Top Ad

السبت، 20 يوليو 2024

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

عطلة أم عدس.

 

تروي الحكاية - والعهدة على الراوي - أن ربة بيت، أرادت أن تمسك ابنها بالقرب منها خلال العطلة الصيفية لتحميه من مطبات الشارع ورفقاء السوء، فما كان منها - كي تملأ عليه بعض فراغه - إلا  وأن تفتقت عبقريتها عن فكرة انتهت بها إلى أن أخذت تعطيه كل يوم صحنا من العدس وتأمره بتنقيته بإزالة ما علق به من الحصى والشوائب، وكان المسكين يفعل ذلك حتى إذا أنهى مهمته الشاقة، أعادت الأم الحصى والشوائب إلى العدس، فتأمره بإعادة الكرة مرة أخرى، وهكذا دواليك ودواليك، فلا العدس ينقى ولا الولد يرتاح أو يتحرر من عطلة أمه أم العدس، وقد جثمت عليه بمثل هذه اللعبة الثقيلة وبأثقل منها وعلى امتداد 90 يوما والله المستعان.

 

قد يرد المرء مثل هذه الحكاية السمجة، ويتساءل بشأنها العديد من الأسئلة المشروعة والمحيرة، ولكن مجريات الواقع تؤيدها ولا زالت تكشف لنا كل يوم عن العديد من الآباء والأمهات، بل والأسر والمؤسسات تتفتق عبقريتها عن مثل هذه الأفكار والبرامج الصيفية، وهي في حقيقتها لا علاقة لها لا بالتربية ولا بالتكوين فبالأحرى بالعطلة وما تستلزمه من حياة خاصة، أو ما ينبغي أن تعود به هذه البرامج من فوائد متعددة على الفرد وحاجياته وعلى علاقاته بمحيطه والآخرين؟. هل لهذه الأسرة أبناء آخرين بنين وبنات، أم أن هذا الولد وحيدها؟، هل لهم أب يعولهم وله حرفة؟، هل يأكلون العدس كل يوم أم أنهم فقط يتجارون به مع أبناء الحي؟.

 

قد تكون نوايا الأم في هذه الحكاية طيبة، مثلا، في كون إبقائها ابنها بجانبها إنما تريد حمايته، وما أكثر الأشياء التي ينبغي حماية الأطفال منها ولا يهتم الكثيرون بذلك، أو في كونها تكلفه بتنقية العدس ، إنما لتعلمه مهارة التنقية، كأبسط شيء في متناوله لتدمجه بواسطته في مساعدة البيت وتقوي فيه شعور الانتماء إليه، وأن هذا الانتماء يستوجب تقديم أي شيء من طرف الجميع، و أكيد، أن ذلك سيمكنها من زرع الثقة في نفسية الطفل عندما يحس عبر عمله هذا أن لديه شيئا/خدمة يقدمها للبيت، ما سيجعله يفتخر بذلك، ومن يدري، ربما كان واجب الطفولة المضني هذا، نواة لاكتساب الابن فكرة مشروع مستقبلي في مطعمة العدس أو حتى التجارة فيه؟.

 

غير أنه مهما كانت نوايا الأم طيبة، ومهما كانت لعبتها مع ابنها من قبيل الأشياء التي لا يتعلمها المرء إلا في البيت المربي والبيت المنتج، فإنها ولا شك مدخل غير واعي لعلاقة مدمرة بين الابن وأمه، أخطر مظاهره فقدان الثقة في الولد، تقييد حركته ونفي اختياره، إهانته بإعادة الشوائب في العدس وتحطيم عمله ومعنوياته وهدر جهده، مما سيزرع فيه قبول الإهانة من الآخرين، والخوف منهم وعدم الرد على آرائهم واختياراتهم مهما كانت به مضرة؟. إنه سيحتاج دائما في حياته إلى غيره، ذلك أن أمه قد حبسته بجانبها ولم ترسخ فيه القيم الإيجابية وتتركه يعش طفولته مع أقرانه من الأطفال يعاركهم ويعاركونه، ويدفعونه للتفكير والتقرير كما إليهما قد دفعهم؟.

 

ما أكثر أمهات "العداديس" وآباء "البطاطيس" وعطل اللاعطل، فمن لا يمنحك غير تجزية الصيف مع تنقية "العداديس" وقلي "البطاطيس" أو أي عمل في أي ورشة للأعمال الشاقة، ومن لا يتيح لك غير تجزيته في "كارطونات الديطاي"  وعربات "الهندية وبولو .. وميكا درهم"، ومن لا يرحمك من أن تنام وتستيقظ على الرسومات المتحركة ومدبلجات كل شعوب العالم على الهواتف والحواسيب واللوحات والشاشات، ومن لا يبالي بك تقضي الأيام كلها في الشارع مع من كان، ولا يبالي بك أديت عباداتك أم تركتها، انسجمت معها أخلاقك أم ناقضتها؟، ومن يلزمك طوال الصيف بمراجعة المقررات الدراسية السابقة منها أو اللاحقة وكأن الدراسة عنده لازالت مستمرة وبإيقاعها القصوي؟، ومن لا يجوب بك غير شوارع المدينة صعودا ونزولا وإذا قعد بك ففي المقاهي والطرقات ولا يؤدء حقها؟. ومن.. ومن.. ومن..، فكل ذلك من سغب عطلة اللاعطلة؟.

 

عطلة اللاعطلة هذه، قد تطال حتى العديد من الهيئات والمؤسسات والشركات، فحين لا تمنح بعض هذه الشركات لبعض مستخدميها ولا يوم عطلة، أو عطلة بدون تعويض، اللهم ما قد يكون من تعويضهم هم أنفسهم في مناصبهم ورواتبهم؟، حين تأكل بعض المؤسسات بنهم من عطلة الموظفين من ثلاثة أشهر إلى شهرين إلى شهر واحد، وهو لا يكفي حتى للبحث عن بعض ملابس العطلة الصيفية أو بعض الملابس الجديدة والضرورية لاستئناف العمل في الموسم الجديد، فما بالك بإزالة المتراكم من توترات وضغوطات العمل التي من أجلها شرعت العطل؟. عندما نجد جمعية في مخيماتها لا تستطيع تغطية أكثر من 12 يوما من عطلة الطفل الممتدة على طول 12 أسبوعا، وسرعان ما تعيده بعدها إلى هول الفراغ بلا هوادة؟، وعندما تجد بعض القطاعات الوزارية لا ترسل أساتذتها للاستمتاع بالعطلة إلا من جدران أقسام البئر القديم إلى جدران أقسام البئر الجديد، أو الحجز المسبق في إقامات محنطة لا زالت تحسبها منتجعات رائعة بما لا تكفيها خلال إجازة الأسبوع والأسبوعين حوالة السنة والسنتين، فهل هذه عطلة إم إيداع واستيداع؟.

 

إن العطلة الصيفية في حياة الشعوب لها ما يبررها، من بحث الناس عن المنتجعات الباردة والأجواء المنعشة هربا من حرارة الصيف التي لا يتحملونها، ومن ضرورة التخلص مما تراكم فيهم جراء العمل السنوي الشاق والحياة اليومية المعقدة التي تشبعهم توترات وضغوطات وطاقة سلبية معيقة للعمل والإنتاج بشكل عام، ورغمها فإن المجمل من عطلنا المنظمة وغير المنظمة، لا تزال في حاجة إلى تفكير جاد وجهد جماعي رسمي ومدني، تؤطره القاعدة الكونية التي تقول بضرورة حسن تدبير الوقت الثالث، بما يعود على الفرد بالراحة والترفيه والتربية والابداع، وعلى الوطن بالتنمية والرخاء والتقدم والازدهار، وللشعوب المتقدمة في هذا المضمار تجارب وتجارب (اليابان وكوريا الجنوبية نموذجا)، تجارب وطنية رائدة أكسبتهما كل الألوية الخضراء والزرقاء، بل وأدخلتهما المراتب الأولى في مؤشر سعادة الشعوب ورفاهها، بعيدا عن هذا الذي نتخبط فيه نحن وغيرنا من: " خنفس دنفس ودوز العطلة، وطبعا لا يكون الأمر غير : "عطلة أم العدس وأبو البطاطيس"؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

السبت، 13 يوليو 2024

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

حتى لا نتورط في الحلول المشكلة للعطلة الصيفية.


لا تزال العطلة الصيفية عند كثير من الفئات الاجتماعية، مجرد عبئ ثقيل وضيف بخيل مملول، أو هكذا أصبحت، لا يتحملونها إلا بمزيد من الحيرة والاضطراب والتخبط والفوضى والمعاناة النفسية والمادية، خاصة في ما يتعلق بعلاقتهم مع الأبناء الذين يكون لهم منظور آخر مخالف سواء للعطلة ذاتها أو لغيرها بيتا أو مدرسة، رفقة شارع أو برامج إعلام وألعاب هواتف أو غير ذلك. فهل العطلة الصيفية هكذا مشكلة وليست حلا؟، أزمة وليست فرصة؟، وقتا للضياع وليست للاستفادة؟، أم مجرد تعقيدات الواقع وتغير أمزجة وممارسات الأفراد والمؤسسات، والتي ينبغي أن تصحح حتى يعود للعطلة طعمها الكوني البناء الممتع الخالد: متعة وإفادة.. تنمية وإرادة.

 

عديدة هي المفاهيم التي ينبغي أن تصحح حول العطلة بشكل عام/ الصيفية/ الشتوية/ الموسمية/ البينية، وعديدة هي المشوشات التصورية والممارسات الفعلية التي تحول دون ذلك، ومن بينها:

1-  الاعتقاد والعمل بالسائد من التصور الذي يرى على أن العطلة هي وقت الفراغ وبالتالي وقت التحلل من كل التزام ومسؤولية خاصة بعد التخلص من الاكراه والروتين المدرسي والوظيفي، فقد خلا وحلا الجو للهو واللعب، والسهر الطويل والنوم المتأخر، ومجرد الكسل والأكل طوال الأيام، سيرا على قول المثل: "حيد لي يا ربي المدرسة ندير ما بغيت"، وقولهم: "هذا نهار لحد.. ما يسال حد في حد"؟. لا تنظيم ولا تعليم، لا رقيب ولا حسيب، إنها العطلة، وليس لأحد الحق في التدخل فيها، كائنا من كان؟.

 

2-  رفض الآباء لتفلت الأبناء هذا، وتصلبهم غير المعتبر لظرف العطلة ولا ما ينبغي أن يكون فيها من المرونة، وحرصا على حمايتهم وإمساكهم بالقرب منهم، ولو في فضاء المنزل الذي قد يكون خانقا، حتى أن أما – كما يحكى – كانت خلال العطلة تمنع ابنها من أي خروج ومن أي وسائل ترفيه، وكانت تبقيه بجانبها وتعطيه صحنا من العدس وتأمره أن ينقيه من الحصى، يفعل المسكين ذلك مرغما حتى إذا أنهى المهمة الشاقة، أعادت الأم الحصى إلى العدس، وتأمره بإعادة التنقية مرة أخرى، وهكذا دواليك، فلا العدس ينقى ولا الولد يرتاح، إنها العطلة على طريقة "أم العدسّ؟.

 

3-  تعقد الواقع بشكل كبير ومرهق: إلى درجة ربما يرفض فيها كل الأشكال المؤسسة لعطلة صيفية ممتعة ومفيدة، يساهم الجميع في برمجتها كما في الاستفادة من مخرجاتها. بل إن فكرة البرمجة للعطلة الصيفية في حد ذاتها قد تكون عند الكثيرين مستحيلة في ظل التقاطعات الحادة بين أفراد الأسرة، سنا وجنسا، رغبات و وجهات، فضاءات وإمكانها، مدد وفترات، تكاليف ومساهمات..؟.

 

4-  استحالة فكرة تعميم العطلة على الجميع وجعلها حقا مشروعا ومضمونا لكل الفئات الاجتماعية: في ظل واقع لا تستطيع فيه الدولة وهي التي ترفع شعار: "عطلة للجميع"، ولكن رغم جهودها وإمكاناتها الجبارة في المجال فهي لا تستطيع بشكل من الأشكال، سوى تخييم 250 ألف طفل من بين حوالي 8 ملايين طفل في سن التخييم (7 – 18 سنة)؟. ناهيك عن ملايين العمال والفلاحين والطلبة الذين لا يعرفون طعم العطلة الصيفية ولا ريحها، فبالأحرى أبنائهم، وعلى مدار السنوات والسنوات؟. كيف لا، وتخييم ابن واحد أو ابنين اثنين من أبناء هذه الفئات المهمشة، قد يكلفها كيل سنة كاملة من القمح والسكر لكل الأسرة، نظرا لارتفاع تكاليف السفر من هذه المناطق النائية نحو الشاطئ؟.

 

 ورغم كل هذه الملاحظات، فالمشكلة لها حل والمعضلة قابلة للعلاج، ولكن، بأية خلفيات مفاهيمية، وبأي فاعلين ومتدخلين ممن لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالموضوع:

1-  لابد من النظرة الصحيحة لمفهوم العطلة وحيثياتها: هل هي ضرورة أم ترف؟، مسؤولية أم تحلل منها؟، هل هي فعلا، تزيل الضغط وتجدد الطاقة أم تزيد الضغط وتبدد الطاقة؟، أين هذا العمل الذي يحتاج منا إلى عطلة؟، هل تحتاج العطلة فعلا إلى تغيير مكان العيش المعتاد والهروب من الجو الحار الملتهب إلى الجو الرطب البارد؟، وهل العطلة مكان أم  برنامج ورفقة وتأطير؟. كل هذه الأسئلة تصبح مشروعة وملحة إذا علمنا أن هناك أقواما يعيشون بدون عطلة، اللهم ما كان من عطل آخر الأسبوع والأعياد الوطنية والدينية()، وأقواما بعطل أطول أو بعطل أقصر حسب مواسم الخصب أو الجفاف، وأقواما.. وأقواما ؟.

 

2-  مفهوم الحياة السعيدة كحياة قبل كل شيء: ومدى استعدادنا لعيشها والحرص على مقوماتها، قبل العطلة.. أثنائها و بعدها؟، حياة إدارة الوقت، تنظيم العبادات والأعمال والعادات، مهارة التخطيط والبرمجة، كفاءة التعاون والتعايش وفق مسؤولية الحق والواجب، حياة تؤثر في العطلة وتخلقها وتستوعبها، تجعل منها فرصة لا مشكلة، وقتا ثمينا هادفا لا عبئا ثقيلا وجهدا مهدورا، لأن من كانت حياته على هذه الشاكلة الأخرى، فلا حياة له أصلا، لا قبل العطلة ولا بعدها، فلا يستعذرن بالعطلة أمام عجزة واضطرابه وفوضاه؟.

 

3-  إعطاء الواقع حقه الموضوعي واعتباره الضروري: حتى لا نخطط لحلول لا تنتهي في الغالب إلا بمشاكل أعقد ولا تؤدي إلا لعطل عدمها أفضل من وجودها، ومن تلك الاعتبارات الواقعية اللازمة:

 

1-  لابد من إدراك أنها عطلة والاعتراف بذلك: عطلة صيفية على حرها وقيظها، وتوقف مدارسها ومعظم جمعياتها، وعلى طولها وامتدادها كما قال الساخر الأردني صاحب "الدبابيس": (90 يوما والله المستعان).

 

2-  لابد من إشراك الآخرين المعنيين بالعطلة في تدبير عطلتهم: أخذ آرائهم، التعبير عن رغباتهم، تحديد المساهمات وتوزيع التكاليف، تفاصيل الفضاءات والأشكال (جماعية أسرية أم فردية مع المؤسسات والمخيمات).

 

3-  مراعاة الإمكانات المادية المتاحة: وعدم الاسراف أو التجرأ على الإقدام على حلول القروض المغرية للأبناك، مما سيفقد ضحيتها حريته ويقيد قراره ما بعد العطلة وربما لسنة كاملة وإن حل به ما حل من الطوارئ.

 

4-  لا يدفعنك قلة الفضاءات وغلاء الجيد منها إلى اختيار الإقامة عند عائلة ما من الأقرباء والأصدقاء، في البادية أو المدينة، فإن ذلك لم يعد مقبولا، خاصة مع ضيق المنازل وارتفاع الحرارة وغلاء الأسعار، مما يسبب الحرج للجميع.

 

         وكيفما كانت الاختيارات أو على الأصح الاكراهات التي رست عليها التدابير الصيفية للأفراد أو الأسر أو غيرها من الجمعيات والمؤسسات، فلابد أن يكون في هذه التدابير ما يضمن هادفيتها، متعتها وإفادتها، ومن أجل ذلك يقترح التربويون أن تجمع هذه البرامج الصيفية أو ما يسمى كذلك، أن تجمع بين أربعة جوانب متكاملة وهي:

 

1-      الجانب الروحي: من قراءة القرآن وإقام الصلاة وتلاوة الأدعية والأذكار..، فكل هذا محور حياة المسلم، ولا يحق له التخلي عن شيء منه لا في العطلة ولا في غيرها، لا داخل البيت والبلد ولا خارجهما.

2-      الجانب التعليمي: في المرغوب فيه من العلوم وليس المفروض، وبالإيقاع المناسب، فهناك من الكبار من تتراكم عليه الكتب والبحوث، ومن الصغار من يعانون من الفقد التعليمي خلال العطلة (من 20% إلى 70 %) من المدروس القبلي، ثم إذا مرت العطلة دون قراءات حرة ومناقشات فكرية ومسامرات هادفة فمتى سننمي فعليهما ؟.

3-      الجانب الاجتماعي: وهو جانب أساسي في الشخصية والسلوك، وقلما يجد الاهتمام اللازم في صفوف المدرسة ولا حتى مع انشغالات الآباء، لتبقى العطل الصيفية فرصة استدراكه عبر الممكن من صلة الأرحام وحملات التطوع والنظافة والتضامن والمشاركة في مسابقات وخدمات الأحياء.

4-      الجانب الترفيهي: الحسي - الحركي، الجسدي - الرياضي، السياحي – الاستكشافي، الثقافي - الفني .. في ما له علاقة بثراء تراثنا القيمي والأخلاقي والترويحي، وليس مجرد هذا السلخ الهوياتي للعديد من مهرجانات الخردة الفنية التي تبتك آذان الشوارع والساحات والشواطئ والمنتجعات. ليبقى السؤال الجوهري هو" كيف نحن قبل العطلة، وما نريد أن نصبح بعدها"؟، وهذا موضوع آخر، أكيد، يستحق منا العودة والتفصيل، فعسى أن يكون ذلك متاحا بعون الله.

الحبيب عكي 

 

اقرء المزيد

الأربعاء، 12 يونيو 2024

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

معلش.. صرخة الدحدوح التي لازالت تلامس شغاف القلوب

      أقوى شطر من نشيد المقاومة الفلسطينية الباسلة، والمعنون ب "معلش"، هو قول المنشد الجهوري الصداح: " بدها صبر رغم القهر .. خلوا العزائم فوق"، صلب نشيد درامي واقعي، محفز وملهم، يختزل المأساة ويواكب التفاصيل الميدانية لملحمة "طوفان الأقصى" المظفرة. ملحمة شعب غزة ضد العدوان الصهيو-أمريكي الهمجي الغاشم والمدجج بشراسة الأسلحة المدمرة الفتاكة ضد المدنيين الأبرياء، وبدعم ومباركة قوى الاستكبار العالمي المتغطرس، بقيادة أمريكا وجل دول أوروبا الغربية ضد على شعوبها المتماوجة الهادرة اليوم في كل الفضاءات والمناسبات ضدا على قرارات وسياسات قادتها البلهاء التي تأبى إلا الظلم وازدواجية المعايير الدولية وجعلها منحازة بوجه سافر مكشوف للكيان الصهيوني الغاصب السفاح.   

 

         والنشيد كما هو معلوم من كلمات لحن وتوزيع الفنان "سائد العجيمي"، إنتاج فريق إذاعة "حسنى" الأردنية، وهو من وحي الموقف البطولي الدرامي والجهادي لمراسل قناة "الجزيرة" الاعلامي الفلسطيني الصامد الشامخ "وائل الدحدوح"، عندما وقف في أحد مستشفيات القطاع على جثث بعض الأطفال الفلسطينيين وضمنهم أطفال من أسرته وهو الذي سبق له وأن فقد زوجته وابنته وابنه وحفيده.. وكلهم قد سقطوا شهداء، فما كان منه إلا أن تمالك نفسه واعتصر ألمه وكظم غيظه وهو يغالب واجبه الإعلامي على عطفه الإنساني فقال بثبات الصابر المحتسب: ".. إنهم ينتقمون منا بالأولاد.. معلش"، فالتقطها الشاعر في لقطة صدق درامية وإنسانية فقال: " ما بقدروش على رجالنا.. ينتقموا من الأولاد.. والله ما نترك دارنا.. احنا أهل البلاد.. معلش، كله فداء فلسطين، معلش، لو سالت دموع العين.. معلش، تحت القصف وافقين.. معلش، احنا اللي منتصرين؟.

 

         هذا، ويضيف "مسلم الكثيري" (موسيقي وباحث عماني)، أن الصور الدرامية للمأساة قد تتالت أمام الفنان وهي تسعفه في رسم لوحة بانورامية قاتمة، وفي نفس الوقت لقطات توثيقية للحرب المروعة، ولكنها فنيا رائعة وأزهى ما تكون، إذ جمعت في فسيفسائها كل نفائس الصدق والصمود والأمل والاستبسال واليقين في الله وفي المستقبل.. معاني منبعثة كالعنقاء من تحت شراسة العدوان وهمجية هدم البوت وتدمير المباني والقتل المروع والنزوح الإجباري واصطياد الأبرياء في كمائن المساعدات، وتيه ولخبطة العدو الجبان في البحث عن الأسرى؟. في هذا المشهد الدرامي، هذا فلسطيني آخر يصرخ أنه فقد ابنته بعد 12 عاما من محاولة الإنجاب، فيصرح أنها فداء القدس ويصرخ: "لو قتلوا أطفالنا ..  لو هدموا البيوت.. احنا بظهور رجالنا.. نوقف في وجه الموت.. معلش، كله فداء فلسطين.

 

         فلا استسلام ولا يأس، رغم القتل والتشريد والحصار(17 سنة) والدمار والإعصار، رغم الألم جراء خذلان الآخرين كالأصفار على الشمال، فيبقى طرد الاستعمار وتحرير الأرض من مستوطناته وحواجزه وتصاريحه وسجونه.. أمر مشروع، وكل الشعب الفلسطيني وراء مقاومته ومع مناصريه، لازال صابرا يتحدى ويسترخص كل التضحيات بكل إيمان ويقين. لتأتي لقطة أخرى في النشيد تظهر فيها امرأة مسنة كل هذه المعاني وهي رفقة أبنائها يطلون من نافذة بيت خرب قصفه العدو وهي ترفع شارة النصر وتقول: " ما بنطلع من بلادنا.. ولا من أراضينا ولا من دارنا.. واللي بيدهم يسووه يسووه، ليصوغها الشاعر: .."بدها صبر رغم القهر.. خلوا العزائم فوق،.. الله وعدنا بالنصر.. مهما الالم بندوق، معلش، كله فداء فلسطين.. معلش، احنا اللي منتصرين؟. وفعلا، عندما يجبر العدو وحلفاؤه لخوض معركة مدمرة غير متكافئة ما يزيد عن 8 أشهر، من أجل العثور على مجرد 4 أسرى فقط، فذلك نصر مؤزر للمقاومة، ومعنى بارز لشعارها: " وإنه لجهاد.. نصر أو استشهاد"؟.

 

         هذا النشيد، سرعان ما انتشر بشكل واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي وحصد فيها ملايين المشاهدات وآلاف التحميلات، رغم ما طاله في البدء من الحذف التعسفي من أحد مسؤولي القناة على خلفية أنه زائد الجرعة وخارج المألوف، لكنه أبى إلا أن يكون تحفة رائعة تثري التراث الفلسطيني الفني المقاوم، يشحذ همم المقاومين كغيره من مئات التحف الفنية المقاومة الخالدة، والتي وراء كل واحدة منها حكاية وأية حكاية، والآن ونحن نستمتع بسماع هذه التحفة والفلتة الفنية الرائعة "معلش" في كل وقفاتنا الاحتجاجية، ومسيراتنا التضامنية، وسياراتنا المكيفة، وريبرتوارات هواتفنا الذكية، وكلها طاقة تحفيزية وصمودية هائلة وفيها من الإيمان بالقضية وزرع الأمل في مسارها الجديد ما فيها، كيف لا وقد أنقدها من هاوية الطمس ومفاوضات الاستسلام، لكن يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، ماذا بعد الفن والجمال والطرب الهادف الأخاذ؟.

 

         إن صرخة "الدحدوح"، "معلش"، وهي تلامس شغاف القلوب الإنسانية الحرة الأبية، وتستنهض همم المقاومين والمتعاطفين في كل مكان، لا تلامسها ولا تستنهضها من أجل الشفقة والرحمة، ولا من أجل الفرجة والمتعة فقط، بل من أجل العبرة والوعي، من أجل تحميلها جزءا من مسؤوليتها وتذكيرها بجزء من واجبها نحو القضية، أقل أقل ما فيه دعم ومواكبة الطوفان وصموده الأسطوري، حتى يشارك المرء إخوانه الفلسطينيين بالقول والمعنى، في مقاومتهم وتحرير أرضهم وحماية أبنائهم والدفاع عن مقدسات المسلمين في القدس والمسجد الأقصى، ما يوجب على الجميع واجب المشاركة الفعلية والدائمة لا أن نترك الفلسطينيين يجاهدون وحدهم ويتحملون التبعات الباهظة لذلك بالنيابة عن الجميع، ولا نخجل من أن ندعي أننا معهم ونساندهم؟.

 

لذا نتساءل وقد وجب السؤال يا أمتي:

1-       كيف نحن مع واجبنا في دعم ومواكبة الطوفان، ومنا من اعتاد ما لا يعتاد من مشاهد الظلم والعدوان؟.

2-       ما رصيدنا من الدعم المالي والإعلامي والدعم النضالي بالوقفات والمسيرات، ومنا من أعيته أو يستثقلها..؟.

3-       كيف هم علماؤنا مع تبيان الحقائق والجذور التاريخية للقضية والصراع، ومنا من يقول فلسطين ليست قضيتي؟.

4-       كيف هم مثقفونا مع رفض التطبيع ومحاربة أنشطته المشبوهة في المؤسسات، والجماعات وحتى الجامعات..؟.

5-       كيف هم سياسيونا مع الحد من سياسات الإلهاء والتيه في ملفات خارج القضية، كالغلاء والخرفان والمهرجان..؟.

6-       كيف نحن مع مقاطعة المنتوجات الداعمة للكيان والعدوان، وقد بدأت تمحق كل موروثنا من الإنتــاجات الذاتية..؟.

 

7-       كيف نحن مع تبيان أوجه النصر في المعركة وهي أكثر من أن تعد أو تحصى، وكـــذلك الأوجه البشعة للعدوان؟.

8-       أين نحن من التنسيق بين الهيئات والمؤسسات للعمل القانوني المشترك على وقف إطلاق النار وحماية الأبرياء..؟

9-        أين نحن من تربية النشء على كل هذه المعاني وتشبعه بمثل هذا الفن الهادف وإتاحته فرصة التعبير عن ذلك، ومنا من ينزع مجرد "الشال" والكوفية الفلسطينية عن التلاميذ كأنهم دون كل شباب العالم الذين يتوشحونهما؟.

10-  أين مفكرونا واستراتيجيونا من البحث عن الحل، و في غيابه ستبقى دوامة العنف تدور وتدور، ولكن إلى متى؟.

 

       ولعل شيئا من هذا يجعلنا ننتصر على بعض الظروف، ونتجاوز بعض سياسات الإلهاء والتبخيس، التي تجبر المرء على الانشغال بقهره، في حين أن الانتصار على مثل هذا هو في الحقيقة أول الطريق لكل من يردد واعيا مع النشيد: " بدها صبر.. رغم القهر، خلوا العزائم فوق.." أو يردد مع "الدحدوح" صرخته: "معلش، كله فداء فلسطين"؟.

الحبيب عكي


 

اقرء المزيد

الثلاثاء، 21 مايو 2024

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

لا تؤسسوا للأسر والعوائل المعقدة

أتذكر         ذات مرة، أنني قرأت قصة لا أجد لها وصفا لائقا غير أنها أعقد من معقدة، وأجن من مجنونة. لا أدري، هل هي من الواقع المعاش أم من الخيال الفانتازي الخارق، ومهما كانت، فهي في نظري، تصف بدقة متناهية واقعا محيرا، لا يستبعد أن يكون موجودا في حياة البعض، أو هو قد شد إلينا الرحال على ظهر عواصف الصراعات الدائرة في بلدنا المشرئب نحو تعديل مدونة الأسرة، التي يصر البعض ويأبى إلا أن يخرجها – حسب مقترحاته – عن كل الهويات الوطنية الجامعة والمرجعيات الفقهية الرحبة وعن الضمانات الملكية التي أكدت وتؤكد أنها "لا تحل حراما ولا تحرم حلالا"؟.

 

      القصة تقول وباختصار: "يحكى أن رجلا عجوزا يحمل من ملامح الفضل والحكمة الشيء الكثير، قد تدخل في اللحظة المناسبة وأنقذ شابا قد أوشك أن يرمي بنفسه انتحارا في يم سحيق ومن أعلى ربوة عالية. وبعدما أنقده وهدأ من روعه، وذكره برحمة الله الواسعة ومعيته الدائمة مع العبد كلما رجاه ودعاه، وبأن لكل مشكلة حل وأن لا شيء يستحق اليأس في هذه الدنيا التي هي مجرد هباء لو كان تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا جرعة ماء ولا أطعمه لقمة غذاء، بعد كل هذا الوعظ سأله عن دافعه الذي دفعه إلى ما أراد الإقدام عليه من الانتحار والاندحار والاعصار؟.

 

     فرد عليه الشاب مذهولا: أنا شاب تزوجت من سيدة أرملة، وكانت لها فتاة يافعة مراهقة هيفاء، وعندما بلغت سن الرشد ازدادت بهاء وجمالا، رآها أبي فأحبها وأغرم بها وأصر على الزواج منها وتزوجها؟، فصرت أنا يا سيدي  صهرا لأبي، وأبي في مقام زوج ابنتي، وأنا "حمى" لأبي لأن زوجتي حماته. ثم أنجبت زوجتي ولدا لي، فأصبح ولدي "سلف" أبي، وبما أن ابني هو أخ زوجة أبي التي هي بمثابة خالته، فقد صار ابني يعد أيضا خالي؟، وحيث أن زوجة أبي وضعت له هي أيضا طفلا، فهو يعد أخي من أبي، وفي الوقت نفسه هو "حفيدي" لأنه حفيد زوجتي من ابنتها، وبما أن زوجتي صارت جدة أخي، فهي بالتالي جدتي أيضا، وأنا حفيدها، وهكذا أصبحت أنا زوج جدتي وحفيدها، في نفس الوقت، ونظرا لأنها جدة أخي فأنا أيضا جد لأخي، وبناء عليه، اكتشفت أنني أصبحت جد نفسي وحفيدها وأمها وأباها وعمها وخالها...، لأنني....، وهنا قاطعه الشيخ العجوز وقال له: كفى.. كفى.. من متاهات هذه العائلة المعقدة، لولا أن نهينا عن اليأس والانتحار لقلت لك هيا بنا إليهما وابدأ برميي أنا في اليم قبل رمي نفسك"؟.

 

      فعلا، إنها وضعية عائلية أعقد من معقدة، وتفقد العضو المتواجد فيها رشده ودوره مهما كان جنسه أو عمره أو مكانته؟، كيف لا وقد أفقدته قبل ذلك هويته ونسبه وموقعه الواضح من قرابته وأدواره المطلوبة اتجاههم؟، غير أنه لو نظرنا بعقل راجح وعين ثاقبة لوجدنا أن كثيرا من الأشياء مما يغزو حياتنا كل يوم أكثر وأكثر وبداع  وداع أو بغيره، هي أيضا ممن يفعل مثل هذا الجنون وربما اكثر ويسحق كل الأجواء الإنسانية المطلوبة في الأسر والعائلات من أجواء الآدمية والإنسانية المفعومة بالمحبة والمودة والرحمة والسكينة...، أو لا يفرخ لنا غير حشود من المطلقين والمطلقات، فتأسيس عائلة بزواج مدني مثلا، أو مثلي أو عرفي يتحلل من شريعة الحلال والحرام وحتى من كل الحقوق والواجبات المدنية نفسها؟، أو ما يريدون الاعتراف به والتطبيع معه خارج التجريم القانوني من التساكن الرضائي و "الأمهات العازبات" والمتخلى عنهم من "أطفال الشوارع"، ليجد الناس أنفسهم قد غرقوا في سياسات تحفظ لهم الحقوق وتضمن لهم جودة الخدمات التي قد لا يحظى بها غيرهم من اليتامى والأرامل، وهم الفئة التي قد يتزوج منها الأب بابنته والأخ بأخته ولا يدري؟، وكذلك عنوسة الخريجين، وإهمال المسنين، وعدم تأهيل المتزوجين أو عدم مساعدة المحتاجين أو عدم علاج المدمنين و وقايتهم القبلية من كل ما يهدد حياة الأسرة والمجتمع؟،

 

    أي نوع من الأسر والعائلات ستنتج لنا مثل هذه الظواهر الاجتماعية الخطيرة وتناميها المتسارع؟، و يا ترى هل ستراعي المدونة التي ينتظرها الشعب مثل هذه الظواهر والمشاكل الحقيقة للأسر والعائلات والجماعات والمجتمعات ككل، وتعمل على محاصرتها ومعالجتها.، أم على العكس، لا قدر الله، ستعمل على التأسيس لها بدعوى ودعوى أقلها سخافة أن الواقع قد تغير وشبع التغيير، وبالتالي على القوانين والتشريعات أيضا أن تتغير، لتستوعبه وتحرره، لا أن تتغير لتحاصره وتعالجه أو تحرمه وتقيده وتضبطه. على أي، حذاري.. حذاري.. لا تؤسسوا من فضلكم للأسر والعائلات المعقدة، للأسر والعائلات المفككة، للأسر والعائلات المتصارعة المتفجرة غير المستقرة، كفانا.. كفانا.. من سياسات وتشريعات عدم التماسك والتكافل والتضامن، كفانا من الاعصار والصراع والانفجار.. إن لدينا شرع الله الحكيم ما لزمناه وأحسنا تنزيله، وسعنا ورحمنا وأسعدنا، وما تركناه وأسأنا تنزيله، ضاقت بنا البدائل وخذلتنا وخسئنا وندمنا ولات حين مندم؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

السبت، 27 أبريل 2024

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

حكاية بنيوية من الزمن الآتي.

      وأنا أرتب بعض الكتب والمجلات في مكتبتي، لفت انتباهي جريدة قديمة كنت أواظب على اقتناء عددها الأسبوعي الذي كان دائما يتلألأ بملحقه الثقافي وكثير من إبداعات الشباب التي تكون إلى جانب كتابات الرواد الكبار ومقالات الباحثين المتخصصين في مختلف العلوم الإنسانية والكتابات الفنية والأدبية. وكل ذلك اليوم أصبح من التراث الثري المأسوف عليه، عنوان مرحلة مأسوف عليها أيضا، وهي مرحلة الصحافة المكتوبة والسلطة الرابعة فعلا، مرحلة الاعلام الصلب قبل ميوعة هذه الأيام بجل أشكالها المسموعة والمرئية، المكتوبة والإلكترونية، مرحلة القراءة المسترسلة والكتابة الهادفة والسجال الفكري والتدفق الإبداعي على المستوى التنظيري وعلى أرض الواقع المدني الميداني، " إوى الدوام لله".

 

         كان مما لفت انتباهي في جريدتي القديمة، بابها المعنون ب " منوعات مختلفة: Faits Divers" وكانت الجريدة – مشكورة – تنشر لي بعض المحاولات في هذا الباب، اعتدت على نسجها كمحاولات تدريبية في هذا الصنف الصحفي الذي لا يهتم لا بالسياسة ولا بالاقتصاد ولا حتى بالشعر والفن والثقافة، أكثر مما يجد ضالته في وقائع عادية من حياتنا اليومية، يمكن لكل منا وخاصة المبتدئين أن ينسجوها ويستقوها بالأخص من واقعهم الذي يزخر بها، فقط، مع مراعاة قالبها المعروف كما درسناه في المرحلة الثانوية: " ماذا حدث.. ومتى وكيف.. وأين ومع من.. وما النتيجة"، أو العبرة التي تكون في العادة واضحة أومضمرة ولكنها متروكة لذكاء القاريء، يجليها زمن الحدث بين الماضي الناقص والمركب".

 

         وقفت في الجريدة على حكاية من الزمن الماضي، رأيتها اليوم من الزمن الحاضر أيضا، بل حكاية بنيوية من الزمن الآتي، وكأن الزمن لا يتغير، أو ربما نحن من لا يتغيرون بقدر ما يلح علينا كل شيء في أن نتغير، ولا ندري ماذا يلزمنا وكم يلزمنا من أجل هذا التغيير الإيجابي طبعا؟. على أي، تقول الحكاية وعنوانها: " طفلة ضحية الإهمال السافر": " بعدما فشلت في مفاوضاتها مع أمها التي رفضت أن تسمح لهما بالخروج أو حتى اللعب بالقرب منها وفي حضرتها في المنزل، فخبأت لهما ألعابهما، أخذت اليافعة بيد أختها الصغيرة ذات 4 سنوات، وخرجتا خفية عن أمهما إلى حديقة الحي كذا.. بمدينة كذا.. على الساعة كذا.. خلال اليوم الأخير من العطلة الربيعية لأطفال المدارس. كان كل شيء سيمر بخير وتستمتع الطفلتان بخرجتهما، لكن حدث لهما حدث درامي كلفهما الكثير، كلفهما حياة الصغيرة البريئة، فكيف ذلك؟:

 

         بداية، عند الوصول إلى حديقة الحي، أجلست اليافعة أختها الصغرى في مقعد، وأوصتها ألا تتحرك منه وألا تغادره مهما كان، جلست بجانبها هنيهة ثم تحركت دون شعور للعب مع حشد من الأطفال رأتهم يلعبون مبتهجين بالقرب منها، بعدها أيضا تحركت الصغيرة بكل عفوية نحو حديقة مجسمات الألعاب بجوارها، امتطت ظهر حصان كهربائي لا يشتغل، وعندما أرادت ربطه بالكهرباء كي يتحرك كما قيل لها، صعقها سلك كهربائي ذو توتر مرتفع كان قد تدلى من عمود كهربائي ويتحرك حوله. أطلقت الطفلة صرخة قوية مزلزلة، وبسرعة فائقة تحلق أطفال الحديقة حولها، لقد أصبحت ممددة على الأرض، هامدة وربما ميتة رغم أنها تتنفس بصعوبة وبشكل ضعيف، علا الهرج والمرج وصراخ الحشد، حضر مسؤولو الحديقة، أخذوا يتحركون، نادوا للتو على السلطات.. على الشرطة.. على رجال الوقاية المدنية، وفعلا، حضر الكل رغم ما كان من التأخر الواضح عند البعض، لكن التأخر تأخر على كل حال، ونتائجه وخيمة، لقد ماتت الطفلة المصعوقة، حسب تحاليل رجال الوقاية التي قام الطبيب الشرعي بتأكيدها في المستشفى.

 

         وكيل جلالة الملك أعطى أمره بدفن المرحومة البريئة، ولكن أبويها طالبوا بحقوقها، لكن ضد من؟، من المجرم؟، من المسؤول؟، أو على الأصح، من المسؤول الحقيقي؟، هل هي الأم التي لم تسمح لبناتها باللعب في المنزل، ولم تتمكن من رأيتهما عند خروجهما منه؟، هل هي اليافعة القاصرة التي لم تكن مسؤولة كما ينبغي عن أختها، وتحملت مسؤولية لم تكن في استطاعتها؟، هل هي السلطات التي وصلت متأخرة وفوتت على الطفلة بصيص أمل الإنقاذ الممكن؟. هل هم رجال المكتب الوطني للكهرباء (O.N.E) الذين لم يحكموا تركيب الأسلاك الكهربائية رغم العديد من الشكايات المكتوبة التي توصلوا بها في الموضوع من طرف مدير الحديقة كما صرح بذلك؟.

 

         حقيقة، لن يكون الاتهام إلا ضد الإهمال القوي العارم والاهانة السافرة البطلة، وهي التي تكتسحنا دائما وتفتك بنا أكثر وأكثر؟. نعم، من يقصف الآن بلا شفقة ولا رحمة أطفال غزة الأبرياء؟. من يدفن كراتهم وألعابهم البلاستيكية.. دفاترهم و كتبهم المدرسية.. ملابسهم وأغراضهم الشخصية.. تحت المرعب من ركام منازلهم المدمرة عن آخرها؟. من يكسر أرجلهم ويقطع أيديهم ويغتصب براءتهم وكرامتهم وأرضهم بكل همجية وحيوانية، حتى يصعق من نجا منهم من الموت بالإعاقة واليتم والتشرد والتهجير..، كما صعقت الصغيرة البريئة بالكهرباء، فلا يستطيعون اللعب بعدها مدى الحياة وهو من حقهم ككل الأطفال؟. من أجرم ويجرم في حقهم بكل الأشكال في كل الأزمان؟، أليست هي البربرية الصهيونية الإسرائيلية وحلفائها؟. طبعا، هم ولا أحد سواهم. ولكن أيضا، حجم جحيم الإهمال القومي العارم والاهانة العالمية المتوحشة، ولا زالت تكتسحنا دائما وتفتك بنا أكثر وأكثر، رغم كل الشعارات الحقوقية المعلقة بحماقة على واجهاتنا الزجاجية المشروخة؟.

 

الحبيب عكي/ طالب سوسيولوجيا

                                                                                                 الجريدة المغربية.

                                                                                                 الأربعاء 24/04/2024


اقرء المزيد

الثلاثاء، 26 مارس 2024

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

معضلة الصهاينة أصلا مع الحياة قبل أن تكون مع غيرها

يدعي بعض المغرضين المضللين أن معضلة الصهاينة وما يحملهم على كل هذا العدوان المستعر والتدمير الشامل في فلسطين المحتلة، هو سوء حظهم العاثر والمتمثل في كون حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تقف لهم بالمرصاد وتواجه عدوانهم المتغطرس والمستمر بالفرقان والطوفان ومخططاتهم الاستيطانية الجهنمية بالرفض والنيران، ترى، ما مدى صحة هذا الاعتقاد؟، هل مشكلة الصهاينة فعلا مع "حماس" أم مع كل الفلسطينيين، أم مع العرب المسلمين ومع كل أحرار العالم والضمير الإنساني، أم فقط وأصلا مع الحياة بكل تفاصيلها؟. ما مظاهر ذلك ودعواه؟، وإلى أي حد يمكن أن يكون سعيهم الأبدي إلى إبادة الشعب الفلسطيني وحرمانه من حقه وأرضه وحريته وكرامته، حقيقة ممكنة أو مجرد وهم وسراب مستحيل؟. ولماذا هناك حتى الآن من السياسات والمعسكرات الغربية من تدعم هذه الترهات؟، في حين أن المعسكر العربي الإسلامي أصبح كالأطرش في الزفة، يدعم كل شيء وهو في الحقيقة لا يدعم أي شيء؟.

 

        يقال أن الصهيوني هو المناضل المأدلج والحركي الاستيطاني العنصري الملتزم، واليهودي مجرد عبري يحمل عقيدة التلموذ العرقية والتوراة المحرفة التي ترى ألا سبيل عليها في الأميين، بينما الإسرائيلي هو الأول أو الثاني الذي سكن أرض فلسطين قبل 1967، ولكن في جرائمهم وكوارثهم في فلسطين فكلهم في ذلك سواء، بل لا تجدهم إلا أحفاد قتلة الرسل والأنبياء، من مسخوا قردة وخنازير، ولا يزالون يتنافسون في من يفسد الحياة ويضر بأهل الأرض ويشعل فتنها أكثر وأكثر تنافس "العمل" و"الليكود" وغيرها من المنظمات الإرهابية والعابرة للقارات؟، فعندما تدخل عليك الحماية المعتوهة مثلا، تائها مهجرا ملعونا، جاءت به من الشتات العالمي بوعود بريطانية وضمانات أمريكية آنذاك، واستوطنته أرضك بإغراءات صهيونية ليقتلعك منها ويقطع عليك خلوتك وهدوؤك وسكينتك..؟. وعندما يستطيب الضيف الثقيل مقاما غير مقامه فيدعي نفسه صاحب الدار والديار، ويدعي أنها أرض بلا شعب وهو شعب بلا أرض، وأن الله قد اختاره (وليس الحماية والانتداب) ومنحه ذلك الحق..؟. وعندما يبالغ السارق في تصديق سرقته، ويؤسس عليها أبعادا تاريخية متحفية وأساطير دينية ميتة تدعي أن الأرض أرض الميعاد وعلى كل شتات العالم من الصهاينة أن يهاجروا إليها ليقيموا الدولة و"الهيكل"..؟.

 

       عندما يغيرون عنوة وبدعم الامبريالية الغربية، كل ملامح الأرض ويهودون تاريخها وأحياءها وأبطالها..، فإذا بالقدس.. "أورشليم" و تل الربيع.. "تل أفيف"، وإذا بعكا تصبح "عكو".. وعسقلان تصبح "أشكلون"...وإذا بالشمطاء "كولدا مايير" والسفاح "شارون" أبطالا قوميين لا يقهرون؟. فالكل قد تهود وتصهين ولا لغة ولا دين ولا قانون ولا مؤسسة ولا حقوق وحريات أو عادات و عبادات إلا ما كان متصهينا ولليهود الصهاينة وحدهم..؟. وإذا بكل طقوس الحياة البسيطة والأصيلة لأهل البلد تصبح جحيما لا يطاق:.. مستوطنات مسلحة وأسوار عازلة.. معابر ونقط تفتيش.. بطاقات هوية انتقائية.. بوابات إلكترونية وأسلاك شائكة مكهربة.. حرب وراء حرب وحصار وراء حصار..؟. وبين الحرب والحرب إعصار من الهدم والدمار.. وجحافل من الشهداء والأسرى.. مزيدا من المعطوبين والمهجرين واللاجئين والمفقودين تحت الركام والبدون أهل في الشوارع ..؟. بين العدوان والعدوان مزيدا من استهداف للمدنيين من الأطفال والنساء والعجزة، يقصف العدو الجبان على رؤوسهم المساجد والمدارس والجامعات والمستشفيات.. وحتى ملاجىء "الأونروا" رغم صفتها الإغاثية الدولية..؟. بل يصل بهم الحقد والجنون إلى حرق المزارع واقتلاع الأشجار، بل وتخريب المتحف والمكتبات والطرقات والمقابر..، وقطع الماء والكهرباء والهاتف والأنترنيت..، وسرقة الأبناك والمراكز الإدارية للأملاك والوثائق..؟. وعلى كونهم أحرص الناس على حياة، لكنها الحياة التي تكون لهم لا لغيرهم ولا لهم ولغيرهم، رغم ما يعتقدونه من أن هذا الغير إنما هو مجرد حيوان خلقه الله على شكل إنسان حتى يخدمهم؟.

 

       إن كل هذه الجرائم المتغطرسة عنوان بارز وحيد وأوحد لجنون صهيوني فظيع ألا وهو عبث وهم الإبادة الدائمة والمستمرة في حق الشعب الفلسطيني وطموح تحقيقها، إبادة كانت منذ كانت القضية قبل "حماس" وستظل معها وبعدها، لكن، هيهات هيهات، إن حلم إبادة شعب الجبارين لن يتحقق بكل تأكيد ، لأن القضية في الأول ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية كل العرب والمسلمين وكل أحرار العالم كذلك، وهي عندهم قضية ضمير حي الذي هو الضمير الإنساني؟، وهي أيضا قضية عقدية ربانية ستظل جذوتها متقدة ما دامت تتلى آيات مرجعيتها القرآنية : "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله" الإسراء/01. لا يمكن إدارة عجلة التاريخ إلى الوراء، فكل الإبادات التي وقعت عبره من طرف الإنسان الأبيض على غيره من الشعوب الأصيلة، تمت بين القرنين 17 و19 الميلادي، وفي حق شعوب/قبائل بسيطة بساطة حضارتها الرائعة، ولكنها لم تكن تمتد في التاريخ ولم تكن منظمة، بل كانت متناحرة إلى درجة استعان فيها بعضها على غيره بالمد الاستعماري وبسلاحه الفتاك؟.

 

      والآن، ليصطف كل معسكر إلى معسكره، وكل فيلق إلى فيلقه، وكل نظام وحلف إلى نظامه وحلفه، وليكن عمليا في أقواله ومواقفه وأعماله، فالحقيقة الساطعة ولاشك تكمن في ما ذكره د.عبد الوهاب المسيري في كتابه " الصهيونية واليهودية" ص. 97، عن الجغرافي الإسرائيلي "أرنون سوفير" وهو يقول في الموضوع: " إن الفلسطينيين سيهزموننا في غرف النوم ومدرجات الجامعات، والشعب المطلوب إبادته شعب له تراث تاريخي طويل، فهو ليس من الشعوب البسيطة، وليس مجرد قبائل متناثرة، بل هو شعب تسانده بقية الجماهير العربية والإسلامية التي تعطيه المدد المعنوي والمادي، كما تتعاطف معه كل القوى المناهضة للاستعمار، وهو شعب قادر على تطوير نفسه وتطوير استخدام السلاح بما يتناسب مع الإمكانات واللحظة  ابتداء من الحجر إلى عياش 1 و2 ثم القسام 1 و2 و3..وتنظيماته السياسية تتطور وتتحسن، بالإضافة إلى أنه قد أدرك أهمية العلاقات الدولية، وكيف أن الخارج الدولي يؤثر في الداخل القومي، وهو يعرف أن الإعلام قوة ضحمة لا يمكن تجاهلها أو ترويج أحداث تخدش في الصورة المغلوطة التي تحاول إسرائيل الترويج لها لصالحها"؟.

 

           مما يجعل كل مشروع إبادة مهما كانت واردة على مستوى الفكر والوجدان ولكنها ستظل مستحيلة على مستوى الممارسة والميدان، خاصة في عصر الإعلام الهادف والفضائيات التي تنقل أحداث كل العالم على مدار الساعة والدقيقة، وفي عهد المنظمات الجادة التي ترصد كل قضايا الحرية وحقوق الإنسان وعلى رأسها قضايا التطرف والإرهاب المجتمعي والدولي وعمليات الإبادة، وهي التي فضحت الكوارث المرتكبة ضد البشرية في "غوانتنامو"، وكشفت فضائح الجيش الأمريكي وحلفائه في أفغانستان والعراق.. وكشفت.. وكشفت.. حتى أصبح من الصعب بل من المستحيل أن يصدق أي كان أن مثل هذه الأنظمة المستبدة هي راعية الأمن والسلام عبر العالم أو أنها لا تكيل بمكيالين بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟. صحيح، أن هناك اليوم خسائر مادية وبشرية وضحايا بالألوف المؤلفة خلفتها معركة طوفان الأقصى ولا تزال، وأن الحاجة جد ماسة إلى إيقاف الحرب والعدوان، ولكن،  أليس كل هذا الذي حدث رغم هوله وفظاعته، ليس من قوة العدو الصهيوني وحلفائه - كما يقال - ، ولكن من ضعفنا وتخاذلنا ومن ضعف المنتظم الدولي الرسمي وتشرذمه؟.  

 

        حتى أنه لم يبقى من الأمر إلا هذه الوقفات الاحتجاجية والتظاهرات التضامنية للجماهير الشعبية عبر كل دول العالم. لكن، يكفيها شرفا أنها عالمية ومستمرة وتتصاعد، وإن لم تستطع إيقاف الظلم ولا إيصال اللازم من المساعدات إلى المحتاجين، فهي كل يوم تكشف كلاحة وزيف الادعاء الديمقراطي للأنظمة، وما تدعيه من أنها رهن إشارة شعوبها وفي خدمتها لا قمعها؟، ويكفي التظاهرات شرفا، أنها كل يوم تروي مأساة القرن بكل اللغات وكل الآهات تصدح بها الميادين والساحات وأثير الإذاعات والشاشات، ولا نامت أعين الجبناء؟. فهذا بكل المقاييس أفضل من الصمت والتعتيم الذي لن يكون في حقيقة الأمر إلا تواطأ ومشاركة في الجرائم التي تتم لا في صمت وهدوء بل تحت القهر و الطغيان، ليصبح الأمر على فظاعته غدا وفي كل الأحوال مجرد سؤال أكاديمي بارد للتاريخ، كيف حدث هذا ولماذا.. متى وكيف..؟، ولكن - مع الأسف - كل الأسئلة على حرارتها ومرارتها لن تعيد ضحية من الضحايا إلى الوجود قد قضى.. ولن تهدأ من روع أهله وصدمة أطفاله ساعة العسرة، وصدق من قال: "الآن.. الآن.. وليس غدا.. أجراس النصرة فلتقرع.. أو بلغة الشرع:.. واجب الوقت يعجل ولا يحتمل التأخير.. أو بالمغربي: اللي بغا يجي.. يجي بكري.. راه البكاء وراء الميت خسارة؟.

الحبيب عكي



 

اقرء المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المشاركات الشائعة