته الساعات الإضافية وبعضهم هدت كتفه صناديق "السردين" التي يوزعها باكرا على الباعة المتجولين كل يوم سوق قبل أن يلتحق بالمؤسسة؟، بل إن التلميذة "اليوتوبرة" الفلانية لها ملايين المتابعين وتربح الملايين من مجرد هاتفها الذكي و"روتينها اليومي"، والمدرسة لا زالت تحرم عليها كل شيء؟. ليبقى السؤال هو: إلى أي حد تعتبر الأسرة أو هذه المدرسة هي من خلقت كل هذه المشاكل والانحرافات والاحتياجات الاجتماعية حتى تعتبر مسؤولة عن حلها بدل جهاتها المؤكدة وأصحابها الحقيقيين من حكومات وسياساتها ومنظمات؟.

 

3-     شرخ انعدام الغاية وموت النموذج والمشروع:

إن الأسرة فقدت قدرة الجواب على الأسئلة التربوية الحارقة: "كيف نربي أولادنا وعلى ماذا"؟، "لماذا أدخل ابني مدرسة خصوصية بالمقابل في وجود مدرسة عمومية بالمجان"؟، و"لماذا وفي وجود المدرستين أدفع إيتاوات الساعات الإضافية وأحرص على ذلك وأستمر فيه وأنا غير مقتنعة"؟، وكذلك المدرسة فقدت قدرة الجواب على السؤال الأخطر والأعمق والمؤسس لكل شيء وهو : "لماذا ندرس، وأي تلميذ نريد، ولأي وطن"؟، بالأمس كان التلميذ يدرس للترقي الاجتماعي، لاكتساب القيم الوطنية ومعايير الاندماج، أو كما يقول "بورديو": "لإعادة إنتاج الرساميل الثقافية والاجتماعية والرمزية للمجتمع" الذي يوصمه بأنه إنسان دارس، مثقف حضري يتمتع بأساليب التفكير والتفكير النقدي؟. واليوم، وكأن المدرسة أصبجت مضيعة للوقت والحياة تدار خارجها، وبالتالي، إذا غابت الغاية والقصد من الدراسة غاب الاجتهاد وخيم ما خيم اليوم مع الأسف: مؤسسة غير معيارية ناقصة الفضاءات والمؤطرين ضعيفة البرامج والأنشطة..، تلميذ مدمن غش وعنف وموضة و"السوايع" والهدر المدرسي رغم كل "الدوباجات"..، أستاذ محبط، بلا مشروع، دائم الاحتجاج على ظروف العمل وغيرها، لا فرصة أمامه إلا لتلقي كل شيء صالح وطالح..، من منهم طلب بيداغوجية "الريادة" أو يستطيع الانفكاك منها أو حتى الخوض في تقييمها..، وقبلها الأهداف والكفايات والإدماج..؟، وهكذا أصبحت التربية كاسدة، مدارس عمومية تغلق أبوابها المفتوحة لأنها بلا تلاميذ أو بلا أساتذة أو بجانبها مدارس خصوصية تفتح حتى إذا وجدت لها من الأساتذة بقدر التلاميذ، أوصدت بدورها أبوابها للمفتوح الجديد من مدراس الشوارع ومدارس المواقع ومدارس الهجرة..، لا تنقصها لا حرية ولا تلاميذ أوأساتذة، الكل فيها نموذج حر قد يأخذ ولا يعطي أو على الأصح يأخذ أكثر مما يعطي في طموحاته وأحلامه خارج الوطن فكيف بداخله؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

في تاريخ الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا

         إن وضع المغرب بالنسبة لإسبانيا، وضع خاص ومعقد باعتبار هذه الأخيرة جغرافيا هي بلد جار في الشمال على بعد 14 كلم بحرا بين طنجة وطريفة، وهي بوابة القارة الأوروبية العجوز من الجنوب، مستعمر قديم لبعض مناطق المغرب في الشمال وفي الجنوب ومنها "سبتة" و"مليلية" وبعض الجزر المتفرقة التي لا تزال محتلة فك الله أسرها، كانت معقل الأندلس وما أدراك ما الأندلس وتاريخ حكم ومحاكم الأندلس على امتداد 8 قرون، لكنها اليوم شريك استراتيجي متعاون في العديد من المجالات الحيوية كالأمن الحدودي والتعاون الطاقي والتجارة والصناعة والفلاحة، ومحاربة شبكات تهريب المخدرات والاتجار في البشر والهجرة غير النظامية، وغير ذلك مما تجاوز به البلدان التاريخ الدموي الاستعماري بينهما إلى براغماتية المصالح المشتركة التي تربط بينهما برباطات معقدة يصعب تفكيكها أو الانفكاك منها رغم ما يعتريها في العمق ويطفو على سطحها أحيانا كإشكالات "سبتة" و"مليلية" والصحراء المغربية والفلاحة والصيد البحري، وإن كان بعضها يجد طريقه إلى الحل التفاوضي والديبلوماسي كالصيد والصحراء.

 

            فإسبانيا دون المغرب مثلا، لا يمكن لها تأمين حدودها الجنوبية من تهريب المخدرات (70%) وشبكات الهجرة غير النظامية إلى (90%) والفلاحة الموسمية إلى (80%) والتجارة الحرة (20 مليار يورو/2023) خاصة في المدينتين المحتلتين وقبل إغلاق المعابر، بل حتى الاستثمار فإن (1000 شركة اسبانية موجودة في المغرب ومنها ما يوجد في الميناء المتوسطي لطنجة ويشكل إلى جانب البحرية الاسبانية شريانه الحي).ما جعل من المغاربة من جهة أخرى: أول جالية عربية وإفريقية في إسبانيا (800 ألف)، وإن ساعدها المغرب إبان أزمتها الطاقية سنة 2025 بحواليGw/h  500 فإنه يستورد منها طاقة رخيصة بكمية 2500 Gw/h كل سنة عبر خطين بحريين ينوي المغرب إضافة خطين آخرين منهما بحلول 2028، كما يستفيد المغرب من إسبانيا وساطتها لدى السوق الأوروبية المشتركة ودعمهما الديبلوماسي لاستقراره، لأن أي اضطراب في الجنوب سيصلى ولاشك برجع صداه الشمال.

 

            ورغم ما بين المغرب وإسبانيا من شراكة (رابح – رابح) مجالاتها وملفاتها تخدم طرفا أو آخر أو كليهما على الأرجح، فإن ملف الهجرة عامة والهجرة غير النظامية خاصة قد ظل بينهما على الدوام تاريخا من الاضطراب والتوتر الاجتماعي والسياسي ما جعله يراكم تاريخا من التحولات الشائكة كانت الأرقام المهولة لضحاياه من الغرقى في البحر والمحبوسين في ضيعات المنافي والفيافي ، أكبر دليل على أن الملف قد تطور ولا يزال من السيء إلى الأسوأ، ولا يزال بسياسات تدبيره مرشحا لأكثر من ذلك، ترى كيف كانت أولى خطوات وملامح هذه الهجرة بين المغرب وإسبانيا؟، ما هي أهم المراحل التي طبعت تطورها، ولصالح من كان خراجها وحصادها؟، لماذا ورغم كل هذه العقود لا زالت القضية تتطور نحو مزيد من التعقيد بدل التخفيف والحل؟، وهل في الأفق من مقترحات التخفيف من حدة الأزمة، خاصة بعدما بلغت مبالغ الخميس الأسود 30 يوليوز 2026 للزحف الجماعي سباحة لآلاف المغاربة (50 ألف) من كل الأجناس ومن كل الأعمار إلى "سبتة" المحتلة، فكانت الكارثة؟.

 

1)  مرحلة الاستعمار 1912 – 1956: وكان الاسبان هم من يأتون إلى المغرب من أجل العمل العسكري والإدارة الاستعمارية والعمل في مناجم الحديد بالريف وضيعاتهم الفلاحية والصيد البحري..، وبخلفية نهب الثروات والتمكين لاستعمارهم، كعس المغاربة الذين كان عبورهم إلى إسبانيا شبه منعدم باستثناء بعض الفلاحيين الموسميين،  خاصة من سكان الشمال يعبرون إلى جنوب إسبانيا (الأندلس وألميريا..) بشكل تلقائي وعفوي دون أوراق ولا عقود عمل.

 

2)  مرحلة ما بعد الاستقلال 1956 – 1970: رجع الاسبان إلى بلدهم وبقيت حركة المرور بين البلدين أيضا عفوية وتلقائية وفي الاتجاهين، فالإسبان بحكم الفقر كانوا يرسلون أبنائهم للعمل في فرنسا وألمانيا وسويسرا وكانوا يرسلون آبائهم إلى المغرب لاجتياز العطلة، والمغاربة كانوا يجتازون الحدود للعمل والتجارة اليوميين (دون المبيت ) في إحدى المدينتين السليبتين وبمجرد بطاقة العمل أو هوية السكن لمدة عام على الأقل في إحدى مدن الشمال المجاورة كالحسيمة والناظور أو تطوان وطنجة.

 

3)  مرحلة أزمة النفط 1973 – 1980 : سنة 1973 وهي الموسومة بأزمة النفط، وهي السنة التي توقفت فيها أوروبا عن استيراد اليد العاملة فاستبدلها بعض المهاجرين إليها بالإقامة في بلد لم يكن إلا للعبور إلى دول أوروبا وهو اسبانيا قبيل الانتعاش الاقتصادي، ورغم ذلك فعدد المغاربة في إسبانيا كان قليلا جدا لا يتجاوز 5 ألاف ولم يكونوا يكونون جالية تساعد غيرهم و 90 % منهم من أبناء مدن الشمال، بحكم القرب وبحكم حركة المرور لا تزال سهلة دون عقود عمل ولا اتفاقيات شراكة ولا سياجات شائكة أو جوازات و تأشيرات لا ورقية ولا رقمية.

 

4)  مرحلة بداية الانتعاش الاقتصادي الاسباني 1985 – 1991 : ففي سنة 1985 إسبانيا تصدر أول قانون يتعلق بالأجانب، وبدأت مراقبة الحدود، وفي سنة 1986 دخلت إسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي، فأصبحت بشكل رسمي بوابته من الجنوب وعليها تقع مسؤولية حراستها وتأمينها، وبمقتضى الوضع الجديد شددت إسبانيا مراقبة الحدود، فكان رد فعل غير منتظر وهو ظهور الهجرة السرية عبر القوارب في صفوف المهاجرين غير النظاميين وفرض جواز السفر على المهاجرين النظاميين.

 

5)  مرحلة الانتعاش الاقتصادي الإسباني 1993 – 2005:  سنة 1993 تم بناء أول سياج حدودي من طرف إسبانيا في "سبتة" بارتفاع 2.5 متر وصل الآن إلى ارتفاع 6 متر وطول حوالي 8 كلم، وجاء مثله في "مليلية" سنة 1998، كما أصبحت فيزا "شنغن" لتنقل المسافرين من الوثائق المطلوبة بالضرورة للمرور إلى أسبانيا أو غيرها. وفي سنة 2001 أبرمت اتفاقية الهجرة الدائرية (Gecco) بين المغرب وإسبانيان  تستقدم هذه الأخيرة بموجبها 15 ألف من العمالة النسوية ( متزوجات وذوات أطفال وتجربة فلاحية من العالم القروي) للعمل في حقول الفراولة لمدة 3 إلى 6 أشهر يعدن بعدها إلى بلدهن، ومنهن من تبقى بطرق غير شرعية وفي وضع هشاشة؟. وبين 2003 و 2005 ارتفع عدد الضحايا من الغرقى إلى ما بين 3 و 5 ألاف مما دفع بإسبانيا وحلفائها إلى تشديد الرقابة وإعلاء السياج، خاصة بعد أحداث 11 شتنبر 2001 الإرهابية في أمريكا.  

 

6)  مرحلة الأزمة الاقتصادية في إسبانبا 2006 – 2008: مرحلة الأزمة هذه وقع فيها المغرب مع الاتحاد الأوروبي شراكة "الحدود والتنمية "Frontex"، يتلقى المغرب بموجبها مساعدات من الاتحاد الأوروبي مساعدة على جهوده في حراسة الحدود وعلى جهوده في مساعدة المرشحين للهجرة غير النظامية من أبناء جنوب الصحراء اختاروا الإقامة في المغرب أو العودة الطوعية لبلدانهم. غير أن سنة 2008 تميزت بالأزمة المالية الحادة التي ضربت قطاع البناء في إسبانيا لدرجة تراجع فيها القطاع ب 70% وارتفعت البطالة من 8 إلى 27 % مما اضطر البلد ليس إلى تجميد التجمع العائلي والهجرة النظامية بل حتى إلى طرد المهاجرين وتحفيزهم على العودة الطوعية لبلدانهم، بل والهجرة العكسية إلى بلدان مجاورة أو على الأقل الهجرة من البناء إلى الفلاحة والخدمات داخل نفس البلد.

 

7)  مرحلة الهجرات المغربية الجماعية 2018 – 2026: واستمرت سياسة الأزمة المالية اتجاه الهجرة وسياسة الطرد للمهاجرين إلى سنة 2018 حيث حدثت أزمة بين المغرب وإسبانيا على خلفية استقبال هذه الأخيرة في مستشفياتها لزعيم "البوليزاريو" إبراهيم غالي/بن بطوش، وكان رد فعل المغرب الغاضب وكأنه قد أرخى من دوره في حراسة الحدود فدخلت 8 ألاف مهاجر/ة غير نظامي منهم 1500 قاصر، في يوم واحد (الاثنين 17 ماي 2021). بعدها جاءت أزمة "كورونا" سنة 2020-2021 وجراء الإجراءات الاحترازية التي ركزت على منع التنقل والأسفار، علقت خلالها 7200 عاملة في اسبانيا دون أوراق ولا بطاقة الإقامة؟، وهكذا إلى أن جاء الخميس الأسود  30 يوليوز 2026 حيث زحف على "سبتة" سباحة بحرية في يوم واحد ما يزيد على 50 ألف مغربي ومغربية من كل الأجناس وكل الأعمار، دون بطاقة مرور ولا جواز سفر أو فيزا بيومترية أو حتى ما وضعوه للتو من سياجات بحرية عائمة، ورغم ما يقال من أنه قد عادت منهم حوالي 48 ألف، فقد كان الحدث كارثة بكل المقاييس والاعتبارات والملابسات، ويفتح سؤال الأسئلة الحارقة على كل التساؤلات؟.



              ختاما، أكيد أن كل الأطراف بقدر ما نالت من وضعية الهجرة غير النظامية هذه بعض ما يمكن أن نسمية مكاسب، بقدر ما وقعت عليها أضرار ربما أشد وأكثر، ومن ذلك:

1)المغرب: قد يكون كسب شراكة الهجرة الدائرية (Gecco)، بعض التحويلات المالية وبعض مساعدات الاتحاد الأوروبي (Frontex)، ولكن عليه ضغط حراسة الحدود وما يناله جراء الهجرة بشكل عام من نزيف الطاقات والتفكك الأسري وظروف إقامة مهاجراته..؟.

2) إسبانيا: لها مكاسب إنعاش اقتصاد المدينتين السليبتين(20 مليار يورو/2023 )، جلب اليد العاملة الرخيصة وتأمين مواسمها الفلاحية ب(80%)، لكن تتبعها مسؤولية الموتى والغرقى في البحر ووصم إساءة التعامل مع المهاجرين ضدا على حقوق الانسان، مع ما لا يرحمها من الضغط على الخدمات،

3)الاتحاد الأوروبي: وقد يكون كسب شراكة موثوقة ومعتمدة مع المغرب  ويساعده في بعض المشاريع التنموية في الموضوع، لكنه فشل في تحقيق التحول الحلم من الهجرة بالقوارب إلى الهجرة بالعقود، وكذلك في إيقاف ما يتفجر كل يوم من الاتجار بالبشر أو يحتد من الصراعات الاجتماعية ومشاكل الاندماج..؟.

 

       كل هذا يضعنا كأطراف ومجتمع دولي أمام تحديات جسيمة في الموضوع ويوجب على الجميع البحث الجماعي عن حلول مشتركة ناجعة وآفاق رحبة لتأمين الهجرة وتجويدها، ومن ذلك:

1)على المدى القريب:

* توسيع الهجرة الدائرية أعدادا ومناطق ومجالات..

* حماية العاملات بتوفير سكن لائق ومراقبة الضيعات..

* منع البقاء غير القانوني بعقد واضح وغرامة على الباقيات وعلى المشغلين..

2)على المدى المتوسط:

* الاستثمار التنموي النظيف في المغرب بعقلية نقل المعمل بدل العامل.

* التكوين المهني وإعارة فائض الخريجين إلى الدول المحتـــاجة وفق عقود.

* المشاريع المدرة للدخل في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مع العمل على ضمان النجاعة والتعميم.

3) على المستوى البعيد:

* تنمية حقيقية و سياسة هجرة مشتركة وإدماج حقيقي

* عدم الاستغلال والقضاء على أوضاعه: ساعات عمل أكثر وأجور أقل، البدون أوراق، هشاشة المساكن..

* الادماج الحقيقي ومحاربة الاغتراب بتعلم اللغة وتفادي العنصرية والفراق الأسري والصدمة الثقافية عامة، ومن المؤكد بهذا الصدد أن حفاظ المهاجرين على هويتهم وقيمهم وثقافتهم أدعى لاندماجهم من سياسات التماثل والتطابق (Assimilation) التي طبقتها بعض الدول الأوروبية حتى في المأكل والملبس..، ولم تؤدي إلا إلى نتائج عكسية وتقاطبات حادة.

 

        وتبقى الهجرة خيار بشري منذ الأزل وضرورة إنسانية أحيانا، لها مكاسبها الانفراجية وإكراهاتها الموضوعية، ولكن الاشكال قد لا يكون في الهجرة كهجرة بشكل عام وإنما في نوع منها وهي الهجرة غير النظامية، غير الحقوقية وغير الاندماجية، والتي قد لا تكون بين حدود البلدان فقط بل أيضا بين طبائع النفوس وأمزجة الذوات في نفس البلد بل في نفس الأسرة ونفس البنية الاجتماعية والعقلية الثقافية، وتلك قضية أخرى أشد وأعقد.

الحبيب عكي 


اقرء المزيد

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

تأنيث الهجرة غير النظامية، الدواعي والانعكاسات

تقديم:

من المشاهد الصادمة التي فقأت عين الجميع خلال الانفجار المجالي الأخير، كما سماه أحدهم، والمجسد في موسم الهجرة غير النظامية إلى المعبر الحدودي لمدينة سبتة المغربية المحتلة في الشمال، لقد كانت هجرة جماعية عبر البحر سباحة، هجرة بعشرات الآلاف (49 ألف) من الشباب حجوا إلى الحدود من مناطق شتى خاصة مدن وقرى الشمال، هجرة تداعت فيها الأفواج تلو الأفواج تركب هول الأمواج تلو الأمواج، لمجرد اهتبال الفرصة وعدوى التقليد والمحاكاة كما يقول "غابرييل تارد"، وأصبحت الهجرة  على حد تعبير السوسيولوجي المغربي "المصطفى المريزق" حقا للجميع ولكن بعيدا عن كيف ولماذا إلى من يستطيع الهجرة ومن يجرأ عليها؟، هجرة شوهدت فيها النساء بكثرة إلى جانب الرجال، الصغار القاصرين إلى جانب الكبار الراشدين، أسر بالأبناء والبنات، الطلبة إلى جانب التلاميذ، والعاملون إلى جانب المعطلين، الأبطال الرياضيون إلى جانب ذوي الاحتياجات المقعدون..، وكلها فئات اجتماعية تستحق دراسات متعددة خاصة بالنسبة لفئات النساء والأطفال، إلا أن هذه المقالة لن تناقش لا حق الهجرة من عدمه لأي كان ولأي سبب أو وجهة أو مدة كانت، بقدر ما ستقتصر على فئة النساء والفتيات اللواتي لن نبالغ إذا قلنا أنهن عملن بنجاح على تأنيث الظاهرة. ترى، كيف ولماذا؟، ما هي الدواعي والانعكاسات؟، وما هي الحلول الممكنة تقديمها لمواجهة هذه المعضلة الاجتماعية إذا صدقنا أنها كذلك بما تنسفه من بنيات ومؤسسات وقيم معايير وعقليات المعهود من العيش المشترك بين المغاربة، وبما ستفتحه على المجهول من أبواب اللايقين وتوزيع المخاطر المؤكدة على الجميع؟.

 

1)دواعي تأنيث الهجرة غير النظامية:

وبعيدا عن العديد من الأسئلة المشروعة والمشرعة على مصراعيها، من الأسباب والمسببات، والجهات والمؤامرات، والسياسات والصراعات، والتوقيت والشبكات...، نتساءل فقط عن حجم النساء والفتيات في هذه الظاهرة؟، كيف دخلن بحماسة جلية إلى هذه التسونامي الهجري الهادر  وبأية عقلية مغامرة؟، هل يزداد تواجدهن في مثل هذا الحلم الأمل أو الوهم الألم أم يتناقص؟، ما انعكاسات ذلك عليهن وعلى وظائفهن في مؤسسات الأسرة والمجتمع، هل ستقلب هذه الوظائف مع إصرارهن واستمرارهن؟، ألا يمكن حمايتهن عند الضرورة ببدائل عقلانية أو حتى بهجرات نظامية قانونية تحمي حقوقهن وكرامتهن، ومن خلالهن حقوق وكرامة المجتمع؟. أين الجمعيات الحقوقية النسوية وجمعيات المهجرات من كل هذا وضجيج الأرقام يتحدث على أن نسبة النساء في هجرات 2010 وصلت إلى حدود 20%، وارتفعت في هجرات 2023 إلى نسبة 38%، وأن60%  من النساء التي تم توقيفهن تلك السنة أقل من 30 سنة، بينما40%  منهن أمهات. هذا وتتعدد عوامل ودوافع النساء لخوض غمار الهجرة نذكر منها هذه الستة الأساسية وهي:

 

1-  إغلاق مسالك الهجرة بالنسبة للرجال: عبر المراقبة البحرية الصارمة والدائمة وعبر اتفاقيات منع الهجرة إلى أوروبا وبشراكة معها، مما صعب المغامرة على الرجال وبدأت النساء تأخذن مكانهن فيها، خاصة أن الأمور بالنسبة إليهن مختلفة ومن جوانب عدة.

2-  الطلب الأوروبي على اليد العاملة النسائية: كعاملات منازل وفي الفلاحة ورعاية المسنين التي تحتاج منها أوروبا إلى 2 مليون راعية بحلول 2030. ناهيك عن أن أمر مثل هذه الهجرة غير النظامية يتم أحيانا عبر الزواج ولو كان "صوريا " من أجل الأوراق ليس إلا.

3-  سياسة تهميش النساء في المغرب: بما يسود وسطهن من ظواهر البطالة (60% في البوادي) والعنوسة (8 مليون) والطلاق (65 ألف حالة/2024) والعنف (79 ألف حالة مصرح بها/2025) والأمية (إلى 51% في صفوف بعض الفئات) والأمهات العازبات حسب "إنصاف" حوالي(%7.5 في المدن و 2.4% في البوادي وبحوالي 150 طفل متخلى عنه يوميا)..، وغير ذلك مما لا يعمل إلا على تأنيث الفقر والهشاشة واليوم الهجرة غير النظامية ومخاطرها.

4-  سهولة اندماج النساء في الغرب: بكون بعضهن يشتغلن في المنازل والضيعات ولا يظهرن في الشارع، مما يجعلهن بعيدات عن أعين المراقبة والأمن ويشجع الأسر على إرسال بناتهن بل إرسال الأمهات أحيانا (عاملات فلاحيات)؟.

5-  دور الشبكات الإجرامية للإتجار في البشر: التي تستهدف النساء والفتيات ب(70%) وتعدهن بشتى الوعود الوردية الكاذبة كالزواج والعمل ولم الشمل العائلي..، لا يجدن منها إلا أنفسن في سوق العبودية والاتجار بالبشر وبين مخالب عصابات الدعارة والمخدرات والإرهاب، وإن عد ذلك عند مهاجرات اليأس والاضطرار عملا على كل حال.

6-  التفكك الأسري وغياب التضامن: بعد تراجع التضامن الآلي التقليدي وعجز التضامن العضوي العصري، وهو في نظري من أقوى العوامل لأن الحياة كانت دائما محفوفة بالمخاطر، ولكن قيم التماسك الأسري والتضامن بين أفرادها وأقاربها، كان دائما يعالج ما يقع في الأسرة من الخصاص والاختلالات ويؤازر أفرادها حتى يتجاوزوا محنهم، عكس ثقافة اليوم ثقافة الفردانية وتطلع كل فرد للانشغال بنفسه وفقط؟.

 

2)أشكال تأنيث الهجرة غير النظامية:

إن تأنيث الهجرة يتخذ اليوم أشكالا مختلفة منها مثلا:

1-  شكل العاملات الفلاحيات:  ويقال أنهن يجلبن من سوس ودكالة والغرب.. في حدود 15 ألف حالة سنويا من العالم القروي متزوجات ولديهن أطفال، في موسم الفراولة في إسبانيا ويستفدن من عقود عمل رسمية موسمية ولمدة 6 أشهر، بعدها يضطرن للعودة إلى المغرب أو الإقامة هناك في اسبانيا بطرق غير شرعية والعمل في المنازل والمقاهي أو أعمال أخرى، ورغم ما يعشنه من هشاشة ومعاناة الغربة وفراق الأسرة وترك الزوج والأبناء..، فإنهن يستفدن من دخل شهري يقدر ب 11000 درهم، بالإضافة إلى سكن مجاني ما يمثل بالنسبة لهن ثروة، قد تدوم لأربع سنوات قابلة للتجديد.

2-  رهط "الأمهات العازبات": ويقال أنه يقدرن ب 25 إلى 30 ألف حالة سنويا، ويأتين من كل جهة بعدما لحقهن من وصمة عار حمل خارج مؤسسة الزواج وما يعشنه من طرد أو هروب من الأسرة وبطالة وفقر وأوضاع مزرية بعد الوضع وطفل على العاتق، مما يجعلهن فريسة سهلة بدعوى انقاذ نفسها والبحث عن مستقبل الولد، وفي غياب مساعدة اجتماعية مباشرة ومراكز الدعم النفسي والإيواء أو حتى تسهيل وثائق الإبن، فإن الضحية تضع نفسها فريسة بين يدي الشبكات يفعلن فيها ما يشئن بدعوى عار الأنثى وغياب الوثائق.

3-  شبكات الاتجار بالبشر: و 70% من ضحاياها عالميا نساء وفتيات من سن 16 إلى 28 سنة، يقال معظمهن من بني ملال، فاس، خنيفرة، طنجة..، تقدم لهن وعود بالزواج والعمل لا يجدن منه غير اصطيادهن ونقلهن واستغلالهن في الطريق وفي المأوي والملاهي والحقول والمخيمات.. عبر الشبكات والعصابات بالرضا والإغراء أو بالإكراه.

4-  أصناف أخرى: كالقاصرات اللواتي يخرجن من البيت في الشمال الشرقي بعد عطب أخلاقي، ويردن تغيير البيئة والالتحاق بالعائلة في أوروبا حتى ينسين وينسون، أو المتعلمات من الرباط والبيضاء والحاملات للشواهد الجامعية والديبلومات المهنية والحالمات بالاستقلال الذاتي والحرية الشخصية فتكون وجهتهن في ذلك نحو فرنسا وكندا وألمانيا وإيطاليا والخليج بطرق غير نظامية، ولو وجد بعضهن أنفسهن بعد ذلك في أعمال غير نظيفة في الخليج مثلا.

 

3)مخاطر تأنيث الهجرة غير النظامية:

          من أهم إقرارات سوسيولوجيا البيئة والمخاطر لرائدها "Ulrich Beck" أن العالم الحداثي الرأسمالي الصناعي لم يعد اليوم يوزع الثروة والرفاه بين الناس بقدر ما أصبح يغرقهم بالمخاطر ويعمل على دمقرطتها يعني إذاقة الجميع منها، دول الجنوب منها كدول الشمال و قبلها، فالدخل دليل اضطراد على التلوث ومشاكله الصحية والسيارة قرينة الاحتباس الحراري ومشاكله البيئية.. وهكذا.

1-  مخاطر على صاحبها/ صاحبتها: وتنهشه من كل النواحي، جسديا (خطر الموت.. غياب الحماية.. التحرش والاغتصاب..)، وقانونيا (اعتقال.. ترحيل.. سجن وغرامات..)، اقتصاديا (ساعات عمل طوال.. وأجور أقل.. ظروف أقسى.. أزمة سكن..)، نفسيا (خوف دائم.. اغتراب.. نصب وابتزاز.. عزلة واكتئاب.. قطع مع العائلة وربما الأبناء..)، واجتماعيا (بدون أوراق.. عنصرية.. حرمان من الخدمات.. عدم القدرة على الزواج أو على السفر.. استغلال جنسي خاصة بالنسبة للإناث..).

2-  مخاطر على بلد الطرد والارسال: نزيف الكفاءات والسواعد، تفكك أسري، تبييض صورة الناجحات من المهاجرات على حساب الناجحات من المستقرات، الضغط الديبلوماسي ولو بالإغراء أو بالإكراه مما قد يجعل من البلد دركيا على حدود الغير وشرطيا لاستقراره، ولا يستطيع بعد ذلك الانفكاك من فتاة ما يلف ذلك من منح مالية ومساعدات؟.

3-  مخاطر على بلد الجذب والاستقبال: كثافة الطلب على الشغل مما يخلق اقتصادا موازيا في الخفاء لا يمكن ضبطه، الضغط على الخدمات الصحية والتعليمية والسكنية وغيرها مما يصعب توفيره، انتشار الجريمة والمشاكل الأمنية وعصابات تزوير الوثائق، التوتر الاجتماعي وصعود تيارات الميز العنصري وخطاب الكراهية والأحزاب المتطرفة والشوفينية..

4-  مخاطر على المجتمع الدولي: فوضى خرق القانون، ضرب استقرار الشعوب وحقوق المواطن، اضطراب العلاقات الدولية، حروب مجانية مع الشبكات والعصابات، ممارسات غير قانونية وغير إنسانية، متاهات خفر السواحل والترحيل والإعادة والترحيل.. دون طائل؟.


4)بعض الحلول والمقترحات لهذه المعضلة:

            وأكيد أن هذه المشاهد البانورامية السمجة طفيلية على عيشنا الطيب الكريم، وتأبى العقول السليمة والأذواق الفطرية العفيفة إلا معالجتها وعدم الاستمرار في انحرافاتها ومتاهاتها ورهاناتها غير المؤكدة وغير الموثوقة على حد تعبير "Anthony Giddens" في قوله: "الهجرة غير النظامية رهان على قرار غير مؤكد وغير موثوق"، ولكن الانفكاك من مخاطره  لا يتم بمجرد النية الطيبة و الفطرة الخيرية، بل لا بد من طرح أسئلة صميمة والاجابة عنها أيضا بأجوبة تكون كذلك، ومن ذلك:

1-  ماذا أعددنا لدعم كرامة النساء والرجال والشباب في المغرب؟: إذا كانت 15 ألف شركة قد أفلست وأغلقت أبوابها وسرحت عمالها، فأين ضمان حق الشغل عبر الكائن والممكن من الوظائف الرسمية والشركات والمقاولات الخاصة والجمعيات التطوعية والتعاونيات التضامنية والمبادرات الاستثمارية الذاتية وغير ذلك من أوجه الاقتصاد الاجتماعي التضامني، وفرص العمل عبر الذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية عن بعد، وقد صنع منها الغرب المنتج  إلى اليوم أزيد من 90 مليون منصب شغل، في حين لازلنا نحن المستهلكون لا نصنع منها غير مجرد مليون روتين يومي وحكاية تافهة أو إشاعة مغرضة من قبيل هذه التي كادت تؤدي بكل شباب وشابات المغرب بل ورضعه وشيوخه في بحر سبتي لا تظهر فيه غير ظلمات العبور نحو القبور ولا عثور فيه للأمل أو حتى بصيص منه لا عثور؟.

2-  ماذا أعددنا لحماية نسائنا وعبرهن حماية كلنا حماية شاملة؟: حماية قانونية من العنف (قانون 27.14) وهل يمكن لهذه الحماية أن تطال "الأمهات العازبات" أو تقيهن من الوقوع فيما يقعن فيه، بالتوعية الإيمانية وتربية مؤسساتية تضمن لهن الشغل والحماية والكرامة والأمل شعارها: ( الحل ماشي في الهدر المدرسي وماشي في التشمكير، ماشي في أحلام الهجرة ولا أوهام المواقع.. حضي راسك.. حضي أولادك.. حضي بلادك  راه الخطر كبير في الواقع).

3-  هل نستطيع توفير عقود عمل قانونية للنساء مع دول أخرى: وليس مع إسبانيا وحدها وفي مجالات أخرى وليس الفلاحة وحدها؟، وقبل هذا وذاك أين نساؤنا من الانتاجات المنزلية الثرية والمتنوعة والتي عيشت أسرا وأسرا، أجيالا وأجيالا عبر تاريخنا المشرق، لماذا تراجع تثمينها ورخص تسويقها وتوقف إعدادها؟، لماذا كل طموحنا أن نعيش بالآلات والروبوتات كما يعيش بها الغرب دون أصالة قيم ولا  عبق تراث، هل فعلا سيسعدنا الهروب من ذواتنا وتاريخنا؟.

4-  ماذا نستطيع أن نفعل مع أوروبا الشراكة ولا مع شبكاتها الاجرامية: هل نستطيع توفير هجرة نظامية قانونية؟، أو حتى إذا غلبنا على أمرنا وفضحنا رهطنا الذي لا يشبع ولا يسمع، هل نستطيع ضمان مخيمات آدمية وإقامات إنسانية له؟، هل نضمن مساعدة الضحايا بدل ترحيلهم وتغريمهم وعودتهم وترحيلهم وتغريمهم في دوامة مأساوية لا تنتهين، فقط، لأن أهل الشمال لا يدركون ولا يريدون أن يدركوا أن مستقبل الإنسانية مستقبل مشترك، يدعون أن عولمة العالم جعلت منه قرية مصغرة، و لا يزالون يغلقون الحدود في وجه أبنائه من الجنوب؟، ويسرقون موارد هذا الجنوب المادية واليوم البشرية ولا يريدون أن يأكل أصحابه إلا من عولمة المخاطر وكوارث التغيرات المناخية كالاحتباس الحراري والاشعاع النووي وصناعات التلوث، الذي يصدرونه إلينا ولا يستطيعون مسكه في حدودهم التي تنتجه؟. أين المشاريع التنموية النظيفة لدول الشمال في دول الجنوب؟، أين نصيبهم من الشركات الغربية العابرة للقارات وعائداتها تفوق ميزانيات الدول ومن أموال تلك الشعوب؟، يظهر أن الهجرة واقع متفاقم في واد ومراكز البحث فيها والرصد لتطوراتها في واد آخر هادىء، كما يظهر من الهجرة أنها قسم الكون الذي أقسم لئن افتقر الجنوب حتى يفتقرن الشمال، ولئن جاع الجنوب حتى يجوعن الشمال والشرق والغرب على السواء؟.

5-  ومتى سنثق في أنفسنا ونؤمن بأوطاننا ونحسم في اختياراتنا وبدائلنا: قلنا مثلا، إن المهاجرة الفلاحية تتخلى عن زوجها وأبنائها وقد يسبب لها طول الغياب وتكراره في تفكك أسرتها وانحلال عقد زواجها، لتنضاف إلى نادي المطلقات أو المتزوجات صوريا، فهل نستطيع إقناع هذه المرأة بالعدول عن هذه الهجرة الدورية الضارة؟، وإذا حدث، فمن أين لها بمكاسبها المادية والتي قد تصل إلى 5.5 مليون سنتيم سنويا، بالإضافة إلى السكن والإقامة والتطبيب والخدمات والتجارب مما يعد عندها بثروة الوجود وتحقيق الذات؟. وقلنا أن المهاجرة الفلاحية وغير الفلاحية في سكنها الجماعي والوظيفي تفقد خصوصيتها وحياتها الحميمية الطبيعية وقد تتعرض للتحرش والاغراء والعنف والاغتصاب والنصب والابتزاز ..، وتمنعها هشاشتها من أي دفاع ذاتي أو حماية قانونية، فبماذا ستقنع هذه المهاجرة وأولياء أمورها بأن العدول عن هذه المسالك والمطبات لهم امثل وأفضل، وأن العفة والعمل الشريف لا يقاس بكل أموال الدنيا ومتاعها؟، ومن جهة أخرى، من سيتولى إعالة صغيرها وقد أصبح واقعا وكومة من الاحتياجات وآلة من الطلبات؟، أو من سيشغل غيرها بشواهدها وقد أفنت عمرها من أجلها ترجو سندها وانقاذها عند الحاجة والأزمة؟. صحيح أن لدينا بدائلنا الرامية إلى عدالة اجتماعية ومجالية أفضل، المغرب الأخضر، المغرب الأزرق، الجهوية التشاركية المتقدمة، النموذج التنموي الجديد..، لكن أين حكامة ومكتسبات كل هذه البرامج على أرض الواقع؟، ولماذا لا تؤمن فئات بجدواها وهي في بلاد المهجر لا تعمل إلا في مثلها وأقل منها؟، لماذا كل هذا التجاهل وعدم التفاعل مع شكاوي العباد والبلاد من البطالة وغلاء الأسعار وتخلف الخدمات والصحة والتعليم وخنق الحريات والمبادرات وسوء المعاملات؟، لماذا كل هذا التدبير المتخلف للعديد من الخطط التنموية والبرامج الاجتماعية حتى غدا وجودها وعدمها عند الغالبية سواء،  الدعم الاجتماعي، التغطية الصحية، برامج فرصة وأوراش..، وكأنها بطبعها الأيديولوجي والفئوي ولدت ميتة لا تنمية مستدامة تنتج ولا أموالا عامة تبقي، بل لا أزمة تحل ولا أمل تعطي، أين دعم اللحوم وسعرها فوق الطاقة الشرائية للمواطن؟.  

 

          إن طيف الهجرة ممتد من الاختيار إلى الاضطرار، وتجاربها مليئة بالنجاح الباهر كما بالفشل الذريع، وتأنيثها كتذكيرها لكل منهما إيجابيات وسلبيات متعددة، مما يجعل الأمر ترجيحات حسب الأشخاص وحسب الظروف، وكان الله في عون المضطرين والمضطرات، ولكن أليس كثيرا ما يسيء المرء الاختيار، ويقدم غير المقدم على المقدم تقديم الخاص على العام و المفضول على الفاضل والأسوأ على السيء...، ولفهم بعض ما جرى ويجري في الموضوع لعلنا نستدعي السوسيولوجي الجزائري "عبد المالك الصياد" صاحب "الغياب المزدوج" والذي يرى أن "فهم الهجرة هو فهم أنها لا تفهم"، بمعنى أنها أعقد مما نتصور، وقد أضاف عنها أيضا أنها اضطرارا وليست اختيارا، وأنها ليست مجرد تنقل أفراد بل تنقل جماعات، هويات وثقافات، أديان ولغات..، مما يشكل ضغطا على المهاجر لارتباطه بالعائلة والقبيلة والمجتمع، لا انفكاك له منه إلا أن ينجح، ولكن أنى له ذلك وهو يواجه تمزقا مزدوجا بين بلد الجذب/الاستقبال الذي استقبله كمجرد يد عاملة رخيصة، وأسكنه في حدود قفص مسكن فقير ومعمل غول فتاك، وبشكل مؤقت ريثما تنتهي قدرته على العمل والإنتاج ليطرده ويعيده، إنه نفي اجتماعي للمهاجر الذي لا يستطيع الاندماج في مجتمع لا يراه دائما  إلا آخر غريب؟. وتمزق مع مجتمع الطرد/الارسال، تركه مؤقتا ولكن ما حمل معه من هوية ولغة وثقافة جعلته يرتبط به كمرسل للعملة الصعبة ومأمن للعائلة والقبيلة من الفقر ما دام في بيت الطاعة، ولكن ما أن يعود إلى هذا الموطن المحلي حتى يجده قد رحل هو ذاته ولم يعد ذلك البلد الأصلي الذي انطلق منه بعاداته وتقاليده وأفكاره وتصرفاته، ولا يقبل منه ما جاء به من غيرها؟، إنه تمزق وغياب مزدوج، غياب عن البلدة جسديا وعن المهجر ثقافيا، وبالتالي غياب عن هنا وعن هناك، ، فلا هو استطاع فتح هناك من هنا ولا استطاع تحرير هنا من هناك؟.

 

           أضف إلى كل هذا أن "الصياد" وعلى عكس كل المدارس الكلاسيكية في الهجرة حتى مدرسة "شيكاغو" التي جاء 100 سنة بعدها، يرى أنه لفهم ومقاربة الهجرة لابد من فهم ومقاربة مناطق الطرد والارسال كما مناطق الجذب والاستقبال، ما لم يحدث لشباب المغرب الزاحف بالآلاف على "سبتة" هذه الأيام، وكأنهم لم يفهموا بلدهم "المغرب" وما فيه من فرص والتي ككل بلدان العالم لن يخلو منها يوما، لمن له دماغ البحث عنها ومهارة القبض عليها ومطاردتها، ولم يفهموا أيضا "إسبانيا" ولا حتى ميكانيزمات الهجرة..، لذا انصدموا أمام حجم الغضب والعنصرية التي واجههم بها الاسبان/المغاربة إلى درجة مطاردتهم والتبليغ عنهم في كل مكان، وحرمانهم حتى من الطعام والماء..، فعادوا محبطين مضطرين إلى بلدهم الذي لم يكونوا يرون فيه بالأمس إلا الظلام، مع أن النور والظلام متلازمان في كل مكان ولكن رؤية أي منهما يتوقف على نوع النظارات التي ينظر بها إليهما الناظرون. وأخيرا، إن اللواتي يقذفن في هذه الدوامة للهجرة والمهجر مسلمات بنات مسلمين من بلد وأمة مسلمة، مما يساءل سياساته العمومية وخطاباته الدينية ومؤسساته الاجتماعية وفاعليه الرسميين والمدنيين..، وكلها لم تستطع حمايتهن من الهجوم الكاسح لمؤسسات العولمة وخططها المتوحشة على حياتهن الغضة الطرية وعفتهن الفطرية السليمة، ولابد أن إيقاظ الوعي الديني فيهن واستنهاض قيمه الأخلاقية والالتزام بها، لابد أن له دور أساسي وحاسم في اتباع الفضيلة والتشبث بها رغم الصعوبات والمكابدات، وكذا الابتعاد عن الرذيلة والدوران في مداراتها رغم التسهيلات والاغراءات. ما قيمة هوية وقيم لا تحمي صاحبتها من كذا مواقف ومنزلقات؟، وما قيمة مبادئ وثقافة أي ثقافة لم تنقذ صاحبتها من كذا بلاءات وابتلاءات، ولم تبصرها حتى بحقيقتها، مسارتها ومآلاتها؟، إن الأمور في الحقيقة أسهل ما يكون لمن سهلها الله عليه، سهلها الله عليه فقط بالتخلي عن التصورات الخاطئة والتصرفات غير الصحيحة، وهي الباب المشرع لالتفاف كل البلاءات على سلامة حياتنا وسلب الطمأنينة منها دون استئذان؟، فمتى سنكف عن مبسترات جاهزة ولكنها سامة ومن ذلك قولهم: " دير راسك بين الريوس وعيط يا قطاع الريوس"؟، ومن ذلك قولهم: "هاد الشي دعات به الوقت"، ومن ذلك قولهم: "آش غاتقول لأولادك.. الزمان يقول لهم وهما يقولوا لك "، ومن ذلك قولهم: "الهجرة باب كل خير للبنات.. الخدمة والزواج والدار واللوطو وحيد باراك"، ومن ذلك قولهم: "كون Cool وصيفط البنت تخدم على دارهم"؟، ومن ذلك.. ومن ذلك..، ولكن الواقع شيء آخر، عنيد ولا يصح فيه إلا الصحيح؟.

الحبيب عكي  
اقرء المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المشاركات الشائعة