
الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان
لا تزال سهام الكيد
وقذائف العدوان تتوجه بكل الأشكال والألوان وعلى الدوام إلى قلاع الأسرة الصامدة عبر
التاريخ وفي كل الديانات والحضارات، فانضافت إلى عوادي الزمان وتحولات الفضاء ووحشة
المكان وقد قوست ظهر الإنسان، انضافت إليها تصيب من حصونها المتينة وتهدم من بنيتها
السليمة وتأخذ من مواثيقها الغليظة ووظائفها التليدة، حتى غدا فيها التفكك عنوان
التماسك أو يكاد، وغدت فيها الهوية هويات سائلة ومتطاحنة، كما غدا فيها التقاطع
والتدابر والفردانية عنوان المحبة والمودة والتواصل والتعاون. ترى، ما تأثير ذلك
على الأسرة بل على الفرد والمجتمع والتوجه الإنساني العام؟، وماذا يحمل رمضان لكل
هذا من فرص الغرق أو سبل الانفكاك وقوارب النجاة؟.
أصبحنا اليوم من الغرابة
نرى أسرا مسلمة، يتساكن أبناؤها (العزاب والعازبات وغيرهم) وهي لم تتأسس أصلا؟،
وكم منها لم يتأسس حتى داهمته جائحة الفراق والطلاق وتشتت الأبناء وعرضتهم إلى
المجهول؟، وكم منها لم يتطلق ولكنه مبلل إن لم يكن غارقا في أتون الهجران العاطفي
القارس وفي عقر بيت دافئ يسمى الأسرة وبيت الزوجية؟، كم من هذه البيوت يبتعد عن
القرابة الدموية الحميمة بقدر ما يقترب من القرابة البديلة، ولكن، لا قرابة يبقي
ولا صداقة يجد؟، الانشغال والإهمال.. الهواتف والصمت.. العنف والطلاق.. العولمة
والافتراضي.. البخل وفقر المشاعر.. كلها من مظاهر تفكك الروابط الاجتماعية وطلاق
السماحة والفضائل وهي اسمنت العيش المشترك العادل والكريم.
لكل هؤلاء، ها هو رمضان
قد أقبل ورمضان فرصة، فرصة لتخلية العبادة من الرذيلة والأدران، وتحلية العادة
والمعاملة بالفضيلة والإحسان، ومن العبادة والعادة والفضيلة والإحسان، ما يتيحه رمضان
من تخصيص وقت وافر وغير معهود للعناية بالأهل والأبناء، يقضي معهم رب الأسرة نهارا
من الصيام ويمضي معهم ليلا من القيام، ويمكث معهم إلى موائد الإفطار والعلم
والقرآن، وتكون له القدرة على التقوى وضبط النفس احتسابا بألا يسيئ إلى أي أحد
منهم من الصغار أو الكبار، أو يبخل على أن يدخل ما يمكنه من الفرح والاهتمام على
الجميع، هذا على الدائرة الداخلية التي هي الأسرة والتي غالبا ما يكون التجاوب مع
ولي الأمر من هذا القبيل منقطع النظير، وكأن مثل هذا الأب المسكين قد سرقته مشاغل
الدنيا وضغوطاتها والمقاهي ومباهاتها من أبنائه فأعاده إليهم رمضان فعمهم الفرح
والترحاب.
وعلى مستوى التضامن
الخارجي، يمكن للمرء أن ينخرط وكيفما تيسر له في بعض الأعمال الاجتماعية لأهل الحي
وما ينظمونه من بعض الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية وتفقد الحالات الاجتماعية
بما تيسر من الوصل والمساعدات، كما عليه أن يحيي ما نبذه من ترك الزيارات وصلة
الأرحام مع قرابته الدموية وقرابته البديلة في الوسط المهني والترفيهي وغيره، أو
جعلها رقمية افتراضية باردة في أحسن الأحوال، ومن يدري، ربما تحمس وقوي إيمانه
واستيقظ ضميره أكثر، فافتكر أحوال الأمة في فلسطين والسودان وتضامن معهم كما ينبغي
وبسخاء. إنه رمضان شهر التماسك والتضامن والعمل الجماعي والمجتمعي بالموازاة مع
العمل الفردي والأسري، المؤمنون فيه رغم البعد والمسافات بنيان مرصوص كأفراد
الأسرة الواحدة، كأعضاء الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء
بالسهر والحمى.
لكن دون ذلك أمران أو
ثلاثة أولهما: معرفة الأسرة ووظائفها التربوية (قيم ومعايير) والاقتصادية (صرف
وتضحية) والاجتماعية (رعاية) والأمنية (انتماء واستقرار) والعاطفية (حب ومودة)
والنفسية (دعم نفسي) والبيولوجية (غذاء وتوالد) والتي لم يكد يبقى من وظائف الأسرة
إلا هي، بل حتى هي أحيانا تلبى خارجها و"كيفما اتفق" والعياذ بالله؟. والأمر
الثاني: هو معرفة مدرسة رمضان على حقيقتها في عقيدة المسلمين وحياتهم، وخاصة ما
يتطلبه من تكوين ومدارسة وتنظيم وحكامة، لا كما يشوش عليه في سفاسف الإعلام وشبهات
المغرضين، مما يجعل هذا الشهر الكريم قد يأتي على البعض ويمضي ولا يكاد يغير من
أحواله نحو الايجاب شيئا، إن لم يكن قد زاد من توتراته وتعقيداته المادية والنفسية
وكأن لا كسب له فيه إلا الجوع والعطش؟. والأمر الثالث وهو الأول في الحقيقة: وهو الإخلاص
والتوفيق من الله والموفق من وفقه الله تعالى.
الحبيب عكي







