Top Ad

الاثنين، 15 مايو 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الفاعل المدني وسؤال مناخات وتضاريس الأعمال؟.

كثير هو العطاء المدني المبهر والمقنع في جل مجالاته وعلى مختلف أصعدته، ساعات من التطوع لا تعد ولا تحصى، تعبئة الموارد البشرية والمالية في الداخل والخارج، سياسة القرب الحقيقية مع مختلف الفئات الاجتماعية خاصة ما يكون منها في وضعيات هشاشة صعبة ومفككة، ملأ العديد من فراغات الدولة في مناطق الفقر والهشاشة والتفكك الاجتماعي، الترافع القوي على العديد من التشريعات والقضايا المجتمعية الوطنية والدولية. وطبعا، يمكن أن تتضاعف هذه الجهود المثمرة أضعاف مضاعفة لمصلحة الجميع، وتكون مردوديتها معيارية ومتنافسة كما في بعض الدول المتقدمة، حيث يمكن أن نجد فيها العديد من أحيائها نظيفة وحيوية، منظمة ومكتفية..، لا بشيء إلا بمجرد جهود المجتمع المدني ويقظته وحيويته.

 

ولكن مع الأسف، لا يزال مجتمعنا المدني في مجمل طيفه متواضع المردودية، إن لم يكن بعضه يعمل خارج قضايا الملفات المدنية الحقيقية، وبعضه في متاهات تمييع المناخ المدني وفيض ريعه المتسخ ولا يبالي، وبعضه.. وبعضه.. ولكل ذلك أسباب ومسببات ومنها... ومنها.. وبالتأكيد أيضا منها:

 

1-  منظومة العمل المدني الحالية، والتي يشتغل بها الفاعلون المدنيون في مؤسساتهم، هي متقادمة وغير مواكبة، وقد أصبحت اليوم مقيدة لا محررة، معسرة لا ميسرة، وأخطر ما فيها أنها خاضعة للتأويلات والانحيازات؟.

 

2-  حشر بعض السلطات أنفها في قانون الحريات العامة، بشكل مزاجي.. تسلطي.. شططي.. انحيازي.. غير قانوني ولا شفاف.. قد تصل صلافة بعضها إلى حد رفض تسلم ملفات بعض الجمعيات.. ورفض تسليم وصولات تأسيس أو تجديد بعضها.. وتحويل بعض الاشعارات في الأنشطة إلى تراخيص ضرورية وملزمة..  مع رفض منح بعضها دون مبررات.. وإن تعلق الأمر بمجرد الحق في استعمال القاعات والفضاءات العمومية؟.

 

3-  عدم استقلالية بعض الجمعيات، وسعي بعضها للتزلف للسلطة ذاتها، إن لم تكن هذه الأخيرة هي من انشأتها تحت الغطاء ولمهام خاصة، كجمعيات ضرار الوديان والسهول تولد وفي فمها ملاعق من ذهب.. وفي يدها كل مشاريع الدولة وجل شراكاتها، مشاريع التنمية البشرية ومحو الأمية ومحاربة الجفاف و"فرصة" و"أوراش" وغيرها كثير ومخوصص؟.

 

4-  سيادة عقلية التشرذم وضعف الالتقائية لدى جمعيات المجتمع المدني الجادة، نظرا لما سبق من المناخ المدني الموبوء ومن تضاريس العمل المنزلقة، والتي أصبح فيها الجميع يحتاط لنفسه وجمعيته، ويفضل الاصطفاف إلى جانب السلطة والمال، والانخراط في مشاريع التحكم والاستبداد، ولو على حساب الفعل المدني الحقيقي، الذي يقول لمن أحسن أحسنت ويساعده، ولمن أساء أسأت وينتقده، كائنا من كان؟.

 

   ولهذا، لا غرابة أن يعتقد بعض الأفراد جازمين وبعض الهيئات والمؤسسات الحازمة أن لا وجود لشيء اسمه المجتمع الأهلي ولا المجتمع المدني في العالم العربي ككل وتحسم في ذلك؟. لأن كل شيء لا يمكنه أن يتحرك إلا تحت عباءة السلطة وبعلمها وقبولها وترخيصها، وفي فضاءاتها والاتجاه الذي تريده ومن طرف من تريد وفي الجهات وبين الفئات التي تريد..؟. وهذا لن يجعل يوما المجتمع المدني يتحرك في إطار القانون والحرية والمسؤولية كما عند الآخرين، وببرامجه الخاصة وفق أهدافه ورؤاه التشاركية والاصلاحية؟. بل غاية القيد السلطوي المباشر وغير المباشر.. الواعي و غير الواعي، أن يفرخ هيئات مدنية سلطوية أخرى لا تنتج غير مزيد من عجز السلطة مثلها وبمزاجها، لن تكون فيه يوما بل دوما لا ديمقراطية الحقوق ولا تنمية الخدمات وعموميتها، فبالأحرى ما يتحرك المجتمع المدني الحقيقي من أجله والذي أسه وأساسه العدالة الاجتماعية والمجالية والانصاف التنموي والحقوقي في جميع المجالات؟.



       لا مجتمع مدني تنموي إصلاحي حقيقي، إلا بعلاج هذه المعضلة التي هي علاقة السلطة على مختلف مستوياتها بالمجتمع المدني على مختلف هيئاته، هذه العلاقة المتوترة التي طالما أفسدت تضاريس العمل المدني والسلطوي معا، وطالما أفسدت المناخ الحقوقي والديمقراطي العام في بلداننا المبتلاة فجعلتها متوجسة على الدوام؟. مع العلم، أن المجتمع المدني من جهته ليس لديه أي إشكال اسمه السلطة أو النظام أو حتى المعارضة فقط، فانطلاقا من المبادئ المدنية العالمية التي يؤمن بها وتؤطره، فالمجتمع المدني مجتمع متطوع.. حر منظم ومستقل.. سلمي خدماتي وترافعي.. لا يسعى إلى السلطة ولا أن يكون بديلا لأحد.. بل مجرد مساهم مع من كان من أجل جهود التنمية وخدمة الفئات الهشة والترافع عن قضايا الوطن والأمة، وميكانيكيا فهو ليس لا مع على طول ولا ضد على طول.. بل هو مجتمع يكون مع من أحسن ويقول له أحسنت ويدعمه.. و يكون ضد من أساء ويقول له أسأت وينبهه للعدول عن الخطأ والعودة إلى الصواب بشكل سلمي وعلمي مدني وحضاري، واليوم مع الدستور الجديد بشكل تشاركي في وضع السياسات العمومية وانجازها ومواكبتها إلى التشاور العمومي حولها وتقييمها وتطويرها؟.

 

   نعم، تخسر الدولة والمجتمع الكثير والكثير بهذا التعامل المتوجس والمقيد للمبادرات التطوعية بين بعض السلطات وبعض الجمعيات، ولا انفكاك منه إلا بحسن النوايا.. والثقة المتبادلة.. وإعمال المفهوم الجديد للسطلة.. سلطة القرب الميداني والإشراك العملي.. والتشاور العمومي.. والشراكة المعيارية.. دون وصاية احتكار المواطنة والمصلحة العامة من أي طرف، كذلك ضرورة تفعيل المكانة المرموقة التي أولاها الدستور الجديد للمجتمع المدني، حيث شدد على ضرورة التكامل بين الديمقراطية النيابية (التمثيلية) والديمقراطية التشاركية (المدنية) التي تقضي بشأنها الفصول 12..13..15.. من الدستور حق التشاور العمومي وتقديم العرائض والملتمسات والمذكرات.. ومسؤولية المشاركة في وضع السياسات العمومية وتنزيلها.. مراقبتها تقييمها وتطويرها كما أشرنا؟.

 

   لكن مع الأسف، يبدو أن العكس هو ما يحدث الآن حيث يتم إقبار توصيات الحوار الوطني مع المجتمع المدني بدل إخراجها إلى حيز الوجود وتفعيلها في الحياة المدنية والسياسية والتنموية للبلاد. والعكس هو ما يحدث، حينما يتم إقرار كل تجاوزات السلطة اتجاه الجمعيات، ولم نرى فيها يوما أي من شعارات الحكامة وتخليق المرفق العمومي والحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة..، ناهيك عن المفهوم الجديد للسلطة، مفهوم القرب والحوار والاشراك، والمقاربة الحقوقية والدستورية بكونيتها..؟. وأيضا، حين يظل الورش التشريعي المدني مجمدا رغم شعور الجميع بضرورة تحريكه وتحريره من قيوده؟. أستغرب وأخشى مع من يستغربون ويخشون أن المغرب قد يستغني عن جمعيات المجتمع المدني الجادة كما يستغني الآن عن بعض الأحزاب الوطنية الجادة؟. أو يريد مجرد مجتمع مدني للديكور والتأثيث والريع والتمييع؟. هيهات هيهات، فالمجتمع المدني وعي الأمة وضميرها لابد يوما سيزهر ربيعه، لكن، باللازم من الحرية وحق التنظيم والاستقلالية في إطار من المسؤولية والحكامة التي تتسم بدورها بسيادة القانون قبل كل شيء والمصلحة العامة فوق الجميع، وتلك معالم كبرى وجماعية وحدها الكفيلة بتسوية تضاريس الأعمال المدنية الوعرة وتحسين مناخاتها المضطربة وفك قيودها؟.


الحبيب عكي


اقرء المزيد

السبت، 6 مايو 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الفاعل المدني بين صناعة الأحداث والشهود عليها

         كثيرة هي الأحداث الجسام التي تتالى ليل نهار، وترخي بظلالها الكالحة أو حتى شغفها على حياة الناس، وكثيرة هي القنوات والاذاعات والمنصات والمواقع والتطبيقات التي تروج لكثير منها بالحق والباطل حتى تجعل منها قضايا رأي عام جارف وسلوك حاصف. وكثيرون ممن هب ودب يخوضون فيها بالجهل المطبق والظن السيء والاشاعة المغرضة والدعاية المضللة، في غياب وصمت وانعزال بعض الفئات المعنية والمؤهلة أكثر من غيرها من العلماء والخبراء والرؤساء والأساتذة والمدراء ممن يسمون أنفسهم مسؤولين وفاعلين مجتمعيين بمختلف أطيافهم وتخصصاتهم ومواقعهم الرسمية والمدنية.

 

         اليوم مثلا، هناك غلاء الأسعار والتهابها مقابل هشاشة الأسر وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن بسبب شيوع البطالة وتدني الأجور وتجميدها. هناك حرب الهوية والمرجعية والأصالة المغربية ترخي بظلالها على مدونة الأسرة والعلاقات بين الجنسين، الحريات الفردية والقانون الجنائي.. هناك تراخي في أداء بعض المؤسسات وتداخل الصلاحيات وتقاذف المسؤوليات ولا أحد يحسم في المتطلبات والانتظارات، هناك حرب أوكرانيا واسترزاق روسيا على كل فتن المنطقة.. هناك حرب الحريات تطال حتى الصحفيين والصحافيات.. وحرب التطبيع والعلاقات مع الكيان الصهيوني الغاصب.. حرب المحروقات التي لا تهدأ ولا تتراجع.. وحرب القيم والمأكولات.. وحرب التظاهرات والمحاكمات..، والأحزاب والنقابات والجمعيات وكأنها تتفرج على الأوضاع، لا أحد يفعل كثير شيء فبالأحرى أجداه، فأين الفاعل المدني من كل هذا وهو لا تكاد تسمع له اليوم همسا ولا ترى له ركزا، حتى على مستوى الحوارات في القنوات والتدوينات في الصفحات أو التغريدات الحارقة على المنصات والمراسلات الشائعة على التطبيقات؟.

 

       ومما يزيد الطين بلة، أن المواطنين الذين كانوا بالأمس لا يأبهون لشيء، أصبحوا اليوم يحتجون بمختلف الطرق، والذين كانوا يبدون بعض الجلد والمقاومة نفذ صبرهم وقد علا وجوههم سخط عارم على الأوضاع وغضب حانق على المسؤولين، ومما يزيد الطين بلة، أن الأزمة معقدة.. ممتدة.. مزمنة.. مستفحلة.. وليس بمقدور المواطن المتوجع المسكين، لا إدراكها على حقيقتها.. ولا تجاوزها بجهوده الفردية، ولا حلها عبر دواليبها السياسية المقررة ولا المدنية المترافعة، بل إن هذه الدواليب المسؤولة، في الوقت الذي يبدو فيه الكل يتفرج على الكل، فهي أيضا تتفرج ولا تحرك ساكنا، وكأن الأزمة المادية والقيمية اندلعت في جزر "شاكريكنبن"، ولا أحد يحزم في شيء غير المقاربة الأمنية الضيقة، والمعدة سلفا تحسبا لكل طارئ يتجرأ على حوار الشوارع وصراخها أو صواريخها؟.

 

            ولكن، قد يكون للسياسيين وأصحاب القرار ومن لف لفهم.. مبرراتهم وإكراهاتهم، إمكانياتهم وتعليماتهم، أوهامهم ومصالحهم.. التي تسجنهم في دواليب الصمت والعجز، وتصلبهم على متاهات التخبط والتضارب والفوضى والانتظار، لكن، هل ينبغي للفاعل المدني ان يحذو حذوهم وهو الذي جاء ليرشد جبنهم وغطرستهم، وهو الذي طالما اعتز بمنطلقاته المدنية النضالية ورسالته التطوعية التي تدفعه إلى فخر الشهود على العصر ومحاربة آفات التخلف في كل مصر، بكل عزم وحزم وحرية واستقلالية وقيم التطوع والتجرد والسلمية، دون خوف ولا طمع، ولا طموح إلى أية سلطة غير سلطة الكلمة الحرة الصادقة  والبيان لكل من يهمه الأمر، مسؤولين ومواطنين، نخب وعاملين، شركاء وفاعلين، لابد أن يتوضح لكل منهم دوره في حصول الأزمة وتعقدها ودوره المقدر في انفراجها، وبالأخص أهمية العمل التكاملي المنظوماتي وإحكام حلقاته في اتجاه حركة دورانية تنموية منتجة وسلسة. وهذه مهمة عظيمة ورسالة جليلة لن يقوم بها الفاعل المدني إلا بقدر ما توفرت فيه بعض الشروط اللازمة ومنها:

 

1-     اليقظة والمواكبة للشأن العام خاصة في إطار اهتمام المرء ومن زاوية تخصصه على الأقل.

2-     البحث والدراسة في ما يتصدى له من الأزمات المجتمعية وباعتبار رأي الخبراء والمؤهلين.

3-     عمل الفريق المبدع في مؤسسة مدنية وبناء على التفكير داخل المرجعية وخارج الصندوق.

4-     تملك مهارات الترافع الجماعي القوي لدى كل الجهات المعنية، الوطنية منها والدولية.

5-     تملك مهارات التواصل الفعال مع الرأي العام عبر المتاح من الفضاءات والقنوات والمنصات وكافة الوسائل والأشكال التعبيرية، والتي لا ينبغي أن يتجرد أي فاعل مدني من إحداها أو بعضها تقليدية كانت أو حداثية.

 

  ويبقى أن الميديا تخشى الفراغ، إذا لم يملأها الفاعلون المدنيون بمختلف أطيافهم بجديتهم ورساليتهم في مختلف اهتماماتهم السياسية والاقتصادية.. التربوية والاجتماعية.. الفنية والبيئية والتنموية..، ستملأتها "الشيخات" و"المؤثرات" بروتينها اليومي وصلافتها والقول الجريء والفاحش في ثقافة "القاع" وانحرافها وتفاهتها. أو ربما سننتظر قنوات الصرف الصحي وصفحات المكبوتات ومكبرات بعض الشيوخ والمقدمين.. وبعض القياد والباشوات.. وكل من لا يتكلم إلا بالأوامر والتعليمات - ومن حقهم - يوم لا يكون كل همهم أن يتحاشوا الظهور في الصورة المشروخة وتورطهم في مسؤوليتها.. بل ويقاوموا ويمنحوا ويقمعوا كل من يحاول أن يقول أنها صورة مشروخة وأنهم هم من كانوا ولا يزالون في أسها وأساسها، خاصة ضد كل من سولت له نفسه بعد ذلك النزول إلى الشارع فردا أو جماعة، حيا أو مدينة، أو مدن وطن أو أوطان بأكملها، مدعية أنها إنما نزلت إلى الشارع لتحتفي بالربيع الهادر وتصرخ من جديد: "سلمية سلمية.. لا حجرة لا جنوية".. "حرية كرامة.. عدالة اجتماعية"؟.

الحبيب عكي

            

اقرء المزيد

الأربعاء، 26 أبريل 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الفاعل المدني وسؤال تحفيز مناخات الإبداع

       كثيرة هي الأعمال التي تفسد الذوق وتسيء إلى القيم الفطرية والأصيلة للإنسان، ومع ذلك تملأ عليك الدنيا طولا وعرضا، وصباح مساء، تعرضها عليك منصات العرض السفيهة والتافهة، وأنت بفطرتك وذوقك السليم تأبى إلا أن ترفضها وتعرض عنها بقوة وتعيش بلاها وكفى، ولكن في الحقيقة، تبقي نفسك في عمقها مستوحشة حظها المباح مثلا في الفن والرياضة والرواية والمسرحية وغيرها من الطقوس التربوية والثقافية والاجتماعية السليمة التي تؤطر مناخات الشعوب الدافئة وإنتاجاتها التنموية الخصبة والحضارية الخالدة.

 

إن مجرد الرفض المطلق لبعض مظاهر الحياة بدون بدائل وإن كان صعبا وقاسيا وفي أعلى درجات البتر والمقاطعة فانه لا يحل الإشكال، ذلك أن النفس البشرية كما يقول الأستاذ محمد قطب -رحمة الله عليه - ذات تركيب معقد، قتارتها ذات أوتار حساسة متنوعة فنية ورياضية، جسدية وترفيهية..، لا يستوي عزفها الا بالتوازن اللازم بين أوتارها وإعطاء كل ذي حق حقه من الضبط، ولا يسير وينتج قطارها إلا بقدر هذا التوازن وإشباع كل الحاجيات الروحية والجسدية، الفكرية والنفسية للإنسان، وهذا هو دور كل فنون الحياة ومن الصعب أن يملأه غيرها أو أن يستعيض البعض عن بعضها إلا بقدر من التشوه والحرمان لابد سيدرك صاحبه نصيب وقدر من الجفاء والغلظة المنهي عنهما في قوله تعالى: "فبما رحمه من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" آل عمران/159.

 

 وفي نفس الوقت أن تشرب النفس كلما هب ودب مما يسمى بالفن، الغث والسمين وخردة الآخرين ورذائلهم الفاسدة التي غالبا ما تنمقها أجيالهم المتمردة ولوبياتهم المهيمنة بأسماء ومسميات ساحرة وخادعة، فان ذلك غالبا ما يفسد الذوق، وإن يفرغ فيه الوسع ففي اهتمامات الآخرين وقضايا خارج الملف يستحيل استنبات فسائلها الملوثة في أرض غير أرضها وذوق غير ذوقها، كما يستحيل إطفاء شظايا قنابلها الانشطارية المتفجرة في مختلف بقاع العالم وهي تصيب من الضحايا ما تصيب، فلا رافعة تنموية ولا تلاحم اجتماعي وأصل كل ذلك من احترام الخصوصية الثقافية البانية للأمة، هذه الخصوصية التي لن نوفيها حقها من الاعتبار إلا بالإبداع على مختلف أشكاله وأطيافه ومنها:

 

 1- استجلاء الصورة الصحيحة للأمور، كيف ينبغي أن تكون انطلاقا من الأفكار العقائدية والتجارب التراثية والحضارية بشكل عام.  

2- غربلة الموجود من التجارب حسب المجالات المقبول منها والمرفوض، الأصيل منها والدخيل الذي ليس إطلاقا من ثقافتنا ويضر بنا.

3- إعطاء البدائل في مختلف المجالات مع اعتبار الزمان والمكان وكل ما يأخذ هموم العصر ومستجداته وتحدياته الجمة بعين الاعتبار. 

4- تحفيز المناخات الإبداعية على مستوى مشاريع الأفراد والمبادرات وكذا مخططات وبرامج المؤسسات والهيئات والقطاعات في مختلف المجالات. 

5- مواكبة التجارب المعتبرة بالإنجاز والتعميم والتطوير والتجديد والنشر  والتراكم .

6- خوض التجارب المحكمة على خطورتها وتكلفتها وعدم الخوف والتردد من الفشل.

7- محاربة السلبية واليأس والانتظارية.

8- عمل الفريق المجتهد والمستمتع بالعمل.

9- وضع المنتوج الجماعي تحت المحك، والرقي به نحو المعيارية.

10- القراءة الدائمة المدعمة لمهارات التفكير والاستنباط والتحليل والتركيب والتخطيط والبرمجة والبحث العلمي الاجتماعي في الإصلاح.. وفني اتخاذ القرار وحل المشكلات وفق معايير واضحة ومؤشرات تنموية حقوقية وديمقراطية مضبوطة.

 

ومثل كل هذا مع الأسف لا يوجد بكثرة في حياتنا المأزومة والمرهونة لسخاء الآخرين ومصالحهم، وجل من يتصدرون فيها للإبداع فغالبا ما قد يكون لأغراض غير تربوية ولا ثقافية ولا تنموية بشكل واضح، وإنما غايتهم إبداع السخرة وتقديم بعض الخدمات الفلكلورية لبعض الدوائر المانحة أو التي تتحكم في المهرجانات والميداليات والفضائيات والاضواء، أضواء الموضة والموجة والشهرة والتشهير والمال والاغراء، أو في أحسن الأحوال، كسر طوق الإعلام والقنوات المضروب ظلما على المبدعين، لكن الفاعل المدني وهو بعيد عن كل هذا من منطلق عقائده المدنية المعروفة من.. ومن.. ومن.. فانه يمكنه الاسهام في تحفيز مناخات الابداع وتصحيح مساراتها وجودة مضامينها وجعلها بانية لا هدامة، شاملة لا محصورة، تطال كل الفئات وتشمل كل الاهتمامات التي هي كل فئات واهتمامات الأمة، سياسية واقتصادية، تربوية واجتماعية، فنية ورياضية، بيئية وتنموية بشكل عام، غير أن تحفيز المناخ الابداعي بالضرورة له بعض الشروط أيضا، والتي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار ومنها:

 

1-     الحرية والمسؤولية للمبدعين. 

2-     الإحساس بالمعضلات الفردية والجماعية.

3-      حب الاطلاع والبحث المستمر في الاتجاه الجديد للحلول.  

4-     الثقافة البانية والثقة المجددة والمغامرة والمبادرة والمثابرة. 

5-     الفكر المرجعي النقدي الأصيل والتجريب العلمي والموضوعي. 

6-     تنمية القدرات وتعلم المستجدات، إطلاق المهارات وتثمين الكفاءات.

7-     التوكل على الله والعزم الدائم وإعطاء الأولوية للممكنات قبل الإمكانيات. 

 

             وأخيرا، لا شيء يقطع حبال القيد وسلاسل الجمود والتقليد، حتى قبل غياب البرامج التعليمية والمختبرات العلمية والمحترفات الأدبية..، لا شيء أكثر من اضطراب الإيمان والاعتقاد في فائدة التجديد والإبداع وضرورته الملحة في كل عصر ومصر؟، لا شيء يحارب الإبداع ويقتله في رحمه قبل مهده، مثل قولهم :"ليس بالإمكان أفضل مما كان" أو قولهم " لم يترك الأولوين للآخرين من الأمر شيئا" أو قولهم :" وما ضرنا أن يبدع الآخرون في المشرق والمغرب والله يسوق لنا كل إنتاجاتهم من غير حول منا ولا قوة" أو حتى قولهم :" لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". وكلها أقوال وغيرها كثير يساء فهمها وتطبيقها أكثر، كما أن لها وجهها الآخر الذي يحض على الاجتهاد والتجديد، وإلباس الناس لبوس قومهم وعصرهم؟. ولكننا لا نذهب في إثارته والحض عليه، ربما خوفا من ملآلات التجديد التي قد تعصف برتابة النمط التقليدي الجامد والمتجاوز للبعض أو على الأقل لن يتحكم في عوالمها التجديدية الرحبة؟.

 

خذ مثلا، مسألة التوقيت وما مرت عبره من أشكال الساعات عبر العصور إلى يومنا هذا، وفي كل عصر هناك تجديد مفيد وأيسر وأرخص، إلى التجديد المبهر لعصرنا حيث أصبح الجميع يعيش بمجرد ساعة الهاتف أو يكاد، وهي أرقى وأنقى وأدق وأشمل من حيث الخدمات؟، مسألة الهاتف بدوره وما كان يعرفه من الطوابير في مراكز البريد لكي يفوت المرء عبرها مكالمة بسيطة يلزمه يوم أو يومين و وسط سماع كل العالمين، إلى أن أصبح لديه اليوم هاتفه الخاص وهو يتصل ويستقبل عبره ما يشاء ولو في قمم الجبال؟، والرائي وما أصبح يعرفه اليوم من الشيوع المطلق عبر الهاتف الذكي ومشاركة المواطن العالمي في كل شيء إرسالا واستقبالا، نقاشا ومتابعة، إعجابا وإعادة، مدحا وقدحا..، بدل ما كان سائدا من الاحتكار والتوجيه المضلل.. نفس الشيء يقال في جانب القيم والأفكار وهي الأخطر، وكل يوم تصعد علينا الأقوام بأفكار الحيرة وقيم التيه تجد لها من رجع الصدى لدى أبنائنا وبناتنا ما تجد؟، ألم يكن أجدى لو شارك قومنا في خلخلة أمعاء مثل هذه الاختراعات والابداعات والبدع والترهات والموجات وهي التي لازالت تحت رحمة مصل الآخر ، يملؤها بما شاء ويفرغها مما شاء ويمنحها من شاء أو يمنعها عمن يشاء؟.

 

الحبيب عكي.

اقرء المزيد

الأحد، 16 أبريل 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الفاعل المدني وسؤال تمحيص الأطروحات.

كثيرة هي الاطروحات التي تؤطر حياة الناس، وتهيمن على مختلف تفاصيلها وطبعا الفردي والجماعي. ويبذل أصحاب هذه الأطروحات من المراكز الدولية والمؤسسات الوطنية ومختلف الفاعلين في السياسات العمومية والحياة الفكرية للناس، يبذلون قصار جهدهم للدفاع عن أطروحاتهم وفرض اعتمالاتها الإيجابية والسلبية في حياة الناس. هؤلاء الذين ينقادون لها بدورهم راغبين ومكرهين وأحيانا، بوعي منهم أو بغير وعي، ولكن في الاخير وبعد عقود وسنوات وحقب وولايات لا كثير شيء يتحقق، إن لم تتراجع الأمور عندهم إلى أسوأ مما كانت عليه وإلى عكس مقاصدها.

 

وكل الأطروحات الفلسفية والسياسية، التربوية والاجتماعية، البيئية والتنموية بشكل عام. تظل معلقة ليس بالأجهزة التنفيذية وعصابات الاديولوجيا وسماسرة الارتزاق الذين يتحمسون لفعل كل شيء أي شيء وحسبهم ما يعود به عليهم من الريع الخاص والتمكين الزائف ولو على حساب الواقع الذي لا يرتفع والارقام والاحصائيات التنموية الكاشفة والمتردية في سلم التنمية ومعاييرها المعتمدة عند كل الدول الجادة والفاعلين الصادقين. الذين سعوا ويسعون الى الرقي التنموي لوطنهم ومواطنيهم بعزم وصدق جماعي وحنكة وحكمة فتحقق لهم ذلك على أفضل وجه ممكن.

 

جميل جدا طبع فكر المبادرة إلى العمل دون كثير قول ولا فلسفة خاصه إذا كان التوافق والاجماع بين الفرقاء الفاعلين من الصعوبة والمستحيل بمكان. لكن كل أطروحة متهافتة غير صائبة المنطلقات ولا محكمة المداخل، خاطئة الحوامل وغير مضمونة المخرجات، فإنها لا تؤدي حتما إلا إلى عدم تحقيق المقاصد والغايات التنموية. من هنا يظل سؤال تمحيص الاطروحات والمشاريع في بدايتها ضروري، وقديما قيل "العلم قبل العمل"؟. العلم واليقين وإحكام الحلقات والمنطلقات والمؤشرات والمآلات.. ولا شك أن مسؤولية تحقيق ذلك تقع على كل الأطراف المعنية والمؤهلة والمتخصصة من العلماء والخبراء والفاعلين والعاملين، مع توضيح وتفصيل ما يلزم كل طرف من الأطراف.


الفاعل المدني إذن ضمن المعنيين بحراسة وعي الأمة وتوجيه جهودها وتحليل مشاكلها والاجتهاد في إيجاد ما يناسبها من مقترحات الحلول لمشاكلها، خاصة وأن هذه المشاكل قد تعمر وتتفاقم وتصبح معضلات، وخاصة في الوقت الذي تعجز فيه العامة حتى عن الوعي بأزمتها ومعرفة ما يؤرقها ويسبب تيها في دوامه فارغة، وخاصة أيضا في الوقت الذي يستغل فيه المستبدون والمتحكمون والانتهازيون مثل هذه الظروف المعقدة والملتبسة لفرض حلول وهمية والاشتغال على مشاريع كبرى ربما تكون خارج الملف وبعيدة عن الأولويات. وربما الاشتغال على مشاريع لا تعالج المشاكل إلا بأعقد منها، وهي لا تلبث تعقد حياة الناس وأحيانا تفرغها من أي مؤشرات الحياة  ومعاني الكرامة.

 

فمثلا، أطروحة العولمة المتوحشة اليوم، وأطروحة الكونية المطلقة، أطروحة الإسلامفوبيا مقابل أطروحة "الدعشنة" والتطرف والإرهاب، مظاهر الانحراف الفكري والسلوكي في المأكولات والملبوسات،  في العلاقات بين الجنسين والحريات الفردية، من مثلية ومخدرات وأكل حشرات،  في التهجير والتفقير.. في التهاب الأسعار.. وغيرها من قيم التطرف والعنف والهدر التنموي واليأس من إنصاف المواطن المسكين بشيء من العدالة الاجتماعية والمجالية، كل هذا بدأ يأخذ من سياساتنا في الدول النامية ما يأخذ، وبالمقابل أطروحة الخصوصية والمواطنة والهوية والمرجعية والأصالة والعدالة والانصاف. وهي بحكم التبعية والاكراه تفقد من مركزيتها في سياساتنا ما تفقد. فاين الفاعل المدني من كل هذه الأطروحات ولا زال المواطن يصطلي بنيران ترجمتها إلى سياسات تنفيذية بشكل سيء، أليس مطلوبا من الناس أن يمشوا على صراط مستقيم كما حضهم الله تعالى على ذلك في قوله تعالى: "أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى، أمن يمشي سويا على صراط مستقيم" الملك/22؟.

 

فدعاة اليوم بين مبشر ومنفر وميسر ومعسر، وبين من يجتهد ويبدع ومن يجمد ويقلد، من يحاولون استيعاب الجميع ويقبلون بهم ومن همه تفيئ الناس والحكم عليهم بأحكام قاسية، فأيهما صحت أطروحته واستوى نهجه؟. وهؤلاء الشباب بين من يعتزون بدينهم ويفتخرون بقيمهم ويجرؤون على إظهار ذلك، مقابل مستلبين مهزومين لا يلتزمون بدينهم ولا يفتخرون بقيمهم بل ربما عارضوها وناصبوها العداء واشتغلوا بالدعوة إلى التفلت منها وتبني ضدها، شابات يتشبثن بالعفة والحلال رغم العنوسة وقساوة الظروف، وشابات يسقطن في حبال الرذيلة وعصابات الغواية بأسماء ومسميات، أيهم صحت أطروحته ومؤمن مآله؟. وهؤلاء الجيوش من المعطلين بين من لا يفكرون إلا في الهجرة إلى بلدان الآخرين والقبول بالعيش في أحضانهم ولو في أقصى أعمال الإهانة في المقاهي والملاهي، مقابل من لا يزالون يرون الأمل في بلدانهم رغم كل شيء؟، وهؤلاء التلاميذ الذين يرون الدهاء في ممارسة الغش والسعي إلى النجاح بدون جهد اللهم ما قد يكون من جهد الآخرين؟، وهؤلاء السياسيون المراوغون، وهؤلاء المثقفون الصامتون، وهؤلاء التجار المحتكرون، وهؤلاء الإعلاميون المضللون، وهؤلاء.. وهؤلاء.. كل له أطروحته في حياته ينطلق منها، قد تكون عفوية أو مزاجية، ودون أن يمحصها يبني عليها حياته، فلا تحقق له غير الفشل وهو يريد النجاح؟.

 

ولكن، قد يكون للسياسي إكراهاته. وللاقتصادي إمكانياته وللإعلامي شهرته.. ولكن الفاعل المدني ولكونه أكثر استقلالية وأكثر من لا يعمل لا تحت ضغط الاكراه ولا خنق المديونية ولا شح الميزانية ولا سحر الأضواء، فان دوره أن يصدع بالحق حتى يساهم في تحرير الآخرين من كل ما سبق وقيوده التي لا تنمية تحقق ولا ميزانية تبقي. وحتى يتمكن الفاعل المدني من كذا دور وطني ريادي لابد له من أدوات اشتغال تسعفه في مهامه النبيلة ومنها:


1- وعي الفاعل المدني بدوره الطلائعي في حياة الأمة.

2- وضوح وأصالة مرجعيته الفكرية في خضم التضارب.

3- سعة أفقه الفكري واطلاعه على مختلف تجارب الآخرين.

4- الروح النضالية والشجاعة اللازمة للصدع بالحق لا خوف ولا طمع.

5- الأصالة المدنية من حرية واستقلالية وسلمية وتطوعية دون طمع في السلطة.

6- العمل المؤسساتي في إطار فريق منظم منسجم مبدع مبادر باجتهاداته الجماعية.

7- النباهة الرقمية والافتراضية باستعمال التكنولوجيا الحديثة وأدوات التواصل الاجتماعي

8- العمل على تحفيز مناخات الإبداع وإعطاء البدائل عبر محترفات متخصصة جهوية قطرية ودولية.

 

خلاصة القول. أنه لا زال هناك دور أساسي للفاعل المدني في حياتنا خاصة. عندما يسكت الساكتون وينحرف المنحرفون ويساوم المساومون ويتيه التافهون.. فهو الوعي الحر والأصيل، وهو المبادرة والقرب وهو المشاركة والالتقائية، وهو العلمية والموضوعية وهو الرقمنة الذكية والتواصل الاجتماعي العالمي الهادف. وهو التأليف والنشر في المجلات المحكمة، والترافع الحقوقي والتشريعي القوي في المنتديات الوطنية والدولية. وهو.. وهو.. وهو.. وهو الأمل الوقاد لتعزيز جهود الأمة وبعثها من الرقاد، بالحرية والمسؤولية بدل الفوضى والتيه في التفاهة. وبالإنتاج المرجعي الجاد والكفاية العامة بدل الاستهلاكية الجشعة [طروحات الآخرين المفضية ولاشك إلى الاستيلاب والتبعية وحلول مستوردة طالما جنت على الأمة ولا تزال في الهوية والقيم  والحرية والكرامة كما في السياسات العمومية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة ؟.

الحبيب عكي.

اقرء المزيد

الاثنين، 10 أبريل 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

أفضل ما ينبغي أن نعلمه أولادنا في رمضان

      لا شك أن موضوع الأطفال ورمضان يطرح إشكالات عدة ويكتسي صعوبات متعددة، سواء من حيث الاستيعاب الحقيقي لموضوع الصيام، أو من حيث التدريب العملي الميسر للتعاطي معه بشوق ومحبة دون تبرم أو إحساس بالمشقة، دون أن ننسى الإشكال الذي يتمثل في الانحرافات الواقعية التي تشوش بثقلها على الموضوع ككل. ترى، كيف ينبغي أن نعلم أطفالنا حقيقة الصوم وماهيته وما مرجعية ذلك؟، كيف ينبغي أن نصوم نحن والأطفال في بيئة رمضانية سليمة تعدل فعلا من عباداتنا وعملنا وسلوكنا؟، كيف يمكن لصيام الصائم أن يكون إيمانا واحتسابا ولعلكم تتقون في خضم العديد من مشوشات الواقع التي قد تجعل كل حظ الصائم من صيامه مجرد الجوع والعطش؟.

 

          مرة شاهدت محتوى يتحدث فيه الأطفال عن تمثلاتهم حول رمضان، فمن قائل: رمضان كريم.. شهر عظيم أنزل فيه القرآن.. نصومه ليأتي العيد ونفرح بالعيدية واللباس الجديد.. نصوم لنحس بالفقير.. لنحصل على فانوس رمضان ونلعب بالليل.. تذوق الحريرة وأشهى الأطباق.. الشباكية والملوخية والتبولة والبطاطس المقلية.. نجتمع في الفطور وفي السحور وهو شيء جميل.. مسلسلات رمضانية.. فيه أتحجب وأرافق أمي إلى صلاة التراويح في المسجد؟.

وفي محتوى آخر حول أحب ممارسات الأطفال في رمضان، كان لعب الكرة والأوراق.. متابعة السيتكومات في القنوات.. نوم بعد الدراسة.. كثرة الغياب باعتبار رمضان للعبادة وليس للدراسة.. وحتى ما يدرسونه من حصص مخففة لا تنبغي فيها الفروض.. قضاء اليوم في الغابة أو صعودا إلى الجبل.. تسوق مطول بالنهار.. ومشيء مطول على الرصيف بالليل؟.

 

         تمثلات فيها بعض الصحيح الذي ينبغي تجليه وتثبيته، وفيها الخاطئ الذي ينبغي تصحيحه والتدريب على تمثل ما يجعلنا نصوم صياما وفق المقاصد والغايات الشرعية بعيدا عن المفاسد والمبطلات والمشوشات المجتمعية والإعلامية. ثم كيف يكون لكل ذلك عائد إيجابي على حياة الأطفال الدينية والدنيوية، بما يعزز انتمائهم وكسبهم وممارستهم الدينية وييسر وينمي تحقيق طموحاتهم الدنيوية، بما يجعلهم يعتزون به ويحرصون على التمسك به والدعوة إلى شيوعه بين الجميع. هنا كتب المربون والمهتمون أن أعظم ما ينبغي أن يعرفه الأطفال واليافعين والنشء عموما أن أعظم حكمة وأهم غاية يصوم الناس من أجلها رمضان هي أننا:

 

1-     نصوم رمضان طاعة لله: لأنه سبحانه وتعالى من أمرنا بذلك، ونتوسل إلى طاعة أمره بالعبادات والخيرات وتجنب المعاصي والمنكرات، وذلك حال الصائم وهو يجتهد في الإمساك عن الطعام والشهوة وإيذاء الآخرين.

2-     نصوم لنتيقن بالقدرة على التغيير: وإمكانية ضبط النفس كلما أرادت أن توسوس لنا أو تزج بنا في المهالك. فانظر كيف نغير كل شيء سيء في حياتنا من اليوم الأول في رمضان، فكيف لا نستطيع ذلك في غيره  من الأيام.

3-     نصوم رمضان مراقبة لله تعالى: واستشعارا لمعيته وإمدادنا بعونه وقوته فنمسك عن الطعام والشراب والشهوة ونلتزم بما فرضه ونتجنب ما نهى عنه، ولا أحد يرانا أو يحرسنا أو نراعيه غير الله سبحانه وتعالى. وهو من نرجو في هذا الشهر الكريم أن يرحمنا ويغفر لنا ويعتق رقابنا من النار.

4-     نصوم ونحن نلتمس من صيامنا التقوى: يعني آثاره الإيجابية وعائده العملي علينا في مختلف المجالات النفسية والتعبدية الصحية والاجتماعية وغيرها، وفي الحديث: "الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم" متفق عليه.

5-     نصوم رمضان لنستعين به على ما بعده: فهو بمثابة دورة تدريبية فعالة في التغيير الحقيقي والإصلاح العميق والشامل والاستقامة الفردية والجماعية المستدامة حتى قيل: " كونوا ربانيين ولا تكونوا رمضانيين".

 

  صحيح، أن الأطفال واليافعين الصغار لا يفرض عليهم الصيام ما لم يبلغوا الحلم، ولكن هل من الأفيد أن يدخلوا عالمه الذي هم مقبلون عليه، أن يدخلوه عن علم وعبادة تقتضيها فلسفة الصيام من رب العالمين أم عن جهل وعادة فيها الصالح وفيها الطالح الذي تزكيه تصرفات الواقع "المترمضن" عند بعض الناس أحيانا، ومقصوفات الإعلام التي لا تلبث تسرق من الناس صومهم بغير عذر شرعي، ويخشى عليهم أن  يوردهم موارد الخسران من ذوي : " رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر" رواه أحمد، ومن قوم :"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري؟.

 

   وصحيح أيضا، أن رمضان لم يفرض على الطفل الصغير، ومن حقه إذن أن يفطر أو أن يصوم، ومن حقه أن يتدرب على الصيام بأقساط متزايدة في متناوله وباستطاعته يجمعها صباح مساء إلى أن يتم يومه وفرحته وينال جائزته، ولكن، هل من حقه أن يعاكس فلسفة الصيام وجوه العام من غير إمساك الجوارح؟. فمثلا، كان الأطفال في ما مضى يبدؤون الصيام من مستويات الخامس والسادس ابتدائي، واليوم، قد يبلغون نهاية الإعدادي أو بداية الثانوي ولا يزالون لا يصومون وربما لا يصلون؟. وكان اليافعون يرتادون المساجد لصلاة التراويح عن بكرة أبيهم، واليوم تضيق بهم الشوارع المؤدية إلى المساجد يلعبون الكرة والغميضة والمطاردة والضوضاء؟، وأيضا بينما كان الجميع يتنافسون في قراءة ما تيسر لهم من أجزاء القرآن ويحفظون ما حلا لهم من أذكار الدعاء، أصبحوا اليوم يتنافسون في متابعة أكبر عدد من المسلسلات والسيتكومات عبر  الفضائيات وحتى الهواتف؟.

 

  ألسنا في حاجة ماسة إلى تحسيس أبنائنا بحقيقة الصوم كما هي في مصادرها التشريعية من قرآن رباني وسنة نبوية، فما هي مجالسنا العلمية الأسرية من أجل ذلك؟، ما هي محاضننا التربوية المدرسية التي تغرس فيه؟، وما هي مرافئنا الجمعوية التي تدرب وتنشط فيه؟. أين هي قصصنا الشيقة وحكاواتيون البارعون؟، أين أشرطتنا الممتعة ومخرجوها المبدعون؟، أين معاملنا ومحترفاتنا التربوية وفضاءات ألعابنا الرمضانية الترفيهية..؟. ألسنا في حاجة ماسة إلى مساعدة النشء من أبنائنا وبناتنا على حسن تمثل الصيام وحسن تجسيد قيمه وأخلاقه بعيدا عن المبطلات والمشوشات والعادات الخاطئة؟، فأين هي وسائلنا المبتكرة والعلمية لربط الجيل بالقرآن الكريم في شهر القرآن؟،

 

   أين علبنا المنزلية الخاصة لتشجيعهم على التوفير والصدقة على الفقراء وأبناء الفقراء ولو بأقل القليل؟، مبادرة الإفطار الجماعي لأصدقائهم، صلة الأرحام والقرابة وأشكال ذلك، القدوة من الكبار في كل ذلك.. ليلة القدر وخير وخالص الدعاء.. زكاة الفطر وجوائز الصائمين.. إلى غير ذلك من مشاريع التعبير والمشاركة في التغيير ومن قيم الصدق والمراقبة والكف عن كلام السوء والسباب والشجار.. وكل مظاهر الإيذاء؟. إنها مدرسة رمضان.. مدرسة في كنف العبادة والطاعة وفضائل القيم والأخلاق، كل ينهل من فضائها ويجني من ثمارها بقدر ما يصدق في التعاطي معها من منطق الإيمان والاحتساب والتقوى الرباني، فطوبى لمن فعل وساعد على فعل ذلك، وعساهم عساهم من أهل باب الريان عساهم؟.

الحبيب عكي



 

اقرء المزيد

الاثنين، 3 أبريل 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

في أهمية التوافق الأسري خلال رمضان.

    يقصد بالتوافق الأسري ذلك النوع من التواصل والتفاهم والتعاون الذي يضمن للأسرة حظها اللازم من التماسك والاستقرار والراحة النفسية والسلامة الجسدية لكل أفرادها على اختلاف أجناسهم وأعمارهم ومراكزهم الأسرية وأدوارهم الاجتماعية. وقد يمتد هذا التوافق الأسري ليكون لبنة أساسية يساهم فيها الجميع من مكانه وبإمكانه من أجل تحقيق أهدافها ونجاح علاقاتها في ما بينها بل في ما بينها وبين محيطها من الأقارب والجيران والمعارف والعملاء، حيث تسود المحبة والاحترام المتبادل والتعاون الممكن بدل التجافي والتوتر والصراع الحالق أحيانا؟.

 

        ولا شك أن التوافق الأسري بهذا المعنى يكتسي أهمية قصوى في المجتمع ككل، وفي مؤسسة الأسرة خاصة باعتبارها كما يقال نواة المجتمع وبمثابة البيئة التي يتنفس فيها الأفراد منذ نعومة أظافرهم كل المعارف الجميلة ويتشربون كل القيم النبيلة، فإذا كانت بيئة صافية المياه نقية الهواء مسالمة الكائنات اطمئن على أفرادها وسلامة نموهم وتطورهم، وإذا كانت موبوءة ملوثة خيف على يراعها قبل يراقها وفراشها من التلوث والاختناق وكل أنواع الاحتباس المزمن والتفكك المدمر والهشاشة البنيوية التي لا أسرة تبقي ولا أفراد صالحين مصلحين تنتج؟.

 

       ترى، ما هي معيقات التوافق الأسري خلال رمضان وفي غيره؟، كيف يمكن تحقيقه وتنميته في أسرنا وفي الممكن من محيطها ؟، ما دور رمضان في كذا مشروع تربوي واجتماعي هام وأساسي؟.، أيهما أهم، صوم رمضان كما نريد وإن غضب من غضب أم صومه والحفاظ على العلاقات كما ينبغي؟، لأنه في الحقيقة، وعلى عكس ما يعتقد الناس من أن أجمل شيء في رمضان هو جوه الأسري بامتياز، لكون الأسرة تجتمع فيه على مائدة واحدة، وتتمكن من إحياء ما بينها من أواصر المحبة وحقوق الأخوة ورحم القرابة، فتتاح لهم فرص ثمينة لعلاج ما لا يعالج، وقد يتمكنون كذلك من ممارسة بعض العبادات الجماعية المشتركة كتلاوة القرآن والصلاة الجماعية التي يبدو الجميع قابلا وفرحا بها، مقبلا وحريصا عليها، متعاونا فيها؟.

 

      إلا أن هناك ما قد يعكر هذه الأجواء الأسرية الرمضانية ويحولها من عبادة خالصة إلى مجرد طقس ملزم ينخرط فيه الجميع برغبات متفاوتة، إن لم يكن في بعض الأحيان كارها لها أو على الأقل مفضلا لشيء آخر غيرها وهو في نفس الوقت مباح. وقد نجد لذلك أسبابا موضوعية كثيرا ما يتم تجاهلها وإن بقيت متقدة متنامية كالنار تحت الرماد لا تلبث أن تتقد فتنحرق وتحرق، ونذكر من ذلك:

 

1-  تفاوت الأجيال واختلاف التمثلات: بين من يرى رمضان هكذا ومن يريده غير ذلك، والحالة هذه، يأتي من يفرض رأيه واختياره على الجميع، ويجعل رمضانهم على ما حبب إليه هو، إفطارات وصدقات أو خرجات وسهرات أو أورادا وتهجدات..، دون مراعاة لميولات الآخرين واهتماماتهم وقدراتهم؟.


2-  تعدد السلطات ومراكز القرار داخل الأسرة: أو احتكارها من طرف الكبار وتضاربها أحيانا بين الآباء والأمهات، رغم أن الأجواء العامة في الخارج قد تكون هي من تقرر في الحقيقة وفي تضارب مع الأسرة؟.


3-  اختلاف الأذواق وتفاوت القابليات: وهو أمر مشروع ما لم يمس فرض الصيام في حد ذاته وما أوجبه الله له، ويبقى الصيام سويعات معدودات وما بعدها طيف واسع من المباحات، من العبث أن نجعلها مباحا واحدا وأوحد؟.

4-  تنوع الوضعيات الاجتماعية في الأسرة الواحدة: ممن تضطرهم الظروف للعيش مع أقاربهم من آباء وأبناء وإخوة وأخوات، من معطلين وعانسات، ومسنين ومدمنين، وذوي حاجيات خاصة أو أمراض مزمنة..، لابد من مراعاة وضعياتهم النفسية وقدراتهم التحملية علهم يجدون في رمضانهم ما يرتاحون له، ومنهم المحتاجون من الأقارب ممن تنبغي صلتهم.


5-  الجو العام السائد في المجتمع: والذي يغذي الإعلام الفاسد جوانبه السلبية أكثر من الإيجابية، من هنا إشكالية التعامل مع رياحه المساندة (رمضان العبادة) ورياحه المعاكسة (رمضان العادة)، فقد يطفئ المرء تلفازه في بيته وتتفرج فيه ابنته عند الجيران، وقد يمنع المرء بعض الترفيه المباح في داره ويسهر ابنه في ملعب الحي والمقهى إلى الفجر..؟.  

 

ليس من السهل إذن أن يصوم الجميع رمضان في غياب أو ضعف التوافق الأسري، مما قد يجعله رحمة على البعض ومعاناة على البعض الآخر، بل قد تكون لتلك المعاناة ما بعدها تعلق الأمر بالمعتقدات أو بالتصرفات والمواقف والمعاملات، ويزداد الإشكال تعقيدا أن كل الأطراف من المتشددين أو المتفلتين يتجرؤون ويحملون رمضان مسؤولية تصرفهم المجانب للصواب، ومن أجل تخفيف حدة هذا التقاطب المشين، ومن أجل رمضان أسري يسعد به الجميع، ويزيد من درجة المحبة والتماسك والتعاون بين كل أفراد الأسرة السعيدة، نقترح ما يلي:



1-  بعض المراجعة الجماعية لأهم فقه الصيام: بأي شكل متاح، حتى يتم تحريره من الغلو في العبادات والاستسلام للعادات، فيكون أمرا مرجعيا وسطا يسع الجميع.


2-  الحرص قبل كل شيء وبعده على الاحترام المتبادل: بين كل الأشخاص في الأسرة، واعتبار أجناسهم وأعمارهم، أحوالهم وظروفهم، ميولاتهم وقدراتهم حق الاعتبار، فالله تعالى قد شرع الأعذار لأصحابها وخفف عنهم.

3-  ترك أمر العباد لرب العباد، ولا يسأل المرء إلا عن نفسه وأهله: ومدى إعطائه القدوة بينهم، وتبقى كل الأمور التي تهم الآخرين، إنما هي دعوة، وبالتي هي أحسن: "ادفع بالتي هي أحسن".


4-  لابد من الحد الأدنى من تحقيق مسؤولية الانتماء للأسرة: بما فيها من الحقوق والواجبات، مع ما يستلزمه ذلك من قيم التشاور والتعاون على إنجاز بعض الأعمال والقيام ببعض العبادات الجماعية المتوافق عليها، خاصة مع الأبناء والبنات ومن باب التدريب والاستئناس والمواكبة، فكم نرتاد معهم من المساجد وكم ندخل معهم من المطابخ.

5-  تسجيل الحضور الدائم داخل البيت: آباء وأبناء، خاصة في أوقات بعض البرامج الجماعية المشتركة، أو التكليف بمهمة منزلية، أو مجرد الجلوس مع الأهل والأبناء، فلا يليق أن يفتقدونا دائما في المقاهي والملاهي أو حتى في الأنشطة المكثفة؟. 


6-  بعض التنوع اللازم والمتاح في أنشطة رمضان الفردية والجماعية: بين ما هو علم وتعلم وعبادات وزيارات وأعمال اجتماعية وترفيهية مباحة وغير ذلك من حاجيات الناس الفكرية والنفسية.. الروحية والجسدية التي تمنحنا التوازن والقوة.

 

في غير رمضان، بعض الأسر إذا صام فيها الآباء الأجر، لا تكاد توقد النار في ذلك البيت طوال النهار، لأن الكبار صائمون؟. وفي رمضان لا أدري بماذا يفطر الصغار في بعض الأسر غير بعض البقايا والفتاة البارد مما تبقى من الليل؟. ومن لا يصومون من ذوي الأمراض المزمنة المتقدمة، ألا يصومون أحيانا إلا عن الماء والأدوية؟، كثيرة هي التمثلات السلبية التي تلصق برمضان في وقتنا المعاصر، وهي من جهة افتراء وظلم وعدوان ينم عن جهل مركب، ومن جهة أخرى جراء بعض تصرفاتنا الخاطئة في رمضان، وهو المفروض أن نحرص فيه على التقوى كما أمرنا الله : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون "البقرة/183، والتقوى أن نؤتي كل ذي حق حقه، لا نَظْلِمُ ولا نُظْلَمُ، فاحرص أخي/أختي على توافقك الأسري وابذل في سبيله كل شيء، تحرص على تكوين وتدبير أسرة مستقرة.. متماسكة.. منتجة.. حامية موجهة.. بيئتها نقية صافية وقيمها جامعة بانية وعيشها عيش جماعي ولا أرغد؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المشاركات الشائعة