Top Ad

الاثنين، 11 أغسطس 2025

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

في البحث عن المعنى في اللامعنى.

كثيرة هي الظواهر الاجتماعية التي من الصعب جدا أن يجد لها المرء معنى أي معنى، وهي تسود في عالم اليوم، بل وتهيمن على اختياراته وتوجهاته وقراراته..، إن على مستوى الأفراد والأسر أو الجماعات والمجتمعات. ظواهر اقتصادية وسياسية، اجتماعية دينية وثقافية..، قد لا يكون لها لا أصل ولا فصل لا في الهوية ولا في المرجعية ولا حتى في المنطق العقلاني بخصوصياته الفطرية والطبيعية أو حتى الانتماء الوطني وما يقتضيه من ضوابط ومستلزمات، لكنها رائجة وتسيطر على المشهد ما دام الإعلام الهدام يروج لها كحقيقة، وما دامت السياسة والثقافة تفرضها كواقع كثيرا ما نجح عمليا في كونه أساس الديناميات والتحولات وإن بتجاوز الهويات والمرجعيات والمنطق العقلاني.

 

ففي فظائع الإبادة الجماعية في غزة الشهيدة السعيدة المجيدة، وصمت "الضمير العالمي" وعجزه عن فرض اتخاد أي موقف عملي لإيقافها، أي معنى لكل هذا الظلم والعدوان الصهيو – أمريكي في عهد مجلس الأمن الدولي وما يرعاه – أو يفترض أن يرعاه – من السلم العالمي وحق الشعوب في التحرر ومحاربة الاحتلال والاستيطان؟، أي معنى للأخوة الإسلامية والرابطة الإنسانية في ظل كل هذا التخاذل الرهيب والفرجة المعتادة على المأساة، بل وتطبيع بعض الأنظمة الجبانة مع العدو، وإغداق بعضها الآخر بسخاء على "ترامبولا" المجنون ما يمول به الحرب وزيادة؟، والوفاء له بكبت حرية شعوبها حتى في تنظيم فعاليات تضامنية مجدية وعدم فتح معابر النجدة لمرور المساعدات.

 

أي معنى لقتل نساء وأطفال شعب أصيل مسالم؟، لتدمير البيوت على أهلها بالليل والنهار؟، لحرق الأرض والخصوبة وشجر الزيتون المبارك؟، لدك المساجد والكنائس على المصلين، لإعطاب المصابين وتشريد الناجين وتهجير الباقين إلى الجحيم..؟، لقصف المستشفيات والمدارس، وتجمعات توزيع المساعدات، لبناء المستوطنات على الأراضي المغتصبة؟، لتكثيف معابر التفتيش الجهنمية والاسلاك الكهربائية على الطرقات، لرفض جوازات وتصاريح المرور الممنوع بأي وجه كان؟، لغلق المعابر حتى في دول الجوار؟، لملإ سجون الاحتلال بالأبرياء حتى من الشيوخ والأطفال؟، للاستنبات الدائم لمخيمات اللاجئين؟، لرفض عودة المبعدين؟، لإفشال كل وساطات المتدخلين حتى المنحازين لكيانهم، وخرق مواثيق الاتفاقيات السابقة وقوانين المنتظم الدولي لمنع الحرب وحفظ السلام؟.

 

أي معنى للصمت إذا وجب الكلام وقد وجب؟، وأي معنى للخذلان إذا وجبت النصرة وقد وجبت؟، أي معنى للعجز إذا وجبت القدرة وقد وجبت؟، أي معنى للحرب والدمار إذا وجب السلم والأمن وقد وجب واستوجب؟، لا معنى أي معنى عند الأقوياء غير الظلم والعدوان؟، لا معنى غير الجبروت والطغيان؟، ولا معنى أي معنى عند الضعفاء غير الذل والهوان؟، لا معنى غير الجبن وعمل الشيطان؟، لا معنى غير التشرذم كشظايا النيران يحرق بعضها بعضا؟، لا معنى غير التفريط في تعاليم الرحمان والامساك بما ارتضاه من حباله للإنسان؟. لا معنى أي معنى غير العبث واليأس والاستسلام لحديث القصعة والغوثائية: " يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قيل: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل.. حب الدنيا وكراهية الموت"؟.

 

إن المعنى واللامعنى لا يسود أحدهما إلا على حساب الآخر كالحق والباطل، فلا يمكن أن يكون المعنى في بعض مظاهر الحياة وهو غائب في جلها فكيف بأهمها؟، فهل ساد اللامعنى حتى غاب المعنى أو يكاد، أم أنه لا يزال المعنى حتى في اللامعنى، وبالتالي يصبح من أوجب واجبات المتعاطي مع الشأن المجتمعي وديناميات التنمية والإصلاح، أن يبحث عن ذلك المعنى في ذلك اللامعنى بدل اختزال غير المختزل وتشويه ما لا يشوه، لأن كل قول وفعل يحتمل المعنى ونقيضه، وحتى الأشياء في الطبيعة دلالتها مما يعطيها الإنسان، ولا يمكن التعامل الإيجابي معها إلا بفهم المعنى من النقيض، ولكن هيهات هيهات؟، يحكى أن طفلا في أحضان أبيه أراد جلب انتباه ليلعب معه وهو مشغول عنه بقراءة الجريدة، فما كان من الطفل إلا أن مزقها في وجهه؟، الدافع مفهوم وله معنى والفعل مرفوض وبلا معنى؟، وقيل لإحداهن في متوسط العمر احتراما: " يا حاجة"؟، فردت رافضة بسباب فاضح: " أمك اللي حاجة"؟، رافضة بذلك الحج والاحترام وما لف لفهما من أجل أن تبقى على صورة شابة صغيرة ليست حقيقتها وهي تعلم ذلك.

وقياسا على ذلك، أي معنى أيضا للرغبة الجامحة لبعض الشباب وعزمهم على الهجرة متى فتحت لهم الأبواب واتجاه ما فتحت؟. أي معنى حتى لمن لم يهاجروا ومهرجان تافه يجمع منهم ما لم تجمعه هموم الأمة ولا حتى همومهم المزمنة؟. أي معنى في من يزين لهم الهدر العلمي ويشيطن لهم النضال السياسي ويضطرهم إلى اليأس والقعود والعزلة إن لم يكن الانحراف وهم أحوج ما يحتاجون إلى الاستقامة والنهوض والحركة والترافع والتدافع؟. ما المعني الكامن في الصراع المحتدم بين الخطابات الدينية من الخطاب السياسي حد الثورية إلى الخطاب الطقوسي حد القبورية؟، ما المعنى الكامن وراء كل هذا التشظي الهوياتي من أقصاها التوحيدي رغم التعدد إلى أقصاها التجزيئي رغم المصير المشترك؟. هذه الهلوسة الكروية العارمة، إلى أي حد هي حامل تنموي فعلي أو مجرد شجرة تخفي من الغابات ما تخفي؟، أي معنى في التهجم على من يدعو إلى محاربة البطالة والعنوسة وقد ولغت في أوساطنا بالملايين وبلغت أرقاما لا تطاق ( 8 ملايين)؟، أي معنى في من يطبعون مع الأشكال الجديدة والمنحرفة للمعاشرة بين الجنسين وهي لا تخدم لا الأسرة ولا المجتمع ولا حتى ضحاياها، أين كل أوجه هذا اللامعنى المعاصر من أوجهه القديمة وغاية ما تمثل فيه بعض الحشو والتكرار في الكلام أو بعض الجمل الاعتراضية معلومة الدلالة أو الفارغة التي لا محل لها من الاعراب؟.  

 

إن اللامعنى هو ضد المعنى وغيابه في الأمر، وهو تيار فلسفي قديم ساد مع الوجودية والعبثية ل"ألبير كامو " و"جون بول سارتر".. "مارتن هايديغر".. "فرانز كافاكا".. "صمويل بيكيت".. "أوجين يونسكو".. وكلهم ممن أبدعوا في التنظير الفلسفي والأدب المسرحي والروائي العبثي العدمي، وهو طافح بما يرونه من أن الكون - حسبهم - فيه عبث وفوضى ولا وازع ديني أو قيمي وأخلاقي فيه بعض المعنى.. إن الإنسان عندهم حر في حد ذاته وهو مسؤول عن أن يضع معنى لحياته وأن يختار ما يريده لا ما يراد له من أي كان؟، وهكذا وبوهم الحرية الوجودية والذاتية العبثية قد يدخل المعتقد بهذه الأفكار في مغارة من التيه والحيرة والاضطراب لا تنتهي في الغالب وعبر التجارب المريرة إلا بالخواء الروحي واليأس النفسي والحيرة والاضطراب والانسحاب والاكتئاب والضياع إن لم يكن الانتحار أحيانا كثيرة، قال تعالى: " أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم" الملك/ 22؟.

 

إن الوجودية هي مشي في الطريق الخطأ، كمن دخل في الظلام وهو يريد الولوج إلى النور، أو من أراد الذهاب إلى مسجد في الجنوب فإذا به في ملهى في الشمال، هي عبث وأقصى درجات من العزلة ومن الفردانية الغارقة في المتعة اللحظية مهما كانت تافهة فكيفي صاحبها أنها تضرب عرض الحائط بكل ما هو معايير اجتماعية وقيم دينية وأخلاقية أو حتى أية إمكانية لفعل جماعي راشد من المعتقدات أو من الموافقات التي تحترم المعنى، فكل فرد في وجوديته يعتبر عالما في حد ذاته ولا ينبغي له الاصغاء إلا لذاته واختياره – بغض النظر – أكانت هذه الإصغاءات والاختيارات الأخرى مناسبة وعلى صواب  محل إجماع وقوانين أم لا ؟، ف"نيتشه" أعلن موت الإله لينصب بدله الذات الإنسانية والحرية والحداثة..، و"سارتر" يرى أن: " الجحيم هو الآخرون"، وبالتالي وضدا على "فرانكل" صاحب مدرسة العلاج النفسي بالمعنى، لا مكان لأحد أن يرفض سلوك الآخر مهما اتصف باللامعنى أو يتدخل في حياة أحد ويعطيها بعض المعنى، فالوجوديون في وهمهم يوجدون والعبثيون في عبثهم يعبثون، وسيظلون كذلك ما لم يدركوا أن الأمور الجادة إنما تدرك بالأمل والعمل وثقافة المعنى لا باليأس والاستسلام وتفاهة اللامعنى؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الجمعة، 1 أغسطس 2025

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

أين في غزة.. حق حماية الأطفال في مناطق الحروب ؟.

         ليس من باب الاعتقاد في أن المنظمات الحقوقية القومية والدولية بإمكانها فعل شيء أو بيدها فعل ذلك، وقد فضحها عجزها وصمتها الرهيب تجاه ما يجري أمامها من تدهور الأوضاع الحقوقية في غزة من طرف العدوان الصهيو – أمريكي عدو الإنسانية الذي لم يترك جريمة حرب بشعة إلا وقام بها عن ترصد وإصرار، كل يوم تخلف ضحايا في الصغار والكبار، وهو يفلت من العقاب بل حتى من مجرد المتابعة والمساءلة وكأننا في قانون الغاب يأكل فيه القوي الضعيف، لا أمم متحدة ولا مجلس أمن ولا منظمات حقوق الإنسان أو محكمة عدل دولية، إلا ما كان أمم حق القوة لا قوة الحق ومجلس الانحياز للطرف الظالم وتسخير كل شيء له بالتغاضي والكيل بمكيالين؟.

 

         وليس من باب تجزئ حقوق الإنسان الفلسطيني التي ينبغي أن يتمتع بها كاملة غير منقوصة، لا أن يغني بعضها عن بعض كإغناء حق حماية الأطفال في مناطق الحروب والتوترات والكوارث عن غيرها من الحقوق الأخرى والأساسية. فالحقوق منظومة نسقية متكاملة لا تدور عجلتها في الاتجاه الإنساني اللازم والمثمر إلا بسلامة كل أجزائها وتضافر كل مجالاتها واحترام كل شروط نشرها وتعميمها دون اعتبارات الزمان والمكان واللون والجنس والدين واللغة... كما يقولون، غرضنا إذن: "تبع الكذاب حتى لباب الدار" لعله يدرك أنه على نفسه يكذب وأن الجميع قد أدرك ذلك، فليلعبها لعبة حقوقية جادة وصادقة وإلا فهو شريك في المأساة لا يوقفها ولا حتى يحكيها؟.

 

           وطوال تاريخه الحافل بالصراعات والتوترات الدولية المريرة والممتدة، ومساهمة منه في تهدئتها وإخمادها وحفظ شيء من الأمن والسلام والتمكين لإنسان الحرية والكرامة والتعايش والعقلانية، وضع المنتظم الدولي ونسخا عنه القومي والوطني حقوقا أساسية للإنسان في كل المجالات ولكل الفئات وأخذ عن عاتقه أن يتمتع بها الإنسان كل الإنسان دون اعتبارات – كما قلنا – لا للزمان والمكان ولا اللون والجنس أو الدين واللغة...كما يقولون، وإمعانا في بلوغ أهداف الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي والنوعي والفئوي، فقد خص الأطفال كل الأطفال بحقوق متميزة عبر اتفاقيات وعهود ومواثيق وبروتوكولات وملحقات..، لا تلبث أن ينقح بعضها بعضا بما يجعلها أكثر شيوعا ونجاعة.

 

   حقوق صادقت عليها معظم دول العالم فأصبحت بذلك مجبرة على تنفيذها في سياسات حكوماتها وأجرأتها في برامج بلدانها تحت إشراف ورعاية الأمم المتحدة ومساعدات ومساءلة صندوق نقدها الدولي. ومن تلك الحقوق المعتبرة والمتميزة في الحقيقة: حق حماية الطفل في مناطق الحروب والنزاعات والتوترات والكوارث بضمان أمنه وسلامته الجسدية والنفسية، وتوفير مأكله ومشربه ملبسه ومأواه، والابتعاد عن إشراكه في الأزمة مشاركا يحمل السلاح يعني "مجندا صغيرا سلاحه أطول منه" أو مستهدفا بأي شكل من الأشكال كمدني في بيئة مدنية يمكن أن يخرجه ذلك من الطفولة البريئة والحياة الاجتماعية السليمة والنمو الجسدي والنفسي الطبيعي.

 

    فأين هذا الحق الدولي والإنساني في ما يحدث من العدوان الصهيو – أمريكي على أطفال "غزة"؟. جاء في اتفاقية حقوق الطفل الدولية/1989: حق حماية ورعاية الطفل.. حق الحياة والبقاء والنمو.. حق المشاركة والتعبير.. الحماية من العنف والأذى والاستغلال الجسدي والاقتصادي والجنسي.. والإعالة والرعاية التربوية والصحية..، فهل أطفال غزة اليوم لا يؤذون جسديا ونفسيا وصحيا ومدرسيا.. وهم كل يوم تدمر عليهم ديارهم (22300 منزلا  مهدما أحدث منهم 20 ألف طفلا شهيدا بما يعادل 60% من مجموع الشهداء).. يجوعون حتى الموت ولا مساعدات (650 ألف طفل مهدد بالمجاعة و 36500 شاحنة مساعدات محبوسة على أبواب المعابر).. ييتمون بالآلاف حتى يتفرج عليهم مشردين من نزوح إلى نزوح (44573 ميتم).. تبتر أطرافهم فلا يجدون لا أطرافا ولا دواء ولا مستشفى (48  مستشفى مدمر).. تهدم مدارسهم ( 156 مدرسة) ومساجدهم (833 مسجد و3 كنائس).. فلا أمن روحي ولا جسدي ولا اجتماعي ولا نفسي..؟.

 

  وجاء في اتفاقية جنيف/1949 وبروتوكولها التكميلي/1977 .. ضرورة منع تجنيد الأطفال أو الاتجار فيهم بالبيع أو الاتجار الجنسي والمواد الإباحية..، وضرورة حمايتهم من كل هذا في الحروب الأهلية وأثناء النزاعات الدولية، وهو عمل تم فعلا في 50 دولة وجماعة مسلحة؟، فأين مثل هذا العمل الحقوقي الميداني في "غزة"؟، من يواكب مآسي الأطفال في غزة ؟، من يضمد جراحهم، من يرد جوعتهم، من يخفف روعتهم، من يهدئ نفسيتهم..، من يبلغ عنهم وكل الشاشات قد بلدت حواسنا بصورهم المؤلمة؟، من يتخذ أي إجراء لمنع هذه الكوارث وقد تبلد الضمير الإنساني بفظاعتها، أي طفل من البشر أو حتى من الحجر يبتلى بما ابتلي به طفل فلسطين ثم يستكين بعيدا عن المعركة وهي معركة أمته ومقدساتها، معركة وطنه التحرري وإخوته وأجداده، بل معركة شرف كل الإنسانية؟.

 

   وجاء في قرار مجلس الأمن 1612/2005 حق وجوب الرصد والمراقبة والإبلاغ عن كل خرق لحقوق الطفل في أي زمان وأي مكان وممن كان؟، وكم كانت المعارضات وجمعيات المجتمع المدني الحقوقي تنشط في هذا المجال وتدبج تقاريرها التي ترفعها إلى الأمم المتحدة وإلى المنظمات الحقوقية الدولية كتقارير موازية لتقارير الدولة وضدها، مما يضغط على نظامها الحاكم بحق أو باطل فتضطر حكومته لتحريك البرك الآسنة وهي مرغمة، أين هي الآن كل هذه الجمعيات ولماذا ابتلعت لسانها، لماذا انتهت دلائلها وتكاوينها ومرافعاتها؟، لماذا هي عاجزة عن فعل حتى ما فعله أحفاد "مانديلا"؟، كما جاء أيضا في القانون الإنساني الدولي:.. منع الهجوم على المدنيين والأطفال والبنيات التحتية المدنية، ورغم ذلك فالكيان لا يلبث يقصف الملاجيء والمساجد والمدارس ومآوي توزيع المساعدات وتقديم الإسعافات ك"UNRWA" وكل شيء تتخذه بكل خسة وسفالة قنصا للقصف العشوائي على المدنيين الأبرياء. هل هذه هي حقوق النساء والأطفال والشيوخ؟. أو هل صحيح أن هذه الحقوق ومنذ أن وضعها الغربيون قد خصصوها لبني جلدتهم لا لغيرهم، وبالتالي لا غرابة ألا ينال غيرهم منها إلا صداع الرؤوس وانفجارها؟.

 

 إن العدو الصهيوني وحلفاؤه الأخساء ليسوا لا أقوياء ولا خارقين بل أجبن الجبناء وأضعف الضعفاء، ولكنهم يفعلون فينا ما يفعلون من جرائم بشعة وضد الإنسانية لأنهم يأمنون العقاب وفي كل مرة، وقديما قيل: " من أمن العقاب أساء الأدب"، لهذا ونحن نعبر عن صدق تضامننا مع إخواننا في غزة، فهل نستطيع شحذ وسائلنا المتاحة والمشروعة وتفعيلها بشكل تناسقي مستمر حتى نساهم قدر المستطاع في صدق إسنادنا للمقاومة، كثيرة هي وسائل التضامن مع القضية ولعل أهمها في الوقت الحالي والأوضاع الراهنة هو: هل نستطيع الحفاظ على منظومة فكرية عقائدية صافية تجاه القضية مهما كانت مكلفة وممتدة: نحن أصحاب الأرض.. أصحاب الحق.. ولا سبيل لاسترداده إلا بخيار المقاومة والجهاد.. اعترف بذلك المعترفون وتبناه المتبنيون أو استوحشه المستوحشون واستبعده المستبعدون؟.

 

  أيضا، تثمين كل وسائل المقاومة الشريفة بمقاييس الإيمان والإرادة والنصر في السماء لا مقاييس القوة والفتك والتدمير على الأرض والذي يحسنه حتى ملاعين المتوحشين. ينبغي تثمين التعاطف الإنساني والتضامن الشعبي العارم وغير المسبوق الذي أصبحت تحظى به قضيتنا العادلة، واستثمار ذلك من أجل مزيد من الدعم والنصرة والترافع لكسر الحصار عبر المزيد من فعاليات وابداعات النشطاء والشعوب من الوقفات الاحتجاجية والمسيرات المليونية والرحلات البرية والبحرية لفتح المعابر، وحملات المساعدات لإرواء العطش وكسر التجويع، المقاطعة الواسعة والدائمة وإسقاط التطبيع بكل أشكاله..، وكل ذلك شكل من أشكال جعل القضية قضية كل فضلاء الإنسانية عبر العالم، يترافعون عنها دوما وعن أبنائنا ونسائنا وشيوخنا وبكل الوسائل والأشكال ضد الاحتلال والاستيطان الذي هو أصل البلاء وأصل ما تسلط عليهم من العدوان والحرمان والطغيان، الذي يبدو أنه قد تمرغ اليوم في وحل التجويع والتعطيش حتى الموت، وحل الجبن والخسة والدناءة يسجله التاريخ ضده بأقصى هزيمة، فمن ذا الذي سيمحوها عنه وكيف، وهل تمحى أصلا "قرقرات" الجوعى و"غرغرات" العطشى.. تأوهات ضحايا المساعدات ومقصوفي المستشفيات..، وكثير منهم شيء من ذاك هنا وذلك هنالك؟.

 

*الأرقام من البيان رقم 892 الصادر عن المكتب الإعلامي الحكومي إلى غاية 650 يوما من حرب الطوفان.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الأحد، 27 يوليو 2025

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

ما وراء الظواهر الاجتماعية ؟


       إن الظاهرة الاجتماعية في علم الاجتماع، تعبر عن واقع اجتماعي تتجسد فيه الأفكار والمعتقدات والقيم والسلوكات وكافة العلاقات والتفاعلات البنيوية والهيكلية بين الأفراد والجماعات والمجتمعات. ولإن كان الرائد السوسيولوجي الألماني "ماكس فيبر" قد تحدث عنها بنوع من الاستخفاف لكون الفاعل الاجتماعي - في نظره - له هوية ومرجعية يختار وفقهما ويقدم على ما يقدم عليه من أقواله وأفعاله الاجتماعية بنوع من الحرية والإرادة والمنطق العقلاني والاستراتيحي، فإن الرائد السوسيولوجي الفرنسي "إيميل دوركايم" قد تحدث عنها في كتابه "قواعد المنهج في علم الاجتماع" بما يجعلها حتمية وقدرية وحاسمة في كل شيء، فقال أنها تاريخية، متكررة، موضوعية، قهرية تفرض نفسها على الأفراد، توجد قبلهم وتبقى بعدهم، وهي تحدد اختيارات وتوجهات الأفراد والجماعات والمجتمعات ونوع التفاعلات السائدة بينهم وحتى الصراعات والديناميات التي تنشأ بينهم، كما هو الشأن في ظواهر اللغة والدين.. والزواج والطلاق.. والبطالة والهجرة.. والجريمة والعقاب..، تفرض معاييرها على الجميع ولا سبيل للانفكاك من قيودها إيجابية كانت أو غير ذلك.

 

            الظاهرة الاجتماعية أو الحادثة الاجتماعية أو حتى الفعل الاجتماعي..، ورغم ما يوجد بينهما من فوارق وتداخلات فإن لها جميعها أشياء ظاهرة وأشياء خفية، لا يتم التعاطي الحقيقي والأجدى معها إلا بإدراك ذلك الوجه الخفي فيها على قول "غاستون بشلار": "لا علم إلا في ما هو خفي"، ولا يتم إدراك هذا الخفي إلا بدراستها كما يقول "دوركايم" دراسة وضعية كأشياء مجردة خاضعة للمنهج العلمي وأسسه من الملاحظة والتجريب والتحليل والتركيب والاستقراء الكمي والاستنباط الكيفي..، بعيدا عن كل ما يمكن أن يضرب في المنهج العلمي والحقيقة الاجتماعية الصرفة والمجردة، لا كما تتصورها ذاتية الباحث أو حتى إمكانياته أو كما تفرضها أحيانا كثيرة بعض الضغوطات الاجتماعية الرسمية أو الاختيارات الأيديولوجية المؤد لجة للباحث أو حتى إغراءات المؤسسات البحثية بتمويلاتها السخية أو ادعاءاتها في الجودة والخبرة المعيارية (ISO)، لأن كل هذا يفقد الباحث المصداقية وينحرف به عن الحقيقة العلمية ويجعله يسوق لوهم حقير يجعل الناس في معاركهم ضد مظاهر التخلف والفساد وكأنهم "دونكشوطيون" مهما واجهوا من طواحن هوائها وأعراضها زادت واستفحلت وأزمنت، فالهجرة مثلا لها مظاهر وأسباب ومآلات متعددة ومتداخلة، لم تفلح البشرية إلى اليوم في الحد منها ومن أضرارها لأنها وفي أحسن الأحوال تعالج مجرد أعراضها؟.

 

            قديما، بحث "جورج زيمل" في ظاهرة الفقر والتسول، وعلى عكس السائد من الحس المشترك واليقين الوهمي الدافئ، وجد أن سبب ظاهرة تسول الفقراء في المجتمع الألماني هو ما يقدمه هذا الأخير للمتسولين من مساعدات اجتماعية كأفراد و كمؤسسات؟. وهذا ليس من باب دعوته إلى عدم الصدقة والرحمة والإحسان والتضامن..، إنما تلك المساعدة هي التي تمنع المحتاجين - في نظره - من المبادرة الذاتية لتحسين أوضاعهم وإنقاذ أنفسهم، خوفا من أن يحرموا مما يتلقونه من المساعدة الموجودة والمضمونة على هزالتها؟. وسواء اتفقت مع الرجل في تحليله أو لم تتفق، فهذا ما نعيشه اليوم مع سياسة مأسسة التسول والمساعدة الاجتماعية عبر الوطن، حيث كثير من الأمهات والأسر يتخلى معيلوها عما كان قد توفر لهم من العمل في الجمعيات والتعاونيات ..، خوفا من أن يصعد مؤشرهم الاجتماعي فيحرموا مما ألفوه من المساعدة الاجتماعية الشهرية ولو كانت هزيلة لا تغني من شيء، ولكن على قول المثل: " قليل دائم خير من كثير منقطع"، وهذه أحوال يعيشها المحتاجون أيضا في إسبانيا و إيطاليا وأمريكا..، مما يحرمهم من تغيير طبقتهم الاجتماعية أو حتى الرقي داخلها؟. من هنا ندرك قيمة الإسلام في معالجة الظاهرة عندما أتى الرسول صلى الله عليه وسلم رجل فقير يسأله شيئا، فأعطاه فأسا وأمره بأن يحتطب، فاحتطب وباع واشترى.. وكسب من عرق جبينه، سابقا بذلك من قال بعده بالمشاريع المذرة للدخل أو "لا تعطيني سمكة بل علمني كيف أصطادها"؟.

 

            أيضا "سيرج بوغام" في كتابه "ممارسة علم الاجتماع"، وهو يبحث في الفقر والهشاشة حاول في البداية أن يظهرها مثل الآخرين على أنها ظاهرة اجتماعية عادية، الكل يسمع بها ويتحدث عنها، الاعلام يتناولها في مختلف الوثائقيات والحوارات، ويظهرها على أنها ظاهرة تاريخية وعالمية للناس معها تجارب وتجارب، ليغوص بعمق في ما بعد إلى ما وراء الظاهرة من سياسات عمومية واختلالات اجتماعية واضطراب في القيم والمعايير والتضامن والروابط الاجتماعية؟. فمثلا، حادثة إلغاء أضحية العيد عندنا، ورغم الاستجابة الواسعة لها من طرف المواطن، بل وانطباع الفرح بها أحيانا كثيرة، هل كانت الدواعي والحيثيات المتداولة مقنعة؟. هل أنقدنا القطيع الوطني أو في تدابيرنا ما سينقده؟، هل أوقفنا استيراد اللحوم الأجنبية وقد بلغت حوالي 20 % من الاستهلاك الوطني؟، هل السبب يكمن فعلا في الجفاف والتغييرات المناخية؟. كيف وفي دول الجوار أو حتى في دول المشرق لم يتم فيها الإلغاء وعندها نفس الظروف المناخية القاسية وأشد؟، كيف نتحدث عن الجفاف ونحن نزرع الخضر والفواكه الأكثر استهلاكا للماء مثل "الأفوكا" و"البطيخ" الأحمر..، ونصدرها إلى الخارج وكأننا نصدر الماء مجانا؟. أليس في هذا أيضا دخل للسياسة العمومية وتجاهل شكوى المواطن بغلاء الأسعار وقد أرهقت وألهبت حتى الطبقة المتوسطة فلم يعد بمقدورها تلبية حاجياتها الأساسية فبالأحرى تحريك المعهود منها من عجلة الاقتصاد؟.

 

            وكذلك العديد من الظواهر الاجتماعية التي تحدث الكثير من الضجيج اليوم في الصحة والتعليم والتنمية والديمقراطية والريع والتطبيع..، مما هو أقصى جدي إلى ما هو أقصى هزلي يطرح السؤال الحارق: .. هل سنضمن الحق الدستوري للمواطن في الصحة بمجرد هذه القوافل الطبية المتجولة؟، أو حتى بنبت وفطر المصحات الخصوصية في المدن الكبرى؟، لماذا نفشل في محاربة الهدر المدرسي والجامعي رغم ما نمنحه للتلميذ (ة) والطالب (ة) من دعم وفرص لا تنتهي؟.  هل يمكن تحقيق الجودة وتكافؤ الفرص في المدرسة المغربية وهما غير موجودتان في المجتمع؟،  هل يمكن تدريس جيل لا تعني له المدرسة شيئا أي شيء، غير ما يحدث فيها من العنف والشغب وشتى أنواع الانحراف الذي يكون له جسرا من الإعلام والمحيط المدرسي إلى داخل الفصول الدراسية؟. ظواهر الفقر والهشاشة.. التفكك الأسري.. العزوف عن الزواج.. الهجرة القسرية.. العدوان الظالم على غزة والصمت والخذلان.. كبت الحريات.. التطرف.. المخدرات.. التفاهة.. "موازين" وفرضها والدفاع عنها بحجة الحضور الجماهيري المكثف والمتعدد الأذواق، مع العلم أن علاقة المهرجان لا بالفن ولا بالذوق أصلا تناقش، وأن من لم يحضروه ولا حتى شاهدوه عبر الشاشات أكثر كثافة وبالأضعاف؟، ولماذا "موازين" الرباط فقط وفي كثير من المدن وحتى القرى "موازين" و"موازين" في ترويجها للمخدرات لا تقصر وفي جرأتها على العفة لا تكل وفي إفسادها للذوق لا تنتهي؟.

 

            ولكن، كيف بهذه المهرجانات تجد من سخاء الدعم وقوة البرمجة وجهود الإنجاز ما لا يجده غيرها من المشاكل التنموية الحقيقة للجماعات؟، على أي أساس علمي أو تنموي أم مجرد مصالح وصفقات وأكل أموال الجماعات بطرق تستعصي على الحسابات والمتابعات؟، لا تنمية حقيقية بدون دراسات علمية واقتصادية، سوسيو-ثقافية..  موضوعية ورصينة، تظهر حقيقة الظواهر والمعضلات الاجتماعية على حقيقتها خاصة وخاصة جوانبها البنيوية الخفية، لأن الظواهر في الغالب تخفي ما لا تظهره ولا يتسنى للفاعلين والمتدخلين مواجهتها بما يناسب وبشكل فعال دعما أو محاربة إلا بمعرفة الظاهر والخفي. ومن أجل ذلك لابد من دراسة الظاهرة/المشكلة من جميع جوانبها لأن طبيعة الأشياء أيضا أنها تكون معقدة ومركبة، نسقية ومنتظمة، لا يغني فيها التعاطي مع جزء واحد منها دون بقية الأجزاء. ثانيا، عدم الاكتفاء بالوجه البراق والدعائي للأشياء فقد تكون مزيفة غير حقيقية، وكذلك بين الدكتور "مارسيل كوبر" بعد 30 سنة من دراسته للسقي النقطي في المجال الفلاحي وفي العديد من الضيعات الفلاحية محل هذه التقنيات في مختلف الأحواض، فوجد أن هذا النوع من السقي (Goutte à Goutte) وعلى عكس ما يشاع عنه فهو لا يقتصد في استعمال الماء بل يسرف فيه بسبب الأحواض المائية التي يجمع فيها ويتبخر قبل الاستعمال وبعده، وهو أي السقي النقطي وراء تأثر الفرشة المائية العميقة وانقراض بعض المزروعات التقليدية والإيكولوجية وبطالة الشباب القروي وهجرتهم إلى المدن؟.


   
                                                                                         الحبيب عكي  



اقرء المزيد

الأربعاء، 16 يوليو 2025

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

أيت بوكماز.. وسؤال تنمية الجبل في المغرب

        لله ذر الفنان الساخر وقد كان يثير - منذ عقود - أزمة صعود "القرد الفلاحي" إلى الجبل بدعوى عزمه على تنميته ومساعدة أهله في تيسير أمرهم وتحسين حياتهم، بما سيمنحهم من ديون سخية لدعم مزروعاتهم وتوفير أعلاف بهائمهم وتثمين حرفهم التقليدية واستقرارهم في الجبل بشكل عام. لكن أهل الجبل لم تسعفهم ظروفهم القاسية وعدم تنظيمهم إلا على استثمار "قرودهم" في معيشهم اليومي من حفلات الزواج ومآتم الطلاق.. ومواسم الأولياء وفي أحسن الأحوال حراك نحو المدينة للقطع مع الجبل والترحال والطرق الوعرة وكل الجغرافيات والمناخات الصعبة؟. وحتى من أسعفته نيته وتشبته بموطنه واستمر فعلا في الفلاحة وحفر بئرها واستخراج مائها، وشراء تقنيتها وأسمدتها، فإن التغيرات المناخية قد اشتدت عليه أكثر وأكثر، فلا منتوجات قد حصد ولا ديون قد رد، إن "القرود" قد أدمنوا على الفساد، إذا صعدوا جبلا خربوه وكذلك يفعلون؟.

 

        أين الجبل مما سجله التراث العالمي الزاخر الفاخر الساحر حوله؟، أين عنزة السيد "سوغان" من كانت تصعد وحدها حرة طليقة إلى الجبل فتفرح وتمرح، تطوف حول خرير المياه في المروج وبهاء الشلال وبياض الثلوج .. تصهرها أشعة الشمس الدافئة، في توازن بيئي إيكولوجي بين الرشد الإنسان والتنوع النباتي والتعدد الحيواني، الجبل كان على الدوام مأوى الجميع ومنبع كل الخيرات ومصدر كل الثراء والعطاء والسخاء الدائم للجميع، معادن نفيسة وجواهر كريمة سطحية ومطمورة، وقود أحفوري وفحم وملح حجري، غابات كثيفة وهواء نقي صحي يداوي من العلل والأسقام، أعشاب عطرية طبية، منسوجات صوفية وحرف تقليدية متنوعة ومزدهرة، سياحة جبلية عبر مواقع تاريخية وأحداث أسطورية، منتجعات لرياضات التسلق والتزحلق، غنى العادات والتقاليد الفطرية الأصيلة، وكلنا يتذكر ما كان من تقدم بين أهل السفح وأهل الجبل في العهد القريب للتبادل والمقايضة والسوق الاسبوعي، عهد رابح ..رابح.

 

         لكن، يبدو أن ليست "القرود" وحدها من صعدت اليوم إلى الجبل فخربته، بل "الحلاليف" و"الذئاب" بكل أشكالها ومن على شاكلتها أيضا، وإلا فمن فتك بعنزة السيد "سوغان" ليلا في غفلة منه؟، من سبب حزنه وقوى أوجاع الثري المسكين على رفيقة دربه الوفية السخية، يعطيها حبا وعشبا ترعاه في كل مكان وتعطيه لبنا وزبدا رابيا لذة للشاربين. من أخرج ساكنة "أيت بوكماز" الهادئين (حوالي 33 قصرا) عن بكرة أبيهم بالآلاف في مسيرة عزة وكرامة، وحقوق ومواطنة، وعدل وإنصاف، ينشدون ما ينشدون في حر الصيف من السلطات العليا قبل الدنيا، وقد قطعوا كبارا وصغارا من المسافات الطوال ما قطعوا، ورفعوا من الشعارات الصاخبة والآهات الصادمة ما رفعوا، ودبجوها من الرسائل والمطالب ما يبتك الآذان، هي في قواميس التنمية وشعاراتها المجالية والمستدامة بدائية، ولكنها وعبر عقود وولايات من التجاهل والنسيان..، لم يكن لها عند أحد ممن كان موطئ قدم أي موطئ؟.

         وعمليا، وكأن السياسات العمومية قد تناستها، والقطاعات الحكومية قد تجاهلتها، وعجز عن تلبيتها من خاض الانتخابات البرلمانية باسمها، ومن تصدر مقاعد الجماعات الترابية الجهوية منها والقروية، بل حتى السلطات المعينة وجهة المسيرة الاحتجاجية للساكنة بقيادة رئيس جماعة المنطقة لينضاف بحراكه الاجتماعي إلى حراكات ملتهبة منطفئة في "الريف" و"جرادة" و"العيون" و"زاكورة" و"فكيك" و"تطوان"...، ولكن هذه المرة من العالم القروي، وعشرات القرى مثل "أيت بوكماز" تئن في صمت، ناهيك عن الحراكات الفئوية المتقدة الكامنة للأساتذة المتعاقدين.. وأطباء الغد.. وأئمة المساجد والخطباء.. والممرضين والمتقاعدين.. ممن يملؤون شوارع الرباط العاصمة كل حين، لتأكد حقيقة واحدة أن المغرب في دينامية اجتماعية مستمرة وحارقة، ولكن من يراعيها؟؟. مطالب "أيت بوكماز" : إصلاح طريق لفك العزلة، طبيب قار للصحة العامة، سيارة إسعاف، شبكة أنترنيت، ملعب القرب، مركز التكوين في المهن الجبلية ضد البطالة والهجرة،  بناء سدود تلية للحماية من الفيضانات..، فقط.. فقط ولكن هذا يستدعي احتجاجا وحركا اجتماعيا - وربما من يدري - في مغرب كأس العالم 2030؟.

 

إنها مطالب أبسط من بسيطة، بمقدور مجرد المحسنين إنجازها، فكيف عجز عنها "البرنامج الوطني لتنمية الجبل" نسمع بضجيجه ولا نرى خراجه، و"الصندوق الوطني للتضامن بين الجهات"، و"الصندوق الوطني لمحاربة الكوارث الطبيعية"، و"المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، و"الوكالات الجهوية لتنمية "الأركان" و"النخيل" و"التفاح" و"المزاح" و"حب الملوك".. في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب"؟. كيف عجزت عنها وحتى عن التوسط فيها أحزاب سياسية أنشأت لعقود وولايات لتنمية الأرياف وإنصاف العالم القروي خصيصا؟. أين المجتمع المدني ومشاريعه الوطنية والدولية، من يمنعه من تعبئة الرأسمال المتاح لمواجهة مثل هذه المعضلات التنموية؟، إن هناك خللا وشيئا ما ليس على ما يرام، إن هناك شيئا ما ينقصنا، لعل أهمه بالدرجة الأولى هو الصدق، الصدق في ما نقول وما نعمل، والصدق في مدى نشداننا للعدالة الاجتماعية والانصاف الجهوي والمجالي، ناهيك عن مستلزماته من شعارات الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج؟.

 

أكيد، أن أجيال اليوم قد تغيرت - كما قال السيد رئيس الجماعة - يهاجرون خلال السنة إلى مناطق قريبة وبعيدة من المنطقة، وعندما يعودون في مناسبات العيد، يقارنون بين ما عند الآخرين وما ليس عندهم، يبحثون عن مجرد ملعب للقرب لمبارياتهم الحبية، عن مركز ثقافي للترفيه وهي حق من حقوق الأطفال والشباب، عن شبكة الأنترنيت في المقاهي كما تستدعي الحياة المعاصرة..، فلا يجدون.. لا يجدون؟، فكيف تريدهم أن يصبروا، أو أن يعتقدوا بالأمل في غد أفضل أو في إصلاح أشمل يمكن أن يأتي فيه دورهم يوما حتى تتمتع قريتهم بما يتمتع به الآخرون، خاصة أن تأثيرات المدينة والعولمة في القرية لا تخفى على أحد؟. وهنا السؤال للسيد الرئيس المحترم، هل ترون أيها المناضل في مطالب حراككم الاجتماعي على بساطتها ومشروعيتها وما حظيت به من التضامن الشعبي الواسع، هل ترون فيها ما يمكن أن يساهم في الاستقرار الحقيقي للساكنة والحد من تراجع القيم وضعف القدرات والهجرة والبطالة.. وغيرها من أسباب مآسي الشباب؟. التنمية تثمين موارد مادية ورأسمال بشري وقيم جماعية نهضوية، فماذا تثمن من منتوجات جبالنا وأريافنا وحتى مدننا، ماذا نعطيها من أدوار تنموية مناسبة ومستدامة حتى لا تتقهقر مثل المدن المنجمية بعد غلق مناجمها؟.  

 

مساهمة منا في هذا الاتجاه، إليكم بعض التجارب الدولية الناجحة في تنمية الجبل وعوالم الأرياف، ففي سويسرا والنمسا ونيوزيلاندا والصين وكوستاريكا.. وكلها ذات تضاريس وعرة ومناخ صعب، ولكنهم يستثمرون الجبل في إنتاج اللحوم والألبان ومشتقاتها والجلود والأخشاب وصناعاتها والأصواف والأوبار وملبوساتها، بالإضافة إلى السياحة الجبلية بملايين الوافدين من أجل رياضات المشي والتسلق والتزحلق ومنتجعات الاصطياف، ومراكز تثمين المنتوجات التقليدية والعادات الأصيلة في الاستهلاك مثلا، وهنا يمكن الإشارة إلى جماعة "أوريكا" عندنا وكل اقتصادها قائم على مجرد "وادي" والسياحة الجبلة ببعد وطني ودولي؟،  وفي الهند وهي بلد الفقر والهشاشة والكثافة السكانية الهائلة، قد استثمرت في التكنلوجيات الحديثة للتعليم عن بعد، مما أتاح لها الرفع من منسوب الوعي لدى المتعلمين وبالتالي تحقيق العديد من النتائج الإيجابية لديهم.. مشاريع مدرة للدخل، التعليم لمحاربة الجهل والأمية، تحسين الخدمات الصحية، محاربة الهدر المدرسي والزواج المبكر وكثرة الإنجاب...، والأهم من كل ذلك الاستقرار ومحاربة الهجرة والفقر والبطالة...، نرجو الاستجابة لمطالبكم الاجتماعية البسيطة والمشروعة، وبكل صدق لمطالب العالم القروي والأرياف والجبال، فإنها قلب ورئة هذا الوطن؟.

                                                                                                                                                                                                                الحبيب عكي 


اقرء المزيد

الجمعة، 25 أبريل 2025

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

كل البنات .. لمياء.. وكل النساء .. ابتهال ..

      أتذكر، وفي أحداث ما سمي بالخميس الأسود في الوسط التعليمي المغربي، وما عرفه مما مورس من عنف شنيع على حشود غفيرة من الأساتذة المتدربين، اثر خروجهم للتظاهر والاحتجاج يوم الخميس 7 يناير 2016، ضد مرسومي الحكومة التي نقضت عهدها بالتراجع عن المعهود من ربط التكوين بالتوظيف، فابتدعت ما أسمته بالعمل ب"التعاقد" وهو بؤس غريب عن ميدان الشغل من شأنه أن يطارد الموظف دائما بالخوف على مستقبله المهني والمزاجية في تقييم الأداء، وكذلك تم خفض منحة التكوين إلى النصف (1020 بدل 2450 درهم) بدعوى توسيع عرض التشغيل الذي لم يوتسع، ما لم يستسغه الأساتذة المتدربون فخرجوا بالآلف (10 ألاف الذي هو عددهم وما يماثلها ممن تضامن معهم) في مختلف المواقع  للاحتجاج ضد ذلك والعمل على إسقاطه، فنالهم من التدخل الأمني العنيف ما نالهم مما خلف في صفوفهم مئات من المعنفين الجرحى والمعطوبين ناهيك عن الاغماءات في صفوف النساء.

 

         بيت القصيد أنه كانت من الضحايا، أستاذة متدربة من موقع إنزكان أكادير تسمى "لمياء التريكي"، شج رأسها وسالت على وجهها الدماء، ولم تجد حتى من الاسعاف إلا زملائها الذين شدوا رأسها بما أسعفهم من أكفهم ومناديلهم؟. بيت القصيد أيضا، أن الأستاذة "لمياء" وهي في حالتها العصيبة، كانت ترتدي وزرة بيضاء وحجابا "كرونا"، ولم تمضي إلا أيام قليلة حتى أصبح حجابها بلونه الدامي الأحمر القاني، على رأس كل التلميذات والطالبات بل والأستاذات والموظفات وكل شرائح النساء؟، ليس ذلك لجمال لونه وبهاء شكله وحداثة موضته فحسب، بل لرمزيته ورسالته التي وجهتها كل المتدربات وكل المرتديات من نساء المغرب إلى الجهات المعنفة وإلى من ورائها من صناع القرار الحكومي آنذاك، بأنهن كلهن "لمياء" مغربيات حرائر ويرفضن العنف والإهانة و"الحكرة" وهن ضد سلبهن حقهن في التوظيف وفي الإضراب.. وفي التعبير والمشاركة في التغيير.. وفي.. وفي.. وهن ضد.. وضد.. ؟.


         واليوم بنفس المنطق ونفس النفس النضالي، ما أن ظهرت المهندسة المغربية الشجاعة "ابتهال أبو السعد" تفضح الشركة الدولية العملاقة والعابرة ببرمجياتها لكل القارات، وبمعلومياتها لكل المجالات، فضحتها بتواطئها مع الكيان الصهيوني وبأنها تدعمه ببرمجيات في الذكاء الاصطناعي تمكنه من إبادته الجماعية بدقة متناهية للأبرياء المدنيين والمقاومين الفلسطينيين في "غزة" الشهيدة المجيدة السعيدة، أطفالا كانوا أو شيوخا ونساء..، فالكل تدمر عليه المباني وتقذف في وجهه المتفجرات، تشعل في أرضه الحرائق.. وعبر معابره يمنع دخول قوافل المساعدات..، فينتعش الموت والاعاقة والتشريد، ولكل من تبقى التهجير القسري أمام كل أنظار العالم، ومهما تظاهرت شعوبه فقد تخاذلت أنظمته وضدا على كل المواثيق الدولية والحقوق الآدمية، وحق حرية واستقلال كل الشعوب أرضا، دينا ولغة..؟.

 

         بيت القصيد، أن "ابتهال أبو السعد" في موقفها البطولي الشجاع هذا، كانت قد ظهرت بحجابها الأسود الأنيق وكسوتها ذات اللون البني المفتوح، كسوة سادلة فضفاضة ولون بني أنيق وجميل، ولم تمضي إلا يومين أو ثلاثة حتى بدأت أرى النساء في الشوارع يرتدين مثل لباس "ابتهال"، وفي المسيرة المغربية التضامنية المليونية التي كانت في الرباط يوم الأحد 13 أبريل 2025، كان اللباس ملفتا للنظر أكثر وأكثر، وكأن شركة أو شركات كانت قد أعدت للمشهد شهرا أو أشهرا من قبل، فاستغلت حدث المسيرة للترويج لبضاعتها والتي نفذت عن آخرها حسب المشاهد الطاغية في المسيرة، والواقع أن لا شيء من ذلك حدث؟.

 

         إنه مخزون الرفض والمقاومة والتضامن الكامن في جوهر المرأة المغربية، والذي لا يتحين غير فرصة زعيم(ة) قدوة أو حدث تنظيمي يوقظه من كمونه وينطقه عن صمته ويغير بوصتله عن فرجويته، وحتى ما قد يبدو عليه أحيانا من التيه والفرجة أو الانشغال بتفاهة المواقع عن مأساة الواقع، إنه ليس كذلك، إنها مسألة سطحية عابرة، "إن المغاربة (كما يقال) هم الجد كل الجد حين يحين الجد"، جد شجاع.. جد مقدام.. جد بطولي.. مقاوم.. مقاطع.. مسعف.. مغيث.. متضامن بكل أشكال التضامن من أكثرها جماعية وجماهيرية إلى أقصاها شخصية وفردانية. ولعل طول وفداحة الحرب العدوانية على "غزة" الشهيدة المجيدة السعيدة، قد أنطق وسينطق كل الصامتين (ة)، وسيتحدى كل الأنظمة المتخاذلة والمطبعين المهرولين..، لا مكان للحياد اليوم، من لم يستطع المشاركة في المعركة فليدعهما، ومن لم يستطع فليشهر لها وليحكي عن أبطالها وداعميها لباسا، كتابة، رموزا فنية..، وذلك أيضا من الدعم؟.

 

         ما الذي يدعو النساء والشباب عموما إلى ارتداء لباس الأبطال والمشاهير والاقتداء بهم وبهن كمعجبين ومعجبات؟. سوسيولوجيا ونفسيا قد يعجب المرء بالنمط الجمالي للشهير (ة) ويرغب في الظهور بمظهر أناقته، خاصة وأن التأثير الإعلامي كثيرا ما يدفع في هذا الاتجاه، كما يدفع في اتجاه التعبير عن الذات والرغبة في الانتماء إلى عالم الفاعلين في عالم كثر فيه القطيع الذين لا يحركون ساكنا شرا فعل بهم أو بغيرهم؟. هذا عموما فكيف بنموذج بطلتينا "لمياء" و"ابتهال" وفيه ما فيه من الجرأة والشجاعة، من الدفاع عن القضايا العادلة، من عدم المبالاة بجدل القيل والقال ولا بمصير الوظيفة والمستقبل المكبل المذل، رفض الظلم و"الحكرة" والاصطفاف إلى جانب الحق وأهله ويؤثرون من أجل ذلك التضحية والتحدي، بدء من تحدي النفس واستكانتها قبل الجبروت والطغيان، لابد للمرء أن يكون له هدف يقوده بيده وإلا أصبح من أهداف ومخططات الأخرين..، وهذا دور الثقافة الأصيلة دائما تجدد نفسها وتلعب دورها ومهما علا  صاحبها شيء من غبار وأتربة الزمان والذل والهوان، فلابد أن يلفظه ويعود إلى أصله وفطرته ويعرف أنه لا يصح إلا الصحيح: " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".. و "يؤكل الثور الأبيض يوم أكل الثور الأسود"؟.

 

         أخيرا، تضحية "لمياء" وزملاؤها الأساتذة قد انتهت (كما تعلمون) ولو بعد عقد من الهدر والمراوغة المتعاقبة إلى ربح المعركة وربح الوطن بالتراجع الاضطراري على المرسومين المشؤومين سبب الحيف على المدرسين، فهل ستنتهي انتفاضة "ابتهال" ومؤيدوها بالملايين إلى نفس المصير، فتتغلب قوة الحق على حق القوة، كيف ومتى؟. أكيد، هذه سنة الحياة وحياة كل المقاومات، سنة صراع الحق والباطل. لكن، يبقى السؤال كما في أحد الأشرطة السينمائية القصيرة الرائعة، حين سيعترف العالم بعد عقود بهذه النكبة التي أردت أخلاقه وضميره في الهاوية، ويسأل الحفيد جده: "وماذا كنتم تفعلون يا جدي؟.. هل اكتفيتم بالتفرج على مشاهدة الإبادة على الشاشات؟، "Shame on you"؟، قالها "الحفيد" وقالتها "ابتهال" وقالتها "لمياء" عندما ارتديتا حجابهما المقاوم وسترتيهما المناضلة، فماذا سترتدي أنت؟، ارتدي كل شيء مما تريد، فقط، لا ترتدي ما يشج رؤوس إخوانك المقاومين البواسل من الخلف وهم يدافعون عن شرفك وشرف الأمة، لا ترتدي قميص برمجيات الذكاء الاصطناعي الغبي وتتصرف كأنك الغبي وأنت الذكي، لا ترتدي ما سيصرخ به التاريخ في وجهك ووجه أمثالك لا قدر الله: " Shame on you"؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

السبت، 1 مارس 2025

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

سؤال التنمية، ولماذا كل هذا الاستعصاء؟

       طوال تاريخها العريق، والتنمية بشكل عام تعرف أنماطا متعددة، منطلقات.. حوامل.. وغايات، كما أنها لم تكن تحقق أهداف شعوبها الكمية والكيفية في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية..، وإن كان بعض من ذلك فببروز مشاكل وتحديات جديدة وبأعراض جانبية لا تكون في الحسبان، بل وصعبة التجاوز وحتى الفهم والاستيعاب أحيانا. لكن الأقوام، ومن صدق تعاطيها مع معركتها ضد التخلف والحرمان، فإنها لا تفقد الثقة في نسق التنمية هدفا ووسيلة، بقدر ما تبحث في تجديد منظومته وإصلاح أعطابه النظرية والتطبيقية لعلها ترسو على نموذجها التنموي المناسب لها علميا وعمليا.

 

            في الدرس الجامعي، نجد سوسيولوجيا التنمية في شعبة علم الاجتماع تعرف التنمية في المجمل بأنها: "تحول مقصود من حالة معينة معطاة إلى حالة أخرى بنائية يحكم عليها بأنها الأفضل، اقتصاديا روحيا واجتماعيا"، وهي حالة تتقاطع بشكل ما مع العديد من الديناميات النهضوية والاصلاحية كالتطور.. والتقدم.. والتغيير.. والتحديث..، وهكذا تعددت التجارب التنموية عبر العالم من النموذج التقليدي المرتكز على الزراعة والتنمية بالأحواض إلى ما قبل 1948(فرانسوا بيروكس)، فتجربة التحديث والثورة الصناعية إلى 1960، وهو نموذج اقتصادي يهدف إلى النمو و إلى إعادة ترميم ما دمرته الحروب العالمية في الدول الغربية وفق مخطط "مارشال" الذي يرى التنمية في دول الجنوب مجرد حتمية خطية تصاعدية وإدراكها من طرف الجميع مجرد عامل زمني لا غير(والت روستو/1955)؟.

 

            لكن هذه الدول الفقيرة والمستعمرة، لم تدرك في الحقيقة غير مزيد من استنزاف مواردها وتدهور أنظمتها البيئية وشيوع مظاهر التخلف فيها بشكل أعمق، ليتدخل النموذج الاشتراكي/الماركسي في صراعه المحموم مع المعسكر الليبرالي الرأسمالي، يعد دول العالم الثالث والتي تحررت للتو من الاستعمار الغربي أو تكاد، بأنه يملك لها مفاتيح التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.. تحقيق المساواة وانهاء الصراع الطبقي..(كارل ماركس)، لتجد الدول المستقطبة نفسها وإلى حدود عقود 1970 و1980 في مجرد استبدال مجاني/أيديولوجي للتبعية من المعسكر الرأسمالي الغربي إلى التبعية للمعسكر الشيوعي الشرقي، دون تنمية تذكر غير مزيد من التبعية والتي تعدت التبعية الاقتصادية إلى التبعية السياسية والاجتماعية والثقافية..، والتي لم يكن للدول الضحايا من منفذ للخروج من ورطتها الأيديولوجية إلا سقوط جدار برلين 1989 وفشل بروستريكا "غورباتشوف" في الاتحاد السوفياتي.

 

            وخلال عقود 1980 إلى 1990 كان حظ التنمية في العالم أن تقع في أحضان "النيو ليبرالية" ومخالب العولمة والنظام الدولي الجديد، كانت تستثمر في صلافة مؤسساتها الدولية العملاقة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وما فرضاه على الدول السائرة في طريق النمو من سياسة التجارة الحرة (Gatt) وإعادة الهيكلة وفرض الخوصصة التي باعت العديد من مؤسسات الدولة، مع ضرورة نقص الانفاق العمومي على القطاعات الاجتماعية للدول..، وسياسة إغراق الدول بالديون المشروطة والمقيدة ومزيد من الديون لإعادة ما تراكم منها، والذي لا يعاد منها شيئ بسبب الفساد، مما خلف احتقانا اجتماعيا لدى هذه الدول بزيادة معدلات البطالة والتفاوت الاجتماعي والاحتجاجات، ولم يخلق لها أي موطئ قدم تجاري في التجارة الدولية لأنها لم تستطع منافسة الدول الكبرى لا في إنتاجها ولا في جودتها وخدماتها أو تنافسية عروضها وعلاقاتها؟.

 

              ومنذ التسعينات إلى اليوم، ربما يمكن القول بأن النماذج التنموية العالمية قد عرفت ثورة غير مسبوقة، أولا، بإبعاد التنمية عن نموذجها الاقتصادي الصرف (القاصر والفاشل) إلى نماذج أخرى أجدى وأنفع وأشمل، نذكر منها:

1-  نموذج التنمية البشرية: والتي كانت ترعاها الأمم المتحدة (أمارسيا سين/1999) والذي جمع في نموذجه التنموي بين البعد الاقتصادي والخدماتي (الصحة والتعليم) الدخل الفردي والعائد الحقوقي/الحريات ومدى ارتفاع معدل أمد الحياة.. وقد أصبح عندنا اليوم 74 سنة، وعند بعض الدول كاليابان 84 سنة.

2-  نموذج التنمية المستدامة: (بيروت لوند/1987) والذي يرى التنمية هي تلبية حاجيات الأجيال الحالية دون المساس بحق الأجيال القادمة، وهي بذلك تتسم بالاستدامة للطاقات والموارد وتجمع بالضرورة بين ثلاثة أبعاد وهي البعد الاقتصادي (الدخل القومي والدخل الفردي) والبعد الاجتماعي والبعد البيئي المخفف من التغيرات المناخية.

3-  نموذج التنمية المجالية: (برنار بيكوير/2000)، وما تتسم به من المقاربة التشاركية بين مختلف الفاعلين الرسميين والمدنيين ومن والحكامة الجيدة وما تفضي إليه من عدم احتكار القرار من طرف أي جهة كانت، خاصة الجهات الرسمية المركزية التي يصبح رأيها مجرد رأي بين غيره من آراء الآخرين؟، وهي تنمية تعتمد على النتائج على أرض الواقع وباستثمار التكنولوجيا الذكية لحماية الأنظمة الإيكولوجية، ولمحاربة الفقر والبطالة والهجرة..

 

   والآن، وعودة إلى الحالة المغربية، والتي كانت لها الجرأة على إعلان فشل نموذجها التنموي القديم واستنفاذ أغراضه، وكذلك الجرأة في الإعلان عن إعداد وتبني لنموذج تنموي جديد واعد ورائد، إلا أن السؤال يبقى ملحا وحارقا، خاصة على ضوء تاريخ التجارب التنموية العالمية وما عرفته من نجاحات وإخفاقات، وتجزية أوقات في أوهام تنموية وانتظارات لا يتحقق منها شيء ذي بال مما يحتاجه الوطن والمواطن؟. فنموذجنا التنموي الجديد، إلى أي مدى تخلص من عوامل فشل النماذج السابقة؟، من التبعية.. والحوضية.. والمديونية.. والأحادية الفلاحية أو الصناعية..؟. من الطواقم البشرية الفاشلة والمكننة غير المعقلنة واضطراب في القيم الإنتاجية والاجتماعية..؟، ما جدوى الحوامل التنموية الجديدة كالسياحة والثقافة والرياضة والفن.. وما سياسات تثمين ما تزخر به البلاد ويمتلكه العباد من هذه الموارد التنموية المحلية والمستقبلية؟.

 

 أية برامج تنموية علمية وعملية يمكن أن تجعل من تنميتنا شمولية تكاملية تضامنية مادية ومعنوية منا وإلينا ولصالح جميع الفئات وفي جميع المجالات؟، ما نتبناه من نماذج تنموية هامة "بشرية".. "مستدامة".. "مجالية"..، ألا يعتري تدبيرها العديد من الاختلالات رؤية وممارسة؟، فهل هناك من بوادر التدارك، وما معالمها؟، أم مجرد المعهود من بوادر إخلاف الموعد وهدر الزمن التنموي (حالة الدستور الجديد وقد مر على وضعه عقد ونصف من الزمن، وربما ما لم يفعل فيه من المواد أكثر مما فعل على علل التأويل من طرف البعض من غير ذوي الاختصاص وممن هم غير مكلفون ولا مؤهلون لذلك، وكأن تأويل الأشياء سلبا أو عدمه سواء، وكأن تنمية الأوطان أو شبهها أيضا سواء، ألا ساء ما يحكمون يا نموذج يا تنموي يا جديد، التنمية تنمية ولها قيمها مؤشراتها ومعاييرها..، بوجودها توجد وفي غيابها تغيب مهما ادعى المدعون وأول المأولون)؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الثلاثاء، 18 فبراير 2025

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

امتلاك قرار وسيادة الأمة بناء ومقاومة.

       لكم يفخر المرء عندما يشعر بانتمائه الصادق إلى وطن عربي واسلامي، يتمتع بقيم تضامنية وهوية حضارية عريقة، كان من المفروض أن تتمتع عراقة أنظمتها وتماسك مؤسساتها بما يلزم من القدرة على حماية نفسها وضمان استقرارها واستمرارها وهي تمتلك سيادتها وتتحكم في قراراتها، ما يمكنها من حماية الوطن والمواطن والتآزر مع شعوب الأمة والمستضعفين، وفي الحين ذاته لكم يحزن المرء عندما يحس ألا شيء من هذا يحيط به أمنا وعناية، بل ويدرك أن ما بينه وبين هذه القيم الإنسانية النبيلة والمعايير التضامنية الخلاقة مواقف منحازة و متضاربة وكأنها ألغاز غريبة ومعقدة وفي ذات الوقت واضحة غير مبهمة ولكنها تدع الحليم حيران، إذ كيف تتضامن مع العدو الظالم وكأنه صديق حميم، وتتحامل مع الصديق المظلوم  أو به عند الشدائد لا تبالي في أحسن الأحوال.

 

            اعتدى الكيان الصهيوني الغاشم على إخواننا الفلسطينيين في غزة..، ومن الأنظمة العربية الفاسدة من حركت آليات استبدادها وقمعها درعا حاميا للعدوان وكأنه يعتدي باسمها ونيابة عنها، فلم يستطع مواطنوها لا تعبيرا في العير ولا دعما في النفير؟. صمت العالم الغربي وتفرج قادته بكل برودة على مأساة القرن في غزة، وحتى من تجرأ من مواطنيهم على الاستنكار في وقفات ومسيرات احتجاجية سلمية ضد الاستكبار فقد حاكموهم وكأنهم مجرمون أشرار، بل وحاكموا حتى محكمة العدل الدولية ضدا على ما كانوا يدعونه من حقوق العدل والحرية للجميع؟. وأمريكا، لم يكفيها دعمها ومشاركتها في العدوان والإبادة الجماعية لسكان غزة، وها هو رئيسها المعتوه يتمادى في جنونه ويهدد الفلسطينيين بالتهجير من عزة ليحيي التاريخ الأسود للتهجير من وإلى فلسطين، ويجدد بذلك مسيرة الاستيطان والضم غير المشروع لأراضي فلسطينية ضد على الشرعية الدولية التي رفضت ذلك ولا زالت ترفضه.

 

            أمام هذه التطورات الخطيرة والحلقات الجهنمية غير المتوقعة، أما كان للأمة العربية والإسلامية أن تستيقظ من سباتها وأن تخرج عن صمتها؟، أن تنبذ فرقتها وعجزها وتعلن عن وحدتها ودفاعها المشترك عما تبقى من هويتها ومقدساتها وعلى رأسها القدس الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين؟. أليس في الأمة وقادتها وعلمائها وزعمائها "معتصم" ولا "صلاح" يمكنهما لم الشعوب ورائهما في هبة استغاثة لآهات الثكالى وأنات الأطفال عبر فجاج المعابر المغلقة والمحكمة للحصار على مدى عقدين، واليوم تحل بقدرة قادر على المجهول والضياع المؤكد؟. هل استنفذت الشعوب دورها في نصرة القضية بمجرد بعض الوقفات الاحتجاجية والمسيرات الصاخبة، بحت فيها أصواتها ولا آذان لمن تنادي؟، هل سيصبح التطبيع المرفوض شعبيا حلوا مستساغا على مرارته وليس بعد فظاعته وتدميره لقطاع غزة عن بكرة أبيها، أمكن مما كان؟، هل يموت الحلم العربي الممكن ويصبح وهما لينتعش الحلم الأمريكي المستحيل في العالم العربي والإسلامي طوال الحروب الصليبية، ويصبح حقيقة؟.

 

            إن مقدرات الأمة كبيرة، وما يمكن أن تضغط به على أعدائها أو حتى تقايضهم به سياسيا واقتصاديا أكبر، أعداد جيوشها جرارة، وأسلحتها من كثرة الراحة لا زالت تصدأ، خيراتها تحت الأرض وفوق الأرض لا تنضب، حماس شعوبها للنخوة والإباء والتضحية من أجل ذلك لا يوصف، فما ينقص قومنا لتحقيق ما نصبو إليه من بعض العزة والكرامة؟. لا ينقص أمتنا في الحقيقة غير صدق النية وتحرير الإرادة.. غير امتلاك القرار والسيادة..، وهذه مسألة بناء ومقاومة وصمود، ولكن كيف يمكننا تحقيق ذلك؟:  

1-  إذا لم نملك بعد ما يكفي من الوعي واليقظة واليقين بأن حياة التحرر من مخططات العدو وجزره وديونه ومساعداته مهما كانت حقيقية أو وهمية شحيحة أو سخية إلى حياة ذاتية مهما كانت صعبة أو قاسية هي بداية النهضة وهي الأفضل.

2-  إذا لم نتوكل على الله ونثق في قضائه وقد قضى على المسلمين بمحاربة العدو الذي يحاربنا في ديننا ويستنزف خيراتنا ويخرجنا من ديارنا.. ويستحيي نسائنا وأبنائنا، وفي الجهاد الأكبر والأصغر والبين بين حياة وأي حياة لأولي الألباب، حياة النصر والشهود أو الشهادة.

 

3-  إذا لم نتخلص من السياسات الاستعمارية التي لا زالت ترهن بلداننا لجشعها بنهب الموارد وسرقة الطاقات وجعلها تحت رحمة اضطراباتها الاقتصادية والسياسية وتلاعباتها بالمصالح القومية للشعوب.

4-  إذا لم نتحكم في سياستنا النفطية والغازية والبرية والبحرية بل وفي رؤوس أموال الحكام والأغنياء وهي التي تتعرض للمصادرة والتجميد في أبناك الغرب كلما كان هناك توتر وصراع دولي حقيقي أو حتى مفتعل.

 

5-  إذا لم يتصالح الحكام مع شعوبهم ويشيعوا بينهم قدرا من الثقة المتبادلة والخدمات التنموية والممارسات الديمقراطية والمواطنة المعيارية لصالح النهوض بالوطن والمواطن حقوق حرية، مشاركة وحكامة.

6-  إذا لم نعزز جهود الوحدة العربية والإسلامية الثقافية والاجتماعية مع ما يلزم ذلك من الانفتاح على كل الإنسانية التي تؤمن وتدافع عن العدالة الاجتماعية ومنطق التعايش السلمي والتعاون الدولي رابح رابح.

 

لم يعد مقبولا أن تخشى الدول الحرة والمستقلة من أمريكا ولا من غيرها، تحت مسمى العقوبات ولا المساعدات أو الاتهامات المجانية بالتسجيل في اللوائح "الإرهابية" أو الحرمان من المؤسسات "الدولية"؟. إن أمريكا هي من يصح في حقها كل تلك القذارة، هي أم الإرهاب، هي من تجتاح الشعوب وتسيطر على خيراتها، هي من تحتاج إلى الشعوب، وأخطبوطها العسكري والاقتصادي الثقافي والعولمي في كل بلد، شركات ضخمة ملوثة عابرة للقرات(ماكدو.. كوكا.. بيبسي.. نايك..)، فلو جعلت الشعوب في فمها قطعة نار مثلما هي تفعل، لاحترقت وتأوهت وتدحرجت نحو الهاوية؟، لكنها القابلية للاستعمار كما يقول "مالك بن نبي"، الدول هي من تمسك باقتصاد أمريكا وأمريكا تعتقد أنها من تمسك باقتصاد العالم، ويصدق ادعائها المصدقون، ونتيجة هذا التصديق الأرعن، ها هو قارونها "ترامبولا" يأمر الغزاويين بالتهجير، وكأنهم من مواطنيه أو هم من انتخبوه عن بلدتهم غزة؟. أم هي الحرية الغربية وحقوق الإنسان التي ينعيها كما نعاها الكيان الصهيوني الغاصب ب"دمقرطة" الحديد والنار ظنا منهما أن هذا سيتيح لهما التدخل بشكل سافر في شؤون الاخرين وحق شعوبهم؟.

 

ما أحوجنا إلى إعادة بناء الأنساق الفكرية والمعرفية والثقافية لعالم اليوم، قبل إعادة أنساقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما أحوجنا إلى المقاومة، وقد رأينا كيف أن المقاومة الفلسطينية وقبلها كل المقاومات التحررية في العالم، كيف رغم تفاوت ميزان القوى بينها وبين المستعمر الظالم، ورغم ضخامة التضحيات، لكنها في النهاية هي التي تنتصر، لتأكد أن الصحيح دائما والسالك هو قوة الحق لا حق القوة؟. إن المقاومة عقيدة وعبادة، قيم وأخلاق، تضحية وجهاد، عدالة وصمود..، ولهذا يكون مصيرها في النهاية وعلى الدوام النصر أو الشهادة، المقاومون الغزاويون استشهدوا ببسالة، ولم تكن لهم أرصدة مالية في أبناك الغرب حتى يجمدها، ولا إقامات فاخرة حتى يخشون تحطيمها؟، وإنما يصنعون حياتهم بما لديهم ولو تحت الأنفاق ولا يفرطون في العقيدة والجهاد والقيم والأخلاق وحب الوطن الصادق، وهو الدرب والمشوار وهو القبلة والمنارة، ولا تيه يا رفيق بعد وضوح الطريق.

 

يحكى أن "أنديرا غاندي" سألت جدها: " لماذا تنشأ الحروب"؟، أجابها: " لينهار التعليم والصحة"، قالت: " وماذا بعد انهيار التعليم والصحة"؟، قال: " تنهار القيم والأخلاق"، قالت: "وماذا بعد انهيار القيم والأخلاق"؟، قال: "وماذا سيفعل الناس في بلد لا قيم فيه ولا أخلاق.. لا عهود ولا مواثيق، لا عزة ولا كرامة..، الجحيم أرحم لهم"؟، هكذا وهكذا فقط، بعون الله ووحدة الأمة وقوة إرادتها وسيادتها، بمقاومتها وصبرها واستمرارها وصمودها، سيكون تهديد كل طاغية جبان، مجرد صيحة في واد ونفخة في رماد، وغزة عروس فلسطين، كذلك كانت ببسالتها وستبقى باستبسالها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والخزي والعار لكل الطغاة والمتجبرين والمتخاذلين والمطبعين؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المشاركات الشائعة