Top Ad

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

مواضيع مختارة

الاثنين، 16 مارس 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

في الحاجة إلى سوسيولوجيا رمضان.

         بمناسبة شهر رمضان الأبرك، وبحكم ما أصبح يشيع فيه كالعادة من ظواهر اجتماعية إيجابية تجعل منه شهرا مميزا في كل شيء، وأيضا وعلى غير العادة، من ظواهر سلبية قد تغطي فضل الظواهر الطيبة أو تكاد. وأيضا وبحكم اهتمامات بحثية ودراسية، قلت لماذا لا أبحث في ما قالته وتقوله السوسيولوجيا الرمضانية وأنتروبولوجيو الدين في هذه الإشكالات القيمية والاجتماعية التي أصبحت اليوم مزمنة ومستفحلة، وتتكرر في كل موسم وكأن الحياة تسير سيرها العادي في رمضان كما في غيره، وأصبح من الصعب أحيانا الإحساس ببركة رمضان وظلاله وعظمته ونور الرحمة وهدي المغفرة كما جاء في الحديث: " أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر،  جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء...، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار،... فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار " رواه ابن خزيمة.

 

            لكن مع الأسف، لم أجد شيئا اسمه السوسيولوجيا الرمضانية، مع العلم أن السوسيولوجيا موضوعها ومبرر وجودها هو دراسة الظواهر الاجتماعية ودراسة المجتمع روابطه وتحولاته، متماسكاته ومفرقاته..، وكل هذا يزخر به رمضان، فكيف ندعي دراسة المجتمع دون دراسة ظواهره ومواسمه المتميزة وأثرها على المجتمع، تاريخها وأحداثها البارزة، الأصلي منها والمستحدث، المقبول منها والمنحرف المرفوض وفق المعايير والقيم والمرجعية، وكأن السوسيولوجيا ورغم تجوالها عندنا حرة طليقة وتدخلها في كل شيء بالطول والعرض، في الجامعات والجماعات والجمعيات والمؤسسات..، إلا أنها لا زالت وفية لأصولها الغربية الحداثية المعادية في الغالب لكل ما هو ديني، في عمى عدم التمييز بين الدين الإسلامي وما كان سائدا من الانحرافات الكنيسية وبين الشرق والغرب، ناسية حتى جهود رواد الفكر الاجتماعي من المسلمين وعلى رأسهم "عبد الرحمان بن خلدون" و"البيروني" و"الشيباني" واجتهاداتهم في طبائع البدو والحضر والعصبية والقوة وأطوار الدولة واستقلالية المؤسسات وتنظيم العلاقات الوطنية والدولية وكلها اجتهادات في العمران البشري والمبني على معالم الثقافة الإسلامية وقيم العدل والشمولية والاستقلالية وكون كل مألات الأمور بالعبرة.

 

            ورغم أن هناك تخصصات سوسيولوجية تدرس في العديد من الدول العربية كأنتروبولوجيا الدين وعلم الاجتماع السياسي والاقتصادي والاجتماعي..، إلا أن السؤال يبقى :"أي دين وأي سياسة وأي اجتماع سندرس في هذه التخصصات إذا لم ندرس فيها عبادتها المميزة وركنها الأعظم الذي هو رمضان؟، رمضان بين العادة والعبادة، رمضان بين الرابط الفردي والرابط البنيوي المؤسسي والسلطوي الجماعي والرابط الثقافي المتعدد والمرتبط بالمجال، بين التدبير المطلوب (بركة الرزق) والتبذير الموجود(هلاك الاستهلاك)، وغيرها كثير مما ظل مزمنا بأشكال وأحجام مختلفة في مجتمعنا، رغم الهائل من ارثنا الإسلامي الرمضاني الزاخر، والأحكام الفقهية على المذاهب الأربعة والكتب الستة، والخطب المنبرية والمواعظ الفضائية والحكم والأمثال الشعبية..، مما يدل على أن قضايانا الرمضانية بالتأكيد ربما لم نفهمها على حقيقتها، أو لم نتمكن من معالجتها بطرق شمولية دائمة وفعالة، ولكن إلى متى؟.

 

            بالكاد وجدت أحد الأساتذة (عز الدين عيساوي) يتحدث في أحد أشرطته على نفس الموضوع "سوسيولوجيا رمضان" ويطرح نفس الأسئلة المطروحة هنا ضاربا على ذلك أمثلة حية عن فائدة وعائد السوسيولوجيا على رمضان وقضاياه الشائكة والتي ظلت على الدوام تخرجه في جزء منه عن أهدافه الروحية ومقاصده التعبدية وتضامناته الاجتماعية، ومن ذلك وإن ذهب جله في الاتجاه المادي لرمضان وللسوسيولوجيا: ضروؤة الأبحاث الميدانية الأمبريقية الكمية والكيفية في مختلف الظواهر الرمضانية خاصة تلك المخلة بأهدافه ومقاصده، كرمضان و"الترمضينة" مثلا، رمضان بين الأحياء الشعبية الفقيرة والأحياء البورجوازية الغنية،  رمضان وفوبيا التسوق وحمى الاستهلاك والتهاب الأسعار، رمضان والسهر الجماعي، عنف التلفاز في رمضان، رمضان والعودة إلى القرآن والمساجد، رمضان والنظام السياسي/ أو"القفة" بين العمل الاجتماعي والاستقطاب السياسي ومدى قدرة ذلك على حل معضلة الفقر والهشاشة والعدالة الاجتماعية، سرعة التغيير السلبي والنكوصي بعد رمضان، كيف ولمادا...؟.  

            وفوق هذا، أرى أن الإشكالات المرتبطة برمضان ستبقى أعقد من هذا، وفعلا سيكون للسوسيولوجيا دور مساعد وفاعل في معالجتها إذا خلصت النوايا وقويت الإرادات وتحققت المعرفة، بدء من الوعي بها خارج الحس المشترك والأحكام المسبقة ورد ما لا يرد إلى رمضان، مرورا بالأبحاث الإمبريقية والعينات الممثلة للحقائق والاشكاليات، مرورا بجمع البيانات والقيام بالتحليلات العلمية والموضوعية، إلى جعل النتائج بين أيدي الناس من أجل الوعي غير الزائف، وبين أيدي صناع القرار والسياسات العمومية، ومنها الإصلاح والخطاب الديني الذي يمكن أن تساعده على أن يكون بالكيفية المناسبة وفي الاتجاه المطلوب بطبيعة الحال. إشكالات قد تكون هي من وراء كل مظاهر الاختلالات وهي من ينبغي أن تعالج لا مجرد أعراضها ومن ذلك:

 

1-    رمضان بين المعتقد (الدين) والممارسة (التدين): بين العبادة الفقهية والعادة الثقافية، بين الإيمان والفهم والعمل ونوعيته وكيف يؤثر أحدهما على الآخر في دينامية رمضانية تتغير حسب الأفراد والمدارس والزمان والمكان وليس المعتقد وحده.

 

2-    رمضان ومدى عودة الدفء للعلاقات الأسرية: باعتبار الأسرة هي الخلية الأولى للدفىء والاستقرار، للمعايير والقيم والأخلاق والخدمات والتضامنات..، ولكنها اليوم أصبحت معقدة وتواجه تحولات وتحديات فوق طاقتها بدء من عوائق التأسيس إلى مشاكل الاستقرار فأخطار الفردانية والتفكك ووضع الهوية والقيم..، وهي تتأرجح اليوم بين أسرة نووية وممتدة، أفرادها من كل الأجيال والوضعيات الاجتماعية بين بطالة الخريجين وعنوسة البالغين..، قدرتها الشرائية مهددة بالفقر والهشاشة، فضاؤها ضيق اسمنتي يمس بصحتها النفسية، لا زالت الثورة التكنولوجية كل يوم تحكم فيها سيطرتها..، وكل هذا فوق طاقة المائدة الرمضانية "الموحدة" ويؤثر على تدين الأسرة وتدين المجتمع ما لم تكن لدينا اتجاهه مقاربة علمية اجتماعية علاجية إصلاحية تنموية شمولية.

 

3-    رمضان بين التدبير المطلوب والتبذير الموجود: تدبير كل شيء من الزمن الليلي المهدور في كثير من سفاسف التلفاز ومغريات الملاهي و يا حسرة باسم "برامج وأنشطة وعروض رمضان"، والزمن النهاري المهدور عند البعض في الفتور والكسل والعطالة بدل الانتاج، والعلاقات الأسرية وما تحتاجه من تبادل الخدمات وتعزيز التماسك والروابط الاجتماعية، إلى الإفراط في العادات الاستهلاكية رغم التهاب الأسعار والضرر بالقدرة الشرائية والممارسات الصحية..، إلى كل ما يتصرف فيه الناس بعكس مقاصد الصوم كما جاء في الحديث: "الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا  يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاته فليقل إني امرىء صائم " رواه الشيخان.

 

4-    حقيقة الفضاء العام بين الحرية الشخصية والالتزام الجماعي: بمعنى هل الفضاء العام كما يقول البعض خاص بالقوانين الوضعية والحريات الشخصية والتدخلات السياسية التي تفرضها، حتى تجرأ البعض على المناداة بحق الإفطار العلني؟، في حين أن الفضاء الخاص هو من يسمح فيه بتدين الأشخاص ووفق معتقدهم وحريتهم أيضا؟، أم أن الفضاء الخاص والعام على السواء كليهما محضن للتدين الفردي والجماعي والوحدة والتضامن بدل التفاوت الطبقي الشارخ والصراع الإيديولوجي البغيض، ومن هنا نرى اليوم في رمضان امتلاء المساجد والساحات بالصيام والقيام وليست من الفضاء الخاص، وامتلاء الملاعب والأسواق بشتى البضائع والناس يحرصون على اقتنائها بالقيم والمبادئ والتي لها أصلها في الدين كما في معنى الأحاديث: "من غش فليس منا.. ورحم الله امرء سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى،.. والمؤمن لين هين إلف مألوف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف"، وهذا مما يفيد أن على المسلم ومن كمال إخلاصه وتقواه التزام آداب الصيام في الفضاء العام كما في الفضاء الخاص؟.

 

5-    تجديد الهوية الوطنية الجامعة في ظل الهجمة الشرية للعولمة: هوية وطنية أصيلة إسلامية حضارية تتجدد وتتعزز في كل رمضان وبكثير من الخصوصيات الفريدة الثرية والمؤثرة خاصة في ظل الهجمة الشرسة للعولمة التي تتنكر لها باستلابها وتحاول تجاوزها باستبدالها بقيمها المادية المعولمة بقوة التكنولوجيا والضغوط على الأنظمة والشركات العملاقة العابرة للقرات وطابعها الانفراد القيمي والثقافي بالقوة بدل التبادل في إطار من التعدد والاعتراف المتبادل، هوية وطنية تتجلى أكثر في ما يعرفه رمضان من العودة العارمة إلى الأطباق الشعبية واللباس التقليدي وصلة الأرحام والتضامن الاجتماعي الشعبي والرسمي، وهذا جيد، ولكن، هل هذا وحده يكفي في غياب جوانب أخرى مهمة ومؤسسة وعلى رأسها القيم والأخلاق في الحياة اليومية والعدالة المجالية والتنمية المستدامة في السياسات؟.

 

إن سوسيولوجيا رمضان وباعتبارها اهتمام نظري معرفي عقلاني يهتم بالمجتمع وظواهره الاجتماعية وغيرها، وبحث ميداني واقعي منهجي وصفي مقارن تاريخي نقدي في متماسكاته الوظيفية واختلالاته الاجتماعية واهتماماته الميكرو والماكرو اجتماعية، مستحضرين أطاريح الرواد "دوركايم" الوظيفي وقهرية الظاهرة الاجتماعية عنده وأهمية الدين في التماسك والتضامن الاجتماعي، و "ماكس فيبر" التأويلي وفعله الاجتماعي والفاعل الذي يختار من تناقضات المجتمع ما يناسبه وفق النموذج المثالي، وباعتبار الدين (المسيحي) الذي ساهم في بروز الاقتصاد الرأسمالي وحيوية عماله المؤمنين، إلى "بارسونز" الأمريكي وكيف تحدث عن التكيف الاجتماعي من أجل التوازن والتكامل وتحقيق الأهداف، عكس ما تحدث به "غوفمان" من الوصم الاجتماعي الجسدي/عاهة والشخصي/سلوك والانتمائي/جماعة أو طائفة أو قبيلة، وكله احتقار واقصاء تهميش واستسلام يسود في المجتمع رغم أفاته. ولا يمكن أن يعمل علم الاجتماع إلى جانب العلوم الإنسانية الأخرى وفي شكل تكامل معرفي خاصة بينه وبين علم النفس المعرفي والسلوكي والاجتماعي والإصلاح القيمي والاقتصاد السياسي..، إلا على معرفة الواقع على حقيقته وبعمق والمساعدة على بناء القرار السياسي والاقتصادي الإصلاحي والخطاب الديني بشكل أفضل يخدم الأمن الروحي و الاستقرار المجتمعي والتنمية المستدامة بشكل إجرائي علمي وعملي أفضل.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الأربعاء، 11 مارس 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الأسرة.. وكيف تدبر اختلاف أجيالها في رمضان

      يقصد باختلاف الأجيال تفاوتها من حيث الأعمار والمعارف والتجارب والقدرات واختلافها من حيث الأجناس والاهتمامات والحاجات..، مما يجعلها في حاجة إلى قدر من التوافق الأسري ونوع من التواصل والتفاهم والتعاون الذي يضمن للأسرة ككل حظها اللازم من التماسك والاستقرار والراحة النفسية والسلامة الجسدية لكل أفرادها على اختلاف أجناسهم وأعمارهم ومراكزهم الأسرية وأدوارهم ومكانتهم الاجتماعية. وقد يمتد هذا التوافق الأسري ليكون لبنة أساسية يساهم فيها الجميع من مكانه وبإمكانه من أجل تعزيز روابطها الاجتماعية وتحقيق أهدافها الأسرية والمجتمعية ونجاح علاقاتها في ما بينها بل في ما بينها وبين محيطها من الأقارب والجيران والمعارف ومن تتعامل معهم في شتى أغراضها، حيث تسود بينهم المحبة والاحترام المتبادل والتعاون الممكن بدل التجافي والقطيعة والتوتر والتفكك والصراع الحالق أحيانا؟.

 

       ولا شك أن التوافق الأسري بهذا المعنى يكتسي أهمية قصوى في المجتمع ككل، لا في رمضان ولا في غيره، وخاصة في مؤسسة الأسرة باعتبارها كما يقال نواة المجتمع وبمثابة البيئة التي يتنفس فيها الأفراد منذ نعومة أظافرهم كل المعارف الجميلة ويتشربون كل القيم النبيلة والمعايير الموحدة والموجهة والميسرة للتعامل الفردي والجماعي بين الآباء و الأبناء و الإخوة والأخوات والأقارب والأصدقاء، فإذا كانت بيئة صافية المياه نقية الهواء مسالمة الكائنات متعايشة متآزرة، اطمئن على أفرادها وسلامة نموهم وتطورهم الفكري الوجداني والعاطفي والنفسي كما الجسدي البدني العضلي وهو المحرك المنفذ لكل الرغبات والأحاسيس، وإذا كانت هذه الأسرة مفككة موبوءة ملوثة خيف على يراعها قبل يراقها وفراشها من التلوث والاختناق ومن كل أنواع الاحتباس المزمن والتفكك المدمر والهشاشة البنيوية والروابط الممزقة التي لا أسرة تبقي ولا أفراد صالحين مصلحين تنتج؟.

 

       ترى، ما هي معيقات هذا التوافق الأسري خلال رمضان وفي غيره؟، كيف يمكن تحقيقه وتنميته في أسرنا وفي الممكن من محيطها القريب والبعيد؟، ما دور رمضان في كذا مشروع تربوي واجتماعي هام وأساسي؟.، أيهما أهم، صوم رمضان كما نريد وإن غضب من غضب أم صومه والحفاظ على العلاقات كما ينبغي وعدم الإخلال بالمسؤوليات والضرر بالمؤسسات؟، لأنه في الحقيقة، وعلى عكس ما يعتقد الناس من أن أجمل شيء في رمضان هو جوه الأسري بامتياز، لكون الأسرة تجتمع فيه على مائدة واحدة، وتتمكن من إحياء ما بينها من أواصر المحبة وحقوق الأخوة ورحم القرابة، فتتاح لهم فرص ثمينة لعلاج ما لا يعالج ومناقشة ما لا يناقش في زحمة ودوامة الأيام، وقد يتمكنون كذلك من ممارسة بعض العبادات الجماعية المشتركة كتلاوة القرآن والصلاة الجماعية التي يبدو الجميع قابلا وفرحا بها، مقبلا وحريصا عليها، متعاونا فيها، وهذه أشياء مهمة خاصة في زمننا زمن شرنقة الفردانية وأسر العالم الافتراضي وقتا وفكرا، سلوكا ومزاجا أكثر من الواقع؟.

 

      إلا أن هناك ما قد يعكر هذه الأجواء الأسرية الرمضانية ويحولها من عبادة خالصة إلى مجرد طقس ملزم ينخرط فيه الجميع برغبات متفاوتة وحماسة زائفة غير خالصة، إن لم يكن في بعض الأحيان كارها لها أو على الأقل مفضلا لشيء آخر غيرها وهو في نفس الوقت مباح وربما أهم بالنسبة إليه. وقد نجد لذلك أسبابا موضوعية كثيرا ما يتم تجاهلها وإن بقيت متقدة متنامية كالنار تحت الرماد لا تلبث أن تتقد فتحرق قبل أن تنحرق، ونذكر من ذلك:

 

1-  تفاوت الأجيال واختلاف التمثلات: بين من يرى رمضان هكذا ومن يريده غير ذلك، والحالة هذه، يأتي من يفرض رأيه واختياره على الجميع، ويجعل رمضانهم على ما حبب إليه هو لا ما توافق عليه مع الآخرين، إفطارات دائمة مثلا، وصدقات أو خرجات وسهرات أو أورادا وتهجدات..، دون مراعاة لميولات الآخرين واهتماماتهم وظروفهم وقدراتهم؟.

 

2-  تعدد السلطات ومراكز القرار داخل الأسرة: أو احتكارها من طرف الكبار حتى لو همت الصغار، أو تضاربها أحيانا بين الآباء والأمهات، رغم أن الأجواء العامة في الخارج والعالم الافتراضي قد تكون في يومنا هذا هي من تقرر في الحقيقة ووقد تكون هي في تضارب مع الأسرة، مما يجعل المحرومون يبحثون عنها خارج الأسرة طبعا؟.

 

3-  اختلاف الأذواق وتفاوت القابليات: وهو أمر مشروع ما لم يمس فرض الصيام في حد ذاته وما أوجبه الله له، ويبقى الصيام سويعات معدودات وما بعدها طيف واسع من المباحات، من العبث أن نجعلها مباحا واحدا وأوحد قالت به مرجعية ما أو لم تقل به؟. فكيف ندبر اختلاف الأذواق في الأكل مثلا، بين التقليدي والعصري والبيتي والشارعي  والمعد البارد والمحمول الجاهز.. في معركة أجيال حضارية ضارية بين "الطاجين والحريرة" و"الطاكوس والليموناد"؟، من يأكل وشرب هذا ومن لا يأكل ولا يشرب ذلك،هل يسعنا تدبير الاختلاف أولا، وهل يستوعب إمكاننا ذلك؟، هل لدينا بعض من البدائل وشيء من الاقناع، أو مجرد "هاد الشي اللي كاين واللي ما عجبوا حال ينطح راسو مع الحيط"؟.

 

4-  تنوع الوضعيات الاجتماعية في الأسرة الواحدة: ممن تضطرهم الظروف للعيش مع أقاربهم من آباء وأبناء وإخوة وأخوات، من معطلين وعانسات، ومسنين ومدمنين، وذوي حاجيات خاصة أو أمراض مزمنة..، لابد من مراعاة وضعياتهم النفسية وقدراتهم التحملية علهم يجدون في رمضانهم ما يرتاحون له، ومنهم المحتاجون من الأقارب ممن تنبغي صلتهم وتخفيف حاجتهم قدر المستطاع.

 

5-  الجو العام السائد في المجتمع: والذي يغذي الإعلام الفاسد جوانبه السلبية أكثر من الإيجابية، من هنا إشكالية التعامل مع رياحه المساندة (رمضان العبادة) ورياحه المعاكسة (رمضان العادة)، فقد يطفئ المرء تلفازه في بيته وتتفرج فيه ابنته عند الجيران، وقد يمنع المرء بعض الترفيه المباح في داره ويسهر ابنه في ملعب الحي أو في المقهى و الشارع مع الأصدقاء إلى الفجر..؟.  

 

6- المناخ الدولي الذي يعكر على الناس أجوائهم الروحانية: كالحروب المدمرة هذه الأيام على "غزة" فلسطين و"طهران" إيران، مما أشعل الفتنة في كل ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط العربي، وجعل قضايا الأمة تتصدر الأحداث، ومن الوحدة الإسلامية أن يهتم المسلم بأمر إخوانه المسلمين في كل مكان، ويسعى جاهدا لرفع الظلم عنهم وعدم مساندة المعتدي الصهيو- أمريكي بأي كان، لأن الحرب في الحقيقة حرب سرطان خبيث لن يدمر العضو الذي تسلط عليه وحده بل كل أعضاء الجسد الواحد؟، وها نحن نرى كيف للهيب هذه الحرب أن طال سعاره نفسياتنا و ودراسة أبنائنا وغلاء أسعارنا وإحراج أنظمتنا واضطراب حرياتنا الاحتجاجية وانقطاع أسفارنا الدولية..، فإلى الله المشتكى؟.

 

ليس من السهل إذن أن يصوم الجميع رمضان في غياب أو ضعف التوافق الأسري بين الأجيال، مما قد يجعله رحمة على البعض ومعاناة على البعض الآخر، بل قد تكون لتلك المعاناة ما بعدها تعلق الأمر بالمعتقدات أو بالتصرفات والمواقف والمعاملات الآنية والمستقبلية، ويزداد الإشكال تعقيدا أن كل الأطراف من المتشددين أو المتفلتين يتجرؤون ويحملون رمضان مسؤولية تصرفهم المجانب للصواب، ومن أجل تخفيف حدة هذا التقاطب المشين، ومن أجل رمضان أسري يسعد به الجميع، ويزيد من درجة المحبة والتماسك والتعاون بين كل أفراد الأسرة السعيدة، نقترح ما يلي:

 

 

1-  بعض المراجعة الجماعية لأهم فقه الصيام: بأي شكل متاح، حتى يتم تحريره من الغلو في العبادات والاستسلام للعادات، فيكون أمرا مرجعيا وسطيا يسع الجميع.

 

2-  الحرص قبل كل شيء وبعده على الاحترام المتبادل: بين كل الأشخاص في الأسرة، واعتبار أجناسهم وأعمارهم، أحوالهم وظروفهم، ميولاتهم وقدراتهم حق الاعتبار، فالله تعالى قد شرع الأعذار لأصحابها وخفف عنهم.  وترك أمر العباد لرب العباد، ولا يسأل المرء إلا عن نفسه وأهله: ومدى إعطائه القدوة بينهم، وتبقى كل الأمور التي تهم الآخرين، إنما هي دعوة، وبالتي هي أحسن: "ادفع بالتي هي أحسن".

 

4-  لابد من الحد الأدنى من تحقيق مسؤولية الانتماء للأسرة: بما فيها من الحقوق والواجبات، مع ما يستلزمه ذلك من قيم التشاور والتعاون على إنجاز بعض الأعمال والقيام ببعض العبادات الجماعية المتوافق عليها، خاصة مع الأبناء والبنات ومن باب التدريب والاستئناس والتشجيع والمواكبة، فكم نرتاد معهم من المساجد؟، وكم ندخل معهم من المطابخ؟، وكم نرافقهم إلى المتاجر والأسواق قبل الأندية والجمعيات؟.

 

5- احياء الذاكرة الجماعية للأسرة: من تكون هذه الأسرة وكيف تعيش وفي أي وسط؟، ما تاريخها وتاريخ أجدادها وحاضر أبنائها؟، ما قيمها ووازعها الديني وعلاقاتها القرابية؟، أي قيمة مضافة لها في الحي أو اتجاه قضايا الوطن والأمة؟، ما إنجاز أبنائها وما طموحهم، ما مشاكلهم وما تجاربهم وما مقترحات حلولهم حسب الأولويات والإمكانيات، أي روابط تعاونية بينهم وما دور القيم الأخلاقية حتى في مشاريعهم الدينية التكوينية والتأهيلية الدنيوية؟، أي قدرة لهم على التكيف مع الوضعيات واحترام الخصوصيات والقدرة على الحوار والتواصل رغم ما قد يكون بينهم من الاختلافات؟. فكثيرا ما نلوم الأبناء على هشاشة انتمائهم إلى أسرهم، ولكن، كيف سينتمون إلى شيء يفقد أمامهم معالم ذاكرة واضحة ولا يختصهم بمهام وحقوق و واجبات أيضا واضحة؟.

 

6-  تسجيل الحضور الدائم داخل البيت وبعض التنوع اللازم والمتاح في الأنشطة: آباء وأبناء، خاصة في أوقات بعض البرامج الجماعية المشتركة، أو التكليف بمهام منزلية محددة فردية أو جماعية، أو لمجرد الجلوس مع الأهل والأبناء، فلا يليق أن يفتقدونا دائما في المقاهي والملاهي أو حتى في الأنشطة الاجتماعية المكثفة؟. لدرجة أن أحد الأبناء الفطناء وجراء هذا الغياب المفرط لأبويه الفاعلين عن المنزل، توعدهما وأقسم لهما بأغلظ الأيمان بأنه عندما سيكبر سيتزوج امرأة لا تعرف لا معنى العمل الاجتماعي ولا باب الجمعيات؟. وخلال تواجدنا في البيت لا باس ومن الممكن أن نمارس  بعض التنوع اللازم والمتاح في أنشطة رمضان الفردية والجماعية، بين ما هو علم وتعلم وعبادات وزيارات وأعمال اجتماعية لازمة وترفيهية مباحة وغير ذلك من حاجيات الناس الفكرية والنفسية.. الروحية والجسدية التي تمنحنا التوازن والقوة المطلوبين في كل شيء وعلى الدوام.

 

في غير رمضان، بعض الأسر إذا صام فيها الآباء الأجر، لا تكاد توقد النار في ذلك البيت طوال النهار، لأن الكبار صائمون؟. وفي رمضان لا أدري بماذا يفطر الصغار في بعض الأسر غير بعض البقايا والفتاة البارد مما تبقى من الليل؟. ومن لا يصومون من ذوي الأمراض المزمنة المتقدمة، ألا يصومون أحيانا إلا عن الماء والأدوية؟، كثيرة هي التمثلات السلبية التي تلصق برمضان في وقتنا المعاصر، وهي من جهة افتراء وظلم وعدوان ينم عن جهل مركب، ومن جهة أخرى جراء بعض تصرفاتنا الخاطئة في رمضان، وهو المفروض أن نحرص فيه على التقوى كما أمرنا الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون "البقرة/183، والتقوى أن نؤتي كل ذي حق حقه، لا نَظْلِمُ ولا نُظْلَمُ، فاحرص أخي/أختي وفقك الله على التوافق في أسرتك وابذل كل شيء لتحصينها من صراع الأجيال، تحرص/وتحرصين على تكوين وتدبير أسرة رائعة مستقرة.. متماسكة منتجة.. حامية موجهة.. بيئتها نقية صافية وقيمها جامعة بانية وعيشها عيش جماعي ولا أرغد؟.

                                                                                              الحبيب عكي


اقرء المزيد

الجمعة، 13 فبراير 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان

لا تزال سهام الكيد وقذائف العدوان تتوجه بكل الأشكال والألوان وعلى الدوام إلى قلاع الأسرة الصامدة عبر التاريخ وفي كل الديانات والحضارات، فانضافت إلى عوادي الزمان وتحولات الفضاء ووحشة المكان وقد قوست ظهر الإنسان، انضافت إليها تصيب من حصونها المتينة وتهدم من بنيتها السليمة وتأخذ من مواثيقها الغليظة ووظائفها التليدة، حتى غدا فيها التفكك عنوان التماسك أو يكاد، وغدت فيها الهوية هويات سائلة ومتطاحنة، كما غدا فيها التقاطع والتدابر والفردانية عنوان المحبة والمودة والتواصل والتعاون. ترى، ما تأثير ذلك على الأسرة بل على الفرد والمجتمع والتوجه الإنساني العام؟، وماذا يحمل رمضان لكل هذا من فرص الغرق أو سبل الانفكاك وقوارب النجاة؟.

 

أصبحنا اليوم من الغرابة نرى أسرا مسلمة، يتساكن أبناؤها (العزاب والعازبات وغيرهم) وهي لم تتأسس أصلا؟، وكم منها لم يتأسس حتى داهمته جائحة الفراق والطلاق وتشتت الأبناء وعرضتهم إلى المجهول؟، وكم منها لم يتطلق ولكنه مبلل إن لم يكن غارقا في أتون الهجران العاطفي القارس وفي عقر بيت دافئ يسمى الأسرة وبيت الزوجية؟، كم من هذه البيوت يبتعد عن القرابة الدموية الحميمة بقدر ما يقترب من القرابة البديلة، ولكن، لا قرابة يبقي ولا صداقة يجد؟، الانشغال والإهمال.. الهواتف والصمت.. العنف والطلاق.. العولمة والافتراضي.. البخل وفقر المشاعر.. كلها من مظاهر تفكك الروابط الاجتماعية وطلاق السماحة والفضائل وهي اسمنت العيش المشترك العادل والكريم.

 

لكل هؤلاء، ها هو رمضان قد أقبل ورمضان فرصة، فرصة لتخلية العبادة من الرذيلة والأدران، وتحلية العادة والمعاملة بالفضيلة والإحسان، ومن العبادة والعادة والفضيلة والإحسان، ما يتيحه رمضان من تخصيص وقت وافر وغير معهود للعناية بالأهل والأبناء، يقضي معهم رب الأسرة نهارا من الصيام ويمضي معهم ليلا من القيام، ويمكث معهم إلى موائد الإفطار والعلم والقرآن، وتكون له القدرة على التقوى وضبط النفس احتسابا بألا يسيئ إلى أي أحد منهم من الصغار أو الكبار، أو يبخل على أن يدخل ما يمكنه من الفرح والاهتمام على الجميع، هذا على الدائرة الداخلية التي هي الأسرة والتي غالبا ما يكون التجاوب مع ولي الأمر من هذا القبيل منقطع النظير، وكأن مثل هذا الأب المسكين قد سرقته مشاغل الدنيا وضغوطاتها والمقاهي ومباهاتها من أبنائه فأعاده إليهم رمضان فعمهم الفرح والترحاب.

 

وعلى مستوى التضامن الخارجي، يمكن للمرء أن ينخرط وكيفما تيسر له في بعض الأعمال الاجتماعية لأهل الحي وما ينظمونه من بعض الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية وتفقد الحالات الاجتماعية بما تيسر من الوصل والمساعدات، كما عليه أن يحيي ما نبذه من ترك الزيارات وصلة الأرحام مع قرابته الدموية وقرابته البديلة في الوسط المهني والترفيهي وغيره، أو جعلها رقمية افتراضية باردة في أحسن الأحوال، ومن يدري، ربما تحمس وقوي إيمانه واستيقظ ضميره أكثر، فافتكر أحوال الأمة في فلسطين والسودان وتضامن معهم كما ينبغي وبسخاء. إنه رمضان شهر التماسك والتضامن والعمل الجماعي والمجتمعي بالموازاة مع العمل الفردي والأسري، المؤمنون فيه رغم البعد والمسافات بنيان مرصوص كأفراد الأسرة الواحدة، كأعضاء الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

 

لكن دون ذلك أمران أو ثلاثة أولهما: معرفة الأسرة ووظائفها التربوية (قيم ومعايير) والاقتصادية (صرف وتضحية) والاجتماعية (رعاية) والأمنية (انتماء واستقرار) والعاطفية (حب ومودة) والنفسية (دعم نفسي) والبيولوجية (غذاء وتوالد) والتي لم يكد يبقى من وظائف الأسرة إلا هي، بل حتى هي أحيانا تلبى خارجها و"كيفما اتفق" والعياذ بالله؟. والأمر الثاني: هو معرفة مدرسة رمضان على حقيقتها في عقيدة المسلمين وحياتهم، وخاصة ما يتطلبه من تكوين ومدارسة وتنظيم وحكامة، لا كما يشوش عليه في سفاسف الإعلام وشبهات المغرضين، مما يجعل هذا الشهر الكريم قد يأتي على البعض ويمضي ولا يكاد يغير من أحواله نحو الايجاب شيئا، إن لم يكن قد زاد من توتراته وتعقيداته المادية والنفسية وكأن لا كسب له فيه إلا الجوع والعطش؟. والأمر الثالث وهو الأول في الحقيقة: وهو الإخلاص والتوكل والتوفيق من الله والموفق من وفقه الله تعالى.   

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الأحد، 19 أكتوبر 2025

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الدخول المدني 25/.26. مستجدات وتحديات

        في الحقيقة، يأتي الدخول المدني الجديد 25 26/وقد جرت مياه كثيرة تحت جسر العمل المدني/الجمعوي وطفت فوق مختلف مجالاته وبللت منه الوسائل والأهداف والفاعلين والفضاءات..، مما سيجعل مراكبه الصامدة ستمر مضطرة وبشكل غير طبيعي فوق الجسر لا تحته كالمعتاد، خاصة إذا لم تعي بهذه الدينميات الاجتماعية والتحولات العميقة وتأخذها بعين الاعتبار في مراجعة الأهداف والوسائل وتحديد المقاصد والأولويات والمنطلقات والحوامل والمحامل..، ترى، ما هي هذه المستجدات الطارئة والصارخة؟، ما تحدياتها الانشطارية؟، وما المطلوب لتفادي حكاية " المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى"؟.

 

         كثيرة هي التغييرات الواقعية والميدانية التي أصبحت تفرض على المجتمع المدني/الجمعوي كغيره من الفاعلين الاصلاحيين، تفرض عليه التغيير والعمل الميداني المتجدد بما يلبس الناس لبوسهم ولبوس عصرهم ويناسب لغتهم والحاجيات والتوجهات والبراديغمات المدنية الجديدة على قولهم : " من لم يتجدد يتبدد"، ومن ذلك:

 

1)   الحراك الشبابي لجيل " Z ":

وهو ظاهرة عالمية تعرفها العديد من الدول ك" نيبال.. مدغشقر.. المغرب.. أمريكا.. اليابان.. كوريا.. الفلبين.. إندونيسيا.. نيجيريا.."، حركة تهتم بالقضايا الاجتماعية المعقدة والمزمنة للدول كالصحة والتعليم والبيئة والتنمية وغيرها من مستلزمات العدالة الاجتماعية كما تمليها الثورة الرقمية.. الحرية والكرامة والمساواة والدمقرطة والتنمية والانصاف..، صحيح هي ظاهرة مرتبطة بالأنترنيت والعالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات المنتشرة..، لكنها تطرح سؤالا عميقا وجوهريا حول التنظيم.. والمعرفة.. والعمل.. والقرابة.. والهوية والقيم.. وحول.. وحول..، وحول الوسائل التقليدية للتأطير في المجتمع، حزب ونقابة.. جمعية وأندية..، كان ندوة أو محاضرة، ورشات تكوينية أو مسابقات ثقافية.. أمسيات فنية أو دوريات رياضية..، هل استنفذت أغراضها وحمولتها التربوية، هل فقدت من بريقها وسحرها وجودتها وقدرتها على التجميع؟، هل أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة الحرة هي البديل؟، أم أن منطق التأطير الأول الذي كان يعتمد التكوين والتأهيل والانتماء/الانخراط، لم يعد يقبل غير الحرية والتكوين واللا انتماء أو الانتماء الافتراضي السائل دون التزام ولا قيود ولا واجبات؟، انتماء زئبقي يجعل من صاحبه قد يعطي صوته وموقفه لقضية ما ، لكن من خارج دعاتها وهيئاتها وتبعاتها؟.

 

مسألة أخرى، وهي أن الجيل " Z " كما يبدو قد تحرر  من كل السلطات/التسلطات ومن كل انضباط المؤسسات خاصة تلك التي دأبت على الوصاية على الأخر وعلى إفراغ الأشياء من المعنى وهو مبرر وجودها، والداعي إلى خدمة قضايا الناس وفق حقوقهم وإشراكهم، مما أكسبه يعني هذا الجيل، جرأة غير مسبوقة بقول الحقائق عارية كما هي كتخلف وضعنا الصحي والتعليمي والاصلاحي عامة والدي أصبح يغرد به الجميع اليوم عكس ما كان الكثيرون بالأمس يطبلون لإخفاقاته ومشاريعه الفاشلة وغير العادلة؟، فهل يستطيع من يريد التواصل معه أن يكتسب شيئا من لغته الصريحة التي قد يسميها البعض وقحة وهي مجرد لغة واقعية ونفعية تدعم من يرفع شعار الحكامة وتراعي المصلحة والنتيجة قبل كل شيء، أم أن الانضباط للمؤسسات وتوازناتها  والمراسيم والتعليمات.. ستحول بينه وبين ذلك وبالتالي بين التأطير أو حتى مجرد التواصل لا على التعاون ولا على غيره؟.

 

2)    مشروع إصلاح مدونة الأسرة واحتدام معركة الهوية والقيم:

وهو مشروع يستهدف إصلاح الخلية الأولى في المجتمع التي هي الأسرة، أفرادها، معايير وأهداف تأسيسها، قيم التعايش فيها تحت سقف المودة والرحمة والتضامن والتعاون، أمساك بمعروف أو تسريح بإحسان..، تحديات متعددة تواجه هذه الأسرة المعاصرة، عرفية وتشريعية وكونية مست بعمق هويتها وقيمها، نمطها ونمط العيش فيها، فأصبحت بؤرة العديد من الاختلالات ومرتع العديد من الأمراض الاجتماعية والتحولات الجارفة، عزوف عن الزواج، تفشي الطلاق، تفكك أسري، فقر عاطفي، ضعف الأنس وغياب الحوار، هدر مدرسي وجامعي، اعتداءات جنسية على الأطفال خاصة في الفضاءات والمؤسسات، بطالة وهجرة قسرية..، فما هي مشاريع القيم التي تساهم بها جمعيات المجتمع المدني في تدارك هذا الفقر الممتد والهشاشة المستشرية، وهي تمتد من الأسرة القرابية إلى غيرها من الأسر المؤسساتية في المجتمع، أسرة الوحدة وأسرة المدرسة وغيرها؟. أين الترافع الجاد والجماعي من أجل إخراج المجالس الدستورية الاستشارية الوطنية التي من المفروض أن تؤطر هذا الورش الوطني الاستراتيجي، "المجلس الوطني للأسرة والطفولة" و " المجلس الوطني للشباب والعمل الجمعوي" على أمل ألا تكون كغيرها من المجالس القائمة والتي تمكننا من رؤية وطنية  تشريحية لمختلف الأوضاع في إطار دولي شمولي فتعطينا تقارير موجهة وأرقام منذرة سرعان ما تتحقق نبوءتها، ولكن السياسات العمومية والقطاعية وكأن شعارها معها لا يزال مع الأسف: " شاورها ولا تدير برأيها".

3)    مرور سنتين على طوفان الأقصى والعدوان الصهيوني الهمجي على غزة/ فلسطين:

سنتين من التدمير العنيف والشامل والابادة الجماعية على غزة، سنتين من التجويع القاتل والتهجير القسري الممنهج، طال الأطفال والنساء وكل المدنيين الغزيين الأبرياء، مما استنكرته كل شعوب العالم ضدا على أنظمتها المتواطئة مع الاستكبار العالمي الغاشم بقيادة أمريكا. والآن، وقد انتصرت المقاومة بفضل الله وجهادها الباسل وتضحيات شعبها والتفافه حولها وكذا أحرار العالم حولها، ولكن المعركة لا تزال مستمرة متقدة لابد لها من "طوفان الوعي"  لاستمرار اتقاد القضية لا اقبارها أو نسيانها أو الفتور عن مناصرتها في السلم كما في الحرب، لابد من نصرة عدالة الشرائع السماوية والمواثيق الكونية وحمل مشاعلها المضيئة الوضاءة، وخاصة تلك التي تستوجب الحرية والكرامة والعدل والانصاف، وترفض الظلم والعدوان والاستعمار والاستيطان والتجويع والتهجير والحصار القسري للإنسان كل الإنسان، وكل هذا من مآسي الفلسطينيين وملفاتهم الحارقة والمستمرة رغم إعلان وقف إطلاق النار؟. فماذا يمكن أن تقدم جمعيات المجتمع المدني لتساهم به بكل فخر في حمل هذه القيم الانسانية السامية والحقوق المشروعة لكل شعب مستضعف بين أنياب الاستبداد والاستكبارالصهيو/أمريكي الظالم؟، إن المجتمع المدني خلال الحرب الضارية قد أرى العالم كله مبادرات ومناشط لا زال الغزيون في أمس الحاجة إليها.. بل وضع إيقاف الحرب أدعى إلى نجاحها أكثر من غيره، ومن دلك: مناشط وفعاليات التعبئة والتحسيس.. مسيرات النصرة وحملات التبرع ومعارض المنتوجات المتجولة.. أساطيل الصمود لكسر الحصار.. فتح المعابر لإدخال المساعدات.. المساهمة في إعادة الإعمار.. الأدب والفن التضامني الإنساني لإبقاء الذاكرة الجماعية حية مقاومة ممانعة مقاطعة غير مطبعة ولا مهرولة ولا مستسلمة ولا متعبة.. الترافع لدى المحاكم الدولية العليا ضد جرائم الحرب لإحقاق الحق وعدم الافلات من العقاب..؟.

 

إن كل هذا الحراك المدني العالمي الزاخر والمتضامن مع القضية، قد تحركت الكثير من المياه الراكدة والآسنة تحته، خاصة لدى العديد من الجهات والمؤسسات المغرضة كأصحاب "تازة قبل غزة "، وكشف الكثير من التغليط والتعتيم والادعاء الصهيو/ أمريكي، مما يفيد أن تسجيل الموقف من طرف المناصرين أو حتى التصويت لصالح القرار الفلسطيني وحده لا يكفي، بل لابد من " طوفان الوعي" و "طوفان المساعدة" وفك الحصار.. وفتح المعابر، ولابد من مزيد من النضال الشامل على حزمة من الحقوق الأساسية على أرض الواقع، حق الأمن، وحق الاستشفاء وحق التعليم وكافة مظاهر الاستقرار والحياة الآدمية الحرة الكريمة. لا تحسبن الجمعيات أن الأمر قد مر وانتهى، فهناك لا يزال المشردون وهناك لا يزال المهجرون وهناك الأسرى والمسجونون، وهناك.. وهناك، لا تبني لقضاياهم إلا بتكتل الجمعيات الحقوقية منها والاجتماعية الخيرية والثقافية الفنية والتنموية البيئية وغيرها. والجمعيات إذ تقوم بهذا أو شيء منه وفوق أنه التزام ديني وواجب وطني، فإنما هي الرابحة ومن عدة أوجه لعل أهمها الاشتغال داخل الموضوع المدني وليس خارجه، ثانيا، الاشتغال على أهم المبادىء الانسانية والتي لا  بناء ولا تنشئة ولا تنمية وطنية أو قومية من دونها، وبالتالي فالجمعيات في هذه القضية ستأخذ بقدر ما تعطي؟.

 

4)    تضييق بعض السلطات على أنشطة وفعاليات بعض الجمعيات:

هناك أمران في السياق، أولا: رغم الهجرة الكبيرة والجماعية للكثير من الفاعلين إلى العالم الافتراضي والهوية الافتراضية، وتغليب النشاط في هذا العالم الحر والملغوم على النشاط الواقعي والميداني، ورغم أن مثل هذا النشاط الرقمي لا نعرف عن مخاليبه شيئا، ولا زال في الغالب لا يفاجئنا إلا بمواقف وحملات وحراكات ومقاطعات لا قبل لنا بها؟. ثانيا: رغم أن الفتور واليأس والقعود قد تسرب إلى الكثير من الفاعلين و منهم حتى النخبة المثقفة المنزوية، فآثرت الصمت حيث وجب الكلام، وانشغلوا بالشأن الخاص تاركين الشأن العام إلى مصيره وتضارباته؟،  هذان موقفان ولا شك لا يخدمان لا مصلحة البلاد ولا مطالب العباد، ورغم هذا، فإن بعض رجال السلطة لا يزالون يستصحبون مواقف التضييق على بعض الجمعيات القانونية وكأنهم في عداء مستمر مع فاعليها المدنيين وهمهم أن يعترضوا طريقهم ويضيقوا عليهم في مساعيهم المشروعة، ولمصلحة، أكيد أنها ليست لا تنموية ولا وطنية؟.

 

لا وصل إيداع ولو عند تجديد الجمعية أو على الأقل تأخيره لأشهر وسنوات أكثر من اللازم مما يضر بمصالح الجمعية ويفوت عليها الكثير من أنشطتها وفعالياتها؟، رفض تقديم المنح المشروعة وعقد الشراكات المتاحة ودون إعطاء أي مبرر لذلك؟، تحويل الإشعار في الأنشطة إلى ترخيص ورفض منح هذا الترخيص مما يهدر جهود وأنشطة الجمعية الكبرى، رفض الترخيص باستعمال بعض القاعات العمومية التي تمنح للآخرين ولا تمنح لك بمراوغات غير قانونية مكشوفة؟، من هنا يطرح السؤال: هل جاء دور التضحية بالفاعل المدني بعدما ضحي بالفاعل السياسي والنقابي أو يكاد، فأصبح وجوده أو عدمه عمليا عند بعض السلطات سواء، والضحية ما نراه اليوم من شيوع التفاهة والسخافة ومن تراجع الوساطة المقنعة والتأطير المجتمعي المجدي إلى مستويات ضعيفة متردية وغير مسبوقة؟. ولا مخرج من كل هذا إلا بالترافع الجماعي من أجل احترام الحقوق الدستورية للمجتمع المدني وإعمال الحكامة الجيدة والمقاربة التشاركية بمضامين وأشكال حقيقية لا صورية لا تغني مع همومنا شيئا، مع تأسيس الفضاءات الدستورية الوطنية للحوار العمومي الذي ولا شك سيقرب بين العقليات والنفسيات ويتيح الاطلاع بوضوح على كل الرؤى والبرامج ووجهات النظر قصد النقد والتداول والاصطفاء والمقاربة المجالية التشاركية التضامنية، وتبقى مصلحة الوطن فوق الجميع وجهود التنمية تستوعب الجميع، فهل نستوعب بعضنا البعض؟.

الحبيب عكي

 


اقرء المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المشاركات الشائعة