
في الحاجة إلى سوسيولوجيا رمضان.

بمناسبة شهر رمضان
الأبرك، وبحكم ما أصبح يشيع فيه كالعادة من ظواهر اجتماعية إيجابية تجعل منه شهرا
مميزا في كل شيء، وأيضا وعلى غير العادة، من ظواهر سلبية قد تغطي فضل الظواهر
الطيبة أو تكاد. وأيضا وبحكم اهتمامات بحثية ودراسية، قلت لماذا لا أبحث في ما
قالته وتقوله السوسيولوجيا الرمضانية وأنتروبولوجيو الدين في هذه الإشكالات القيمية
والاجتماعية التي أصبحت اليوم مزمنة ومستفحلة، وتتكرر في كل موسم وكأن الحياة تسير
سيرها العادي في رمضان كما في غيره، وأصبح من الصعب أحيانا الإحساس ببركة رمضان وظلاله
وعظمته ونور الرحمة وهدي المغفرة كما جاء في الحديث: " أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر
مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله
تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه
فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة،
وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه
وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء...، وهو شهر
أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار،... فاستكثروا فيه من أربع خصال:
خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون
بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما:
فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار " رواه ابن خزيمة.
لكن مع الأسف، لم أجد شيئا اسمه
السوسيولوجيا الرمضانية، مع العلم أن السوسيولوجيا موضوعها ومبرر وجودها هو دراسة
الظواهر الاجتماعية ودراسة المجتمع روابطه وتحولاته، متماسكاته ومفرقاته..، وكل
هذا يزخر به رمضان، فكيف ندعي دراسة المجتمع دون دراسة ظواهره ومواسمه المتميزة
وأثرها على المجتمع، تاريخها وأحداثها البارزة، الأصلي منها والمستحدث، المقبول
منها والمنحرف المرفوض وفق المعايير والقيم والمرجعية، وكأن السوسيولوجيا ورغم
تجوالها عندنا حرة طليقة وتدخلها في كل شيء بالطول والعرض، في الجامعات والجماعات
والجمعيات والمؤسسات..، إلا أنها لا زالت وفية لأصولها الغربية الحداثية المعادية في
الغالب لكل ما هو ديني، في عمى عدم التمييز بين الدين الإسلامي وما كان سائدا من الانحرافات
الكنيسية وبين الشرق والغرب، ناسية حتى جهود رواد الفكر الاجتماعي من المسلمين
وعلى رأسهم "عبد الرحمان بن خلدون" و"البيروني"
و"الشيباني" واجتهاداتهم في طبائع البدو والحضر والعصبية والقوة وأطوار
الدولة واستقلالية المؤسسات وتنظيم العلاقات الوطنية والدولية وكلها اجتهادات في العمران
البشري والمبني على معالم الثقافة الإسلامية وقيم العدل والشمولية والاستقلالية وكون
كل مألات الأمور بالعبرة.
ورغم أن هناك تخصصات سوسيولوجية تدرس
في العديد من الدول العربية كأنتروبولوجيا الدين وعلم الاجتماع السياسي والاقتصادي
والاجتماعي..، إلا أن السؤال يبقى :"أي دين وأي سياسة وأي اجتماع سندرس في
هذه التخصصات إذا لم ندرس فيها عبادتها المميزة وركنها الأعظم الذي هو رمضان؟،
رمضان بين العادة والعبادة، رمضان بين الرابط الفردي والرابط البنيوي المؤسسي والسلطوي
الجماعي والرابط الثقافي المتعدد والمرتبط بالمجال، بين التدبير المطلوب (بركة
الرزق) والتبذير الموجود(هلاك الاستهلاك)، وغيرها كثير مما ظل مزمنا بأشكال وأحجام
مختلفة في مجتمعنا، رغم الهائل من ارثنا الإسلامي الرمضاني الزاخر، والأحكام
الفقهية على المذاهب الأربعة والكتب الستة، والخطب المنبرية والمواعظ الفضائية
والحكم والأمثال الشعبية..، مما يدل على أن قضايانا الرمضانية بالتأكيد ربما لم
نفهمها على حقيقتها، أو لم نتمكن من معالجتها بطرق شمولية دائمة وفعالة، ولكن إلى
متى؟.
بالكاد وجدت أحد الأساتذة (عز الدين عيساوي) يتحدث في أحد أشرطته على نفس الموضوع "سوسيولوجيا رمضان" ويطرح نفس الأسئلة المطروحة هنا ضاربا على ذلك أمثلة حية عن فائدة وعائد السوسيولوجيا على رمضان وقضاياه الشائكة والتي ظلت على الدوام تخرجه في جزء منه عن أهدافه الروحية ومقاصده التعبدية وتضامناته الاجتماعية، ومن ذلك وإن ذهب جله في الاتجاه المادي لرمضان وللسوسيولوجيا: ضروؤة الأبحاث الميدانية الأمبريقية الكمية والكيفية في مختلف الظواهر الرمضانية خاصة تلك المخلة بأهدافه ومقاصده، كرمضان و"الترمضينة" مثلا، رمضان بين الأحياء الشعبية الفقيرة والأحياء البورجوازية الغنية، رمضان وفوبيا التسوق وحمى الاستهلاك والتهاب الأسعار، رمضان والسهر الجماعي، عنف التلفاز في رمضان، رمضان والعودة إلى القرآن والمساجد، رمضان والنظام السياسي/ أو"القفة" بين العمل الاجتماعي والاستقطاب السياسي ومدى قدرة ذلك على حل معضلة الفقر والهشاشة والعدالة الاجتماعية، سرعة التغيير السلبي والنكوصي بعد رمضان، كيف ولمادا...؟.
وفوق هذا، أرى أن الإشكالات المرتبطة
برمضان ستبقى أعقد من هذا، وفعلا سيكون للسوسيولوجيا دور مساعد وفاعل في معالجتها
إذا خلصت النوايا وقويت الإرادات وتحققت المعرفة، بدء من الوعي بها خارج الحس
المشترك والأحكام المسبقة ورد ما لا يرد إلى رمضان، مرورا بالأبحاث الإمبريقية والعينات
الممثلة للحقائق والاشكاليات، مرورا بجمع البيانات والقيام بالتحليلات العلمية والموضوعية،
إلى جعل النتائج بين أيدي الناس من أجل الوعي غير الزائف، وبين أيدي صناع القرار
والسياسات العمومية، ومنها الإصلاح والخطاب الديني الذي يمكن أن تساعده على أن
يكون بالكيفية المناسبة وفي الاتجاه المطلوب بطبيعة الحال. إشكالات قد تكون هي من
وراء كل مظاهر الاختلالات وهي من ينبغي أن تعالج لا مجرد أعراضها ومن ذلك:
1-
رمضان
بين المعتقد (الدين) والممارسة (التدين): بين العبادة الفقهية
والعادة الثقافية، بين الإيمان والفهم والعمل ونوعيته وكيف يؤثر أحدهما على الآخر
في دينامية رمضانية تتغير حسب الأفراد والمدارس والزمان والمكان وليس المعتقد
وحده.
2-
رمضان
ومدى عودة الدفء للعلاقات الأسرية: باعتبار الأسرة هي الخلية
الأولى للدفىء والاستقرار، للمعايير والقيم والأخلاق والخدمات والتضامنات..، ولكنها
اليوم أصبحت معقدة وتواجه تحولات وتحديات فوق طاقتها بدء من عوائق التأسيس إلى
مشاكل الاستقرار فأخطار الفردانية والتفكك ووضع الهوية والقيم..، وهي تتأرجح اليوم
بين أسرة نووية وممتدة، أفرادها من كل الأجيال والوضعيات الاجتماعية بين بطالة
الخريجين وعنوسة البالغين..، قدرتها الشرائية مهددة بالفقر والهشاشة، فضاؤها ضيق
اسمنتي يمس بصحتها النفسية، لا زالت الثورة التكنولوجية كل يوم تحكم فيها
سيطرتها..، وكل هذا فوق طاقة المائدة الرمضانية "الموحدة" ويؤثر على
تدين الأسرة وتدين المجتمع ما لم تكن لدينا اتجاهه مقاربة علمية اجتماعية علاجية
إصلاحية تنموية شمولية.
3-
رمضان
بين التدبير المطلوب والتبذير الموجود: تدبير كل شيء من
الزمن الليلي المهدور في كثير من سفاسف التلفاز ومغريات الملاهي و يا حسرة باسم
"برامج وأنشطة وعروض رمضان"، والزمن النهاري المهدور عند البعض في
الفتور والكسل والعطالة بدل الانتاج، والعلاقات الأسرية وما تحتاجه من تبادل
الخدمات وتعزيز التماسك والروابط الاجتماعية، إلى الإفراط في العادات الاستهلاكية رغم
التهاب الأسعار والضرر بالقدرة الشرائية والممارسات الصحية..، إلى كل ما يتصرف فيه
الناس بعكس مقاصد الصوم كما جاء في الحديث: "الصيام
جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا
يصخب، فإن سابه أحد أو قاته فليقل إني امرىء صائم " رواه الشيخان.
4-
حقيقة
الفضاء العام بين الحرية الشخصية والالتزام الجماعي: بمعنى هل الفضاء
العام كما يقول البعض خاص بالقوانين الوضعية والحريات الشخصية والتدخلات السياسية
التي تفرضها، حتى تجرأ البعض على المناداة بحق الإفطار العلني؟، في حين أن الفضاء
الخاص هو من يسمح فيه بتدين الأشخاص ووفق معتقدهم وحريتهم أيضا؟، أم أن الفضاء
الخاص والعام على السواء كليهما محضن للتدين الفردي والجماعي والوحدة والتضامن بدل
التفاوت الطبقي الشارخ والصراع الإيديولوجي البغيض، ومن هنا نرى اليوم في رمضان
امتلاء المساجد والساحات بالصيام والقيام وليست من الفضاء الخاص، وامتلاء الملاعب
والأسواق بشتى البضائع والناس يحرصون على اقتنائها بالقيم والمبادئ والتي لها
أصلها في الدين كما في معنى الأحاديث: "من غش
فليس منا.. ورحم الله امرء سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى،.. والمؤمن لين هين إلف
مألوف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف"، وهذا مما يفيد أن على المسلم
ومن كمال إخلاصه وتقواه التزام آداب الصيام في الفضاء العام كما في الفضاء الخاص؟.
5-
تجديد
الهوية الوطنية الجامعة في ظل الهجمة الشرية للعولمة: هوية وطنية أصيلة إسلامية
حضارية تتجدد وتتعزز في كل رمضان وبكثير من الخصوصيات الفريدة الثرية والمؤثرة خاصة
في ظل الهجمة الشرسة للعولمة التي تتنكر لها باستلابها وتحاول تجاوزها باستبدالها بقيمها
المادية المعولمة بقوة التكنولوجيا والضغوط على الأنظمة والشركات العملاقة العابرة
للقرات وطابعها الانفراد القيمي والثقافي بالقوة بدل التبادل في إطار من التعدد
والاعتراف المتبادل، هوية وطنية تتجلى أكثر في ما يعرفه رمضان من العودة العارمة
إلى الأطباق الشعبية واللباس التقليدي وصلة الأرحام والتضامن الاجتماعي الشعبي والرسمي،
وهذا جيد، ولكن، هل هذا وحده يكفي في غياب جوانب أخرى مهمة ومؤسسة وعلى رأسها
القيم والأخلاق في الحياة اليومية والعدالة المجالية والتنمية المستدامة في
السياسات؟.
إن سوسيولوجيا رمضان وباعتبارها اهتمام نظري معرفي عقلاني يهتم بالمجتمع
وظواهره الاجتماعية وغيرها، وبحث ميداني واقعي منهجي وصفي مقارن تاريخي نقدي في متماسكاته
الوظيفية واختلالاته الاجتماعية واهتماماته الميكرو والماكرو اجتماعية، مستحضرين
أطاريح الرواد "دوركايم" الوظيفي وقهرية الظاهرة الاجتماعية عنده وأهمية
الدين في التماسك والتضامن الاجتماعي، و "ماكس فيبر" التأويلي وفعله
الاجتماعي والفاعل الذي يختار من تناقضات المجتمع ما يناسبه وفق النموذج المثالي، وباعتبار
الدين (المسيحي) الذي ساهم في بروز الاقتصاد الرأسمالي وحيوية عماله المؤمنين، إلى
"بارسونز" الأمريكي وكيف تحدث عن التكيف الاجتماعي من أجل التوازن والتكامل
وتحقيق الأهداف، عكس ما تحدث به "غوفمان" من الوصم الاجتماعي الجسدي/عاهة
والشخصي/سلوك والانتمائي/جماعة أو طائفة أو قبيلة، وكله احتقار واقصاء تهميش واستسلام
يسود في المجتمع رغم أفاته. ولا يمكن أن يعمل علم الاجتماع إلى جانب العلوم
الإنسانية الأخرى وفي شكل تكامل معرفي خاصة بينه وبين علم النفس المعرفي والسلوكي
والاجتماعي والإصلاح القيمي والاقتصاد السياسي..، إلا على معرفة الواقع على حقيقته
وبعمق والمساعدة على بناء القرار السياسي والاقتصادي الإصلاحي والخطاب الديني بشكل
أفضل يخدم الأمن الروحي و الاستقرار المجتمعي والتنمية المستدامة بشكل إجرائي علمي
وعملي أفضل.
الحبيب عكي




