
إن حجم المشاهد
التراجيدية التي صدمتنا خلال الزحف البحري الجماعي لآلاف المغاربة والمغربيات نحو
سبتة المحتلة، بوابة لهم نحو إسبانيا الأندلس الفردوس المفقود، ومعبرا لهم نحو
أوروبا الاتحادية الحلم الموعود، هجرة جماعية غير نظامية بالآلاف المؤلفة (50 ألف)
من كل الأجناس الذكور منهم والإناث، وكل الأعمار حتى الأطفال والشيوخ، وكل الفئات
التلاميذ والطلبة، المعطلين والعاملينن، بل وحتى العرسان وذوي الاحتياجات، أسر
بأكملها ومؤسسات بأطقمها وشركات تركها عمالها من مدن وقرى الشمال كما الجنوب وجنوب
الجنوب، مما يطرح السؤال على مصراعيه: لماذا وكيف حدث هذا الذي حدث؟، ولماذا في
هذا التوقيت الوطني الرمزي والمميز عند الجميع، عيد العرش الذي يعتبر المساس به أو
الإساءة إليه مساس وإساءة ولا شك إلى الهوية والسيادة والاجتماع الوطني. وقد نحتلف في إجاباتنا عن سؤال الحدث اختلافات
ونذهب في تحليل مظاهره أسبابه وعواقبه مذاهب وسياقات، حيثيات حقائق وتأويلات ، لكن
الذي لا يختلف فيه اثنان هو أن الموضوع بكل تأكيد تجل من تجليات الشرخ أو الشروخ
التي أصابت التربية عندنا في مقتل أو تكاد؟. ترى ما هي هذه الشروخ؟، ما أسبابها وأخطارها
وما سبل علاجها؟، على اعتبار كما رأينا أنها لا تبقي ولا تذر أي شيء في أي شيء؟.
والتربية هنا بمعناها
الشمولي التكاملي، تربية عقائدية وثقافية، سياسية واقتصادية، وطنية اجتماعية،
قطرية وكونية..، تربية أصيلة ومنفتحة تكون هي أساس وأس كل شيء وعليها يبنى كل شيء
كما يقال. هذه التربية قد أصابتها شروخ في
مرجعياتها وبنياتها الأسرية والمدرسية، المسجدية الجامعية والجمعوية..، فأصبحت
الأوطان غير الأوطان والأجيال غير الأجيال والبنيات والروابط غير البنيات
والروابط..، وإلا فكيف نفسر كل تلك المشاهد المأساوية التي فقأت أعين الجميع خلال
الحدث المؤلم؟، سواء ما تعلق منها ببلد الطرد والارسال أو ما تعلق منها ببلد الجذب
والاستقبال، هل تواعد الناس للهجرة الجماعية غير النظامية من مجرد المواقع
الافتراضية فهبوا هبة واحدة ونزلوا نزولا واحدا يجسدون همهماتها في مراتع الواقع؟، كيف لهذه الهمهمات أن قادت الألوف
المؤلفة من المهاجرين غير النظاميين إلى مصير مجهول يعتقدون في أحلامه بقوة؟،
وسرعان ما صدمهم جحيم أخطاره مباشرة بعد العبور، حيث لا ماء ولا طعام، لا إقامة
ولا مأوى، بل بالعكس تعرض المهاجرون الناجون كما فضحت ذلك وسائل التواصل الاجتماعي
لأقصى درجات العزلة والمهانة، والمطارة
العشوائية والمعاملة العنصرية ..، سجلت خلالها حالات قتل .. وحالات اغتصاب..
وحالات تجويع.. وحالات.. وحالات..؟.
ويبقى السؤال التربوي
في الموضوع انشطاريا كل شهاب منه حارق: "كيف اقتنع الطفل القاصر "الحارك"
على أن مستقبله في "الحريك" إلى سبتة لا في مقاعد الدراسة التي ترك فيها
الجمل بما حمل؟، وكيف اقتنع أن هذا المستقبل ممكن بالفعل ووردي وهو لم يدرس له أي
مستوى ولم يتعلم له أية حرفة لا من صنعة الأب ولا من ورشات التكوين المهني أو حتى
مآرب الأقارب والأصدقاء في الحي"؟. "كيف تتجرأ المرأة على تأنيث الهجرة
غير النظامية فتترك زوجها وأبنائها لتلتحق بحقول المعذبات في الأرض ترعى
"الفراولة" وتجنيها بدل أن ترعى أسرتها من التفكك وزواجها من الصورية والحل
والانحلال"؟. "كيف بالعاملين في قطاع عام أو شركة خاصة يتركون وظائفهم
وأعمالهم أملا في العثور على وظائف وأعمال إسبانية وأوروبية مماثلة أو أقل منها
ومعروفة سلفا كالندالة في المقاهي والملاهي والنظافة في الشوارع والمطارح ورعاية
المسنين في منازلهم ودور العجزة"؟. كيف لكل هؤلاء المهاجرين غير النظاميين أن
فقدوا الثقة في وطنهم وعدم قدرته على إدماجهم - إن صح التعبير -، وأملوا في
الاستثمار في أي شيء في إسبانيا التي كانت هي ذاتها وطوال تاريخها مجرد نقطة عبور
إلى أوروبا التي كانت ترسل إليها هي نفسها بجاليات وجاليات، بل هي اليوم تستثمر في
المغرب - الذي فقد فيه أبناؤه ثقتهم -، وإسبانيا لها فيه أزيد من 1000 شركة في
مجال البناء والبحرية والخدمات والصناعات وعلى رأسها شركاتها الرئوية في ميناء
طنجة المتوسطي؟.
إنها الشروخات الكبرى
التي أصابت اليوم التربية في مقتل أو تكاد، وإذا أردنا تجاوز التشخيص إلى المساهمة
في مقترحات العلاج، فرغم أن هناك بعض الخصوصيات حسب المجالات التربوية العقائدية
منها والسياسية، الاقتصادية منها والاجتماعية، الثقافية منها والفنية والرقمية..،
وأيضا حسب المؤسسات الأسرية منها والمدرسية، الجامعية منها والجمعوية والحزبية
والنقابية.. ، فإن لها قواسم مشتركة مهما اختلفت أنواع التربية والمؤسسات ويمكن
إجمالها في أخطر ثلاثة وهي:
1- لغة التواصل التي فقدت المعنى والمبنى:
وكأنه لا أحد اليوم
يفهم أو يدرك ويستوعب ما يقوله الآخر، أو يشير إليه أو تجسده أحواله وقد قالوا:
" لسان الحال أبلغ من المقال"؟. فإدا قال مواطن مثلا: أنا محتاج.. أنا
مظلوم.. أريد حقي.. إني أعاني.. أريد العمل..، كان كل ذلك عند الآخر وكأنه مجرد
لغو كاذب أو"الطنز العكري"، لا يفهمه ولا يدركه إن لم يستوعبه ربما
بالمقلوب، فكيف سيتفهمه ويتخذ بشأنه اللازم والمناسب من المواقف في حينها بالكم
وبالكيف المطلوب؟. "منذ كم والمهتمون يقولون إن هناك خللا تربويا خطيرا ينبغي
أن يعالج، إن الأطفال في مدن الشمال المجاورة لمعابر "سبتة" و"مليلية"،
يتركون المدارس ليتسوقوا داخل هذه المدن التجارية المحتلة، ويعتبرون ذلك نباهة مبكرة
منهم توفر للصغار من المصروف ما لا يتوفر عليه الكبار؟، لم نعالج الأمر، ومرت
السنين، وها هم اليوم جموع الأطفال يحذون حذوهم، وعند ملاجىء إسبانيا وإيطاليا
للقاصرين الاحصاء اليقين"؟. هل كان هذا الهجر/الهدر بسبب المسألة المادية
فقط؟، لا بل أصل الاشكال أيضا من اللغة، أقصد اللغة الأسرية والمدرسية الممزقة
والمرقعة برقع تكشف العورة أكثر مما تسترها: لغة الأم + الدارجة + العربية +
الفرنسية + الإنجليزية.. حسب المراحل والمؤسسات، مما يجعل التواصل في هده المؤسسات
في الحقيقة منعدما، وإذا غاب التواصل غاب الفهم والادراك وغاب التفكير و النقاش والاقناع..
ومن تمة القيم والمعايير، فلا يسألن أحد بعدها من نحن؟، ولا بأية قيم وطنية نعيش؟.
2- شرخ الهوية والقيم والأخذ دون العطاء:
القيم في الأسرة تغيرت وفي المدرسة أكثر، إن القيمة في أسرة اليوم لم تعد
كما كانت في السابق: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا
قدرا " بل :" من يكون حتى يقول لي.. راسي وما يقوليش"؟، ومدرسة
اليوم أيضا لم تعد قيمتها كما كانت سابقا
:"من زرع حصد" أو "احترم تحترم" بل " من نقل انتقل"
و"اللي دوى يرعف"، فأصبح النجاح ليس في الدراسة والاجتهاد بل في القوة
و"الفلوس"، والفلوس عند "الفلوس" راها في الخارج والمواقع
ماشي عندنا في الواقع؟. وهكذا فقدت المدرسة قيمها وهيبتها ورمزيتها فأصبحت مجرد
محطة للشواهد الكاسدة والمعطلين المتوترين ينتظرون وينتظرون وجلهم يريدون الآخذ
على الدوام دون العطاء، فأي معنى عندهم للتربية المبادرة والمواطنة؟، ومع الأسف،
بدل أن تخرج قيم المدرسة إلى الواقع والشارع تهذبهما وتؤطرهما، دخلت قيم هذه
الفضاءات المتوحشة بعنفها وتفاهتها إلى المدرسة دون استئذان، شعارها البراق أن
اللاعب الفلاني يربح أكثر من مائة أستاذ، وبعضهم أرهقته الساعات الإضافية وبعضهم
هدت كتفه صناديق "السردين" التي يوزعها باكرا على الباعة المتجولين كل
يوم سوق قبل أن يلتحق بالمؤسسة؟، بل إن التلميذة "اليوتوبرة" الفلانية
لها ملايين المتابعين وتربح الملايين من مجرد هاتفها الذكي و"روتينها
اليومي"، والمدرسة لا زالت تحرم عليها كل شيء؟. ليبقى السؤال هو: إلى أي حد
تعتبر الأسرة أو هذه المدرسة هي من خلقت كل هذه المشاكل والانحرافات والاحتياجات الاجتماعية
حتى تعتبر مسؤولة عن حلها بدل جهاتها المؤكدة وأصحابها الحقيقيين من حكومات
وسياساتها ومنظمات؟.
3- شرخ انعدام الغاية وموت النموذج والمشروع:
إن الأسرة فقدت قدرة
الجواب على الأسئلة التربوية الحارقة: "كيف نربي أولادنا وعلى ماذا"؟،
"لماذا أدخل ابني مدرسة خصوصية بالمقابل في وجود مدرسة عمومية
بالمجان"؟، و"لماذا وفي وجود المدرستين أدفع إيتاوات الساعات الإضافية
وأحرص على ذلك وأستمر فيه وأنا غير مقتنعة"؟، وكذلك المدرسة فقدت قدرة الجواب
على السؤال الأخطر والأعمق والمؤسس لكل شيء وهو : "لماذا ندرس، وأي تلميذ
نريد، ولأي وطن"؟، بالأمس كان التلميذ يدرس للترقي الاجتماعي، لاكتساب القيم
الوطنية ومعايير الاندماج، أو كما يقول "بورديو": "لإعادة إنتاج
الرساميل الثقافية والاجتماعية والرمزية للمجتمع" الذي يوصمه بأنه إنسان
دارس، مثقف حضري يتمتع بأساليب التفكير والتفكير النقدي؟. واليوم، وكأن المدرسة
أصبجت مضيعة للوقت والحياة تدار خارجها، وبالتالي، إذا غابت الغاية والقصد من
الدراسة غاب الاجتهاد وخيم ما خيم اليوم مع الأسف: مؤسسة غير معيارية ناقصة
الفضاءات والمؤطرين ضعيفة البرامج والأنشطة..، تلميذ مدمن غش وعنف وموضة و"السوايع"
والهدر المدرسي رغم كل "الدوباجات"..، أستاذ محبط، بلا مشروع، دائم
الاحتجاج على ظروف العمل وغيرها، لا فرصة أمامه إلا لتلقي كل شيء صالح وطالح..، من
منهم طلب بيداغوجية "الريادة" أو يستطيع الانفكاك منها أو حتى الخوض في
تقييمها..، وقبلها الأهداف والكفايات والإدماج..؟، وهكذا أصبحت التربية كاسدة،
مدارس عمومية تغلق أبوابها المفتوحة لأنها بلا تلاميذ أو بلا أساتذة أو بجانبها
مدارس خصوصية تفتح حتى إذا وجدت لها من الأساتذة بقدر التلاميذ، أوصدت بدورها أبوابها
للمفتوح الجديد من مدراس الشوارع ومدارس المواقع ومدارس الهجرة..، لا تنقصها لا
حرية ولا تلاميذ أوأساتذة، الكل فيها نموذج حر قد يأخذ ولا يعطي أو على الأصح يأخذ
أكثر مما يعطي في طموحاته وأحلامه خارج الوطن فكيف بداخله؟.
الحبيب عكي