Top Ad

الجمعة، 13 أكتوبر 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

في مقاومة الوعي الزائف ضد طوفان الأقصى.

سبحان الله، يبدو أن "طوفان الأقصى" المظفر، جاء بالنصر المؤزر في وقته وبزخمه وفي اتجاهه، وسيحرك العديد من المياه الراكدة، ويجرف العديد من النتوءات الآسنة، ويقتلع العديد من الفطريات السامة والأتربة المترسبة والمحنطة على كثير من الأعمدة الصدأة المنخورة، ولكنها لازالت تتعلق بقشش البعير وتدعي بعرة الوعي والرأي والسداد وإن في وهم المسلسل الحمضي لما يسمونه بالمفاوضات والسلام (المفاضحات والاستسلام) التي طالما رأت فيها عاصما من القواصم ونجاة على الأقل في كبرى العواصم، وهي في الحقيقة لا تعدو كونها مثل نجاة ابن نوح عليه السلام، إذ قال له أبوه الرسالة والوعي والأمة: "يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين"، قال: "سآوي إلى جبل يعصمني من الماء"، قال له أبوه وهو يراه قد أدركه الطوفان: "لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج وكان من المغرقين" هود/43.

 

وأكيد أنه لم يمضي وقت اختنقت فيه الأمة وهزمتها الأزمة ولفتها الغمة من كل جانب ومتاهات فقدان البوصلة واضطراب الملة، وهوان الموطن والمواطن والأخ والصديق في الذمة، لم يمضي وقت كهذا الوقت الرتيب العصيب، فما أن بدأ "طوفان الأقصى" بهجوم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على الكيان الصهيوني الغاصب، وبشكل مفاجئ يوم 7 أكتوبر 2023 المبارك، حتى طفحت على مجمل منصات التواصل الاجتماعي ومجمل البرامج الحوارية في الإذاعات والفضائيات، جرأة غير معهودة وحرقة غير مسبوقة، يروج فيها المروجون للمغالطات بشبه يقين، ويبدون من الأحقاد ما بدا لهم دون خجل، جهل مركب دون وجل، وتخندق ايديولوجي على عجل، وكأنها حرب إعلامية ونفسية بالنيابة ضدا على حقائق تاريخية وميدانية لم يقل بها حتى العدو الصهيوني نفسه، ولكنها قيلت عنه بالنيابة وبالمجان حتى يعبر أصحابها أنهم يعادون خيار المقاومة وأصحابها، حتى لو وصفهم من كان بأصحاب الشيطان؟.  

 

"حماس" من بدأت هجومها والبادىء مسؤول وأظلم.. "حماس" بهجومها على المدنيين إرهابية.. "حماس" متهورة لم تقدر قوة "إسرائيل".. "حماس" ستجر المنطقة إلى الجحيم.. "حماس" ستجبر "إسرائيل" إلى سياسة الأرض المحروقة.. ستكون وبالا على أدرعها البشرية.. ستكون دمار على المباني العمرانية..  إلى أن تجرأ بعضهم بانهزاميته وهرولته فقال ضدا على كل الاجماع الوطني التاريخي: "كلنا إسرائيليون".. وتجرأ بعضهم فقال: "اللهم عمش الحصار ولا عمى الدمار".. وتجرأ غيرهم فقال: "فلسطين ليست قضيتي.. وتازة قبل غزة"، وتجرأ غيرهم فقال: "على نفسها جنت براقيش".. وتجرأ غيرهم فقال: "اللي كلاتو المعزة في رأس الجبال..غاتخلصو في دار الدباغ"؟. فنسوا أو تناسوا حتى ما شربوا من خطابهم الحقوقي، ولكن، هكذا تفعل الهزيمة بنفوس أصحابها، تفتك بها فتكا وتحنطها تحنيطا حتى أنها لا تستطيع التفكير فبالأحرى التفكير السليم الذي لا تمتلك مقوماته ولا تأتي أبوابه، ويزداد هذا الفتك كلما غلف منطقهم بشبه الحقيقة والحرية والواقعية والموضوعية والقطرية والرؤية العربية ومتاهات القرارات الدولية في القضية؟.

 

"حماس" من بدأن الطوفان وهي المسؤولة والظالمة.. طيب، أتموا السؤال بنفس المنطق وأحضروا البداهة والشهادة يرحمكم الله.. من بدأ احتلال أرض الآخر؟، من قسم شعبه إلى جزر مسيجة كالحدائق بالأسلاك الصاعقة.. في كل من غزة والضفة وأراضي 48 والأقصى..؟، من هجر شتاته العالمي إلى أرض فيها شعبها وليست خلاء؟، من بدأ فيها التهجير والاستيطان بالقوة؟، من قدم له حل الدولتين على حدود 67 ولم يرضى بها؟، من قدمت له تنازلات الاعتراف في "أوسلو" ولم يعترف بالمعترف به؟، من أفرغ "مدريد 91" و"أسلو 93" و "كامب ديفيد00" و "المبادرة العربية 02" و"خارطة الطريق 03" وكل القرارات الدولية من التزاماتها ولم يفي بأي شيء؟. من كان يحتمي من جرائمه بالدعم الغربي الفاحش وبالفيتو الأمريكي الظالم والصمت العربي المهين؟، من ملأ سجونه الجهنمية بالأسرى؟. من رفض عودة اللاجئين؟، من بنى أسوار العار العازلة؟، من نصب حواجز التفتيش في كل معبر؟، من فرض الحصار على غزة 17 سنة مضت دون غذاء ولا دواء؟، من بدأ كل العربدات في الأقصى وباب العمود والشيخ جراح..؟. كل البدايات الظالمة كان قد بدأها العدو الصهيوني ولم يجعله المطبعون يوما مسؤولا فبالأحرى أن يثنوه عن جرائمه، واليوم، مجرد موقف نصرة صريح لا يستطيعون إعلانه ولو على الميديا وتلك فوقعة الفوقعات والوعي الزائف والنضال المغلوط؟.

 

إن استدعاء كثير من المحللين الموضوعيين والمؤرخين النزهاء وهم ذاكرة القضية، سيكشفون لنا وبكل وضوح ما قد علا ويعلو جبين بعضنا من ضبابية وخلط إن لم يكن خلط حقائق مغرض أو غير مغرض. ف"حماس" في الحقيقة وعند النزهاء لم تكن إلا مقاومة شعبية فرضها الاحتلال الصهيوني الغاشم وهو أمر مشروع في كل مقاومات الاحتلال عبر التاريخ. و"حماس" لم تكن سوى جزء من الشعب وتقاوم باسم الشعب الذي اختارها يوما ولا زال بما لا يقل عن 90% ، ولم يعارضها اليوم لا في الضفة ولا في القدس ولا في غيرها، ولها شرف قيادة حلحلة الوضع مع إخوانها من الفصائل الأخرى.  والمدنيون الصهاينة ليسوا مدنيين بل مستوطنين إحلاليين في مستوطنات غير شرعية على أراضي الفلسطينيين، بل أكثر من ذلك جنود فعليين واحتياطيين في جيش العدو، يمنعون بقوة النار حتى المرور بالقرب من المستوطنات ولو إلى أراضي المزارعين، حقائق يؤمن بها قادة الكيان وهم غير ما مرة يصارحون بعضهم البعض "نحن لا نواجه لا "حماس" ولا "الجهاد"، ليس أمامنا إلا الشعب الفلسطيني كل الشعب.. غزة.. والضفة.. وعرب 48.. والأقصى.. من يرضى بنا في هذه الأرض الملعونة"؟.

 

وكم تعلمنا عقيدتنا أن النصر والهزيمة بيد الله "والله يؤيد بنصره من يشاء" آل عمران/123. وأن القوة والكثرة على أهميتهما في الحرب فهي لا تحسم في شيء، قال تعالى: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين" البقرة/249. وقال أيضا: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" الأنفال/17. وكم تحكي لنا دروس التاريخ أن كل مقاومات الشعوب المحتلة لمحتليها بدأت صغيرة، ضعيفة، معزولة، في ما يشبه بداية انتحارية مستحيلة في العدة والعدد، وقدمت من التضحيات وتكبدت من الخسائر ما لا قبل لها به بكل المقاييس إلا مقياس نيل الحرية وعيش وطنها في ظلالها الذي تسترخص من أجله الشعوب كل شيء؟. هذه مقاييس التحرر من العدو المحتل، أساسها الإيمان بالله تعالى وبالقضية الوطنية وما تستوجبه من الفداء وإراقة الدماء وهذا لعمري تفكير خارج الصندوق ولكنه منطق عالمي لا تنفيه سلمية "غاندي" لأنها استثناء يؤكد القاعدة، بل وفي طياته مقاومة شعبية عارمة استطاعت تهميش الاستعمار وتجاوزه، ثم ألم يعتدي المستعمر البريطاني على سلمية غاندي، ألم يكبدها خسائر مادية وبشرية رغم كل شيء؟، ثم متى كان لبني صهيون عهد أو ميثاق حتى تتفاوض أو تتعاهد معه والله يقول عليهم: "ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك" آل عمران/75، ألم ترى كيف التهم هؤلاء لفطيرهم كل فلسطين، ابتلعوا أرضها وسفوا دمها وخربوا عمرانها وهجروا قومها...، ويقولون هل من مزيد؟.  

 

منطق التحرير يا سادة، هو حلم وتعلق باليوتوبيا التي ستصبح بفضل الله وتقديم التضحيات يوما ما حقيقة، وكما قال أحدهم في قضايا التحرر في بلدان المغرب العربي نموذجا، المقاوم عبد الكريم الخطابي والأمير عبد القادر الجزائري وعمر المختار..، ألم يصف المستعمر يومها هؤلاء وحركاتهم التحريرية الجهادية بالإرهابيين؟، ألم يسلط عليهم وعلى قومهم من أصناف العذاب ما فوق التحمل؟، ولكن في الأخير، ألم ينتصروا بعدها رغم كل المحن والتضحيات وسجلهم التاريخ أبطالا لا ينسون كما سجل المستعمر وأعوانه خونة أذلاء؟، وفي محاربة نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا، ألم يخرج البيض "نلسون مانديلا" من سجنه بعد عقود وعقود من جرائم الفصل العنصري وسلموه السلطة ليعودوا هم رغم كل عنصريتهم وعنتريتهم مجرد مواطنين كغيرهم، لهم من الحقوق والواجبات ما لغيرهم من السود، دون تدرج اجتماعي ولا امتيازات إلا ما كان من كسبهم وكفاءتهم؟.

 

وأمريكا ألم تكن في السبعينات في "فيتنام" حتى حسبتها مستعمرتها الساحرة الخالدة، وإذا بالمقاومة الشرسة هناك تقهرها وتطردها من بلادها شر طردة، حتى إذا جاءت الحوامة الأمريكية الأخيرة تقوم بطواف الوداع، تسابق جنود الأمريكان هرولة ليتعلقوا بأجنحتها وعجلاتها في مشهد تراجيدي لا ينسى، علها تنقدهم مما تورطوا فيه من الوحل؟. النصرة دائما للمقاومة صاحبة الحق والمشروعية على حد قولهم "قوة الحق لا حق القوة" لأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وبقدر ما يهدم العدو من البنيان بقدر ما يهدم صورته في ذهن الإنسان أي إنسان، وتلك سياسة الكيان الصهيوني في هذا الطوفان، فقط، تزاحموا على الوضوح وأعلنوا أنكم مقاومين ومع المقاومة من مكانكم وبإمكانكم، وليكن شعاركم شعارها.. الغائبون في الجغرافيا.. غائبون في التاريخ، وليكن خياركم خيارها.. النصر أو الشهادة.. حتى تحرير فلسطين كل فلسطين؟.

 

كل الفلسطينيين تتكافؤ دماؤهم ويحمل قضيتهم حتى النخاع أدناهم، فلا "فتح" ولا "حماس".. لا "تطرف" ولا "إرهاب" لا من "بدأ" ولا من "رد"، فكل ذلك تهريب للنقاش وطمس للحقائق لأن صلب الموضوع هو الاحتلال الذي ينبغي أن يسقط بأي وجه كان، ومن طرف أهل القضية أنفسهم قبل غيرهم ممن يساعدهم أو يطبع بدعوى مساعدتهم وهو يساوم ولا يقاوم، وكفى شرفا ب"طوفان الأقصى" أنه أسقط خيار التخاذل هذا وفضح محور شره، وأظهر للعالم أن للقضية شعب هو المعني بها في العقد والحل، وجرم الجرائم أن يغيب أو يفرض عليه الأمر الواقع؟.  فلا تطبعوا.. ولا تهرولوا.. لا تخاذلوا ولا تساوموا.. لا تخطؤوا كغيركم في دعم قضية صهيونية خاسرة ما عاد حتى أصحابها يؤمنون بها وهم رغم كل الجبروت والضوضاء يتحينون كل فرصة للرحيل والفرار والتخلص من أوزارها، وما صخب مظاهرات الداخل الإسرائيلي المستمرة والمتنامية.. وما وزحمة المطارات بالهجرة المضادة بكل الوسائل إلا دليل وبرهان.. وعسى أن تساهم المقاومة والطوفان والنصرة والبيان في تسريع ذلك كالصاعقة الماحقة المتفجرة على الظالمين بالبركان؟.

الحبيب عكي        


اقرء المزيد

الاثنين، 9 أكتوبر 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الزلزال وسؤال التخفيف من الأعراض النفسية على الأطفال؟.

 

لا شك، أن الزلزال كارثة طبيعية فجائية مرعبة ومدمرة، تحدث - بقدرة الله الجبار - كثيرا من الدمار في المناطق التي تضربها وتخلف أثارا وخيمة على ساكنتها وخاصة فئات الأطفال الأبرياء، الذين يصدمون بما لم يألفوه من مشاهد صاعقة تزلزل كيانهم النفسي الهش قبل أن تهدم منازلهم وتدفن أقاربهم وأصدقائهم وتشقق أو تخسف بمدارسهم ومساجدهم حقولهم وملاعبهم، فتأخذ منهم قهرا مجمل ما استقرت به حياتهم من مأوى وأهل وأصدقاء، وتشوش عليهم في عبادتهم ولعبهم ودراستهم المعتادة، لتفتح حياتهم من اللحظة المشؤومة على المجهول، قد تتضافر  عوامل وعوامل خارج السيطرة لتضاعف من مرارته وقساوته المادية والمعنوية على السواء.

 

كل هذا يظهر على الأطفال مهما كان جنسهم أو سنهم.. لغتهم أو لونهم.. دينهم أو بيئتهم.. أعراضا نفسية.. واضطرابات سلوكية.. وانفعالات غير معتادة.. ونتيجة هول الصدمة وعدم الاستيعاب وعدم القدرة على التحمل.. وكذلك ضعف الحيلة وقلة مواكبة ومساعدة الكبار لهم والعناية ربما.. يستسلم الأطفال حسب الحالات للخوف الشديد والحزن العميق.. والبكاء المستمر.. السهو والشرود والتعلق بمن كان من الآدميين حولهم.. وإذا ما هدأوا شيئا ما فبعدم القدرة على التعبير.. وعدم القدرة على التركيز.. اضطرابات في النوم.. التبول اللاإرادي.. إلى غير ذلك من مظاهر فقدان الشعور بالأمان، وتأثير ذلك على القدرات الدراسية والاندماجية للطفل.

 

كل هذا يعني ويؤكد أن الجهاز النفسي للطفل قد زلزل وتمزق وتشقق كما الأرض قد زلزلت وتشققت وخسف ببعضها وتهدم بعضها الآخر، فمات من مات قدرا وهم عند الله شهداء، ونجا منهم من نجا أيضا قدرا، ولكنهم لا يشعرون بالأمان والاطمئنان، إلا أنه من حسن الحظ أن الأرض كما يمكن إعادة إعمارها ، فالنفس البشرية أيضا يمكن ترميمها، وهناك أمل بأن تستعيد استقرارها وطمأنينتها لتستمر الحياة على كل حال، قال تعالى: "وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا" النور/55، وكما أن إعادة الإعمار يتطلب دراسات الخبراء وإمكانيات المقررين ومشاركات المعنيين، فإن ترميم النفس أيضا يحتاج إلى رأي العلماء (النفسانيين) وتجارب الخبراء (الاجتماعيين) وغيرهم.

ذلك حتى يكون الترميم علميا ينبني على قوانين وتفاعلات ومحفزات اجتماعية تنتج النتائج المرجوة في الاتجاه المرجو والزمن المرجو، ولعل أول وأهم من ينبغي استدعاؤه في هذا الإطار ليسعفنا قبل الخوض في المحاذير والتوصيات، هو عقيدتنا الإسلامية ومذهبها في القضاء والقدر الذي يجعل أمر الخلق بين يدي الخالق وهو أرحم الراحمين به في السراء والضراء، فقال تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" البقرة/216، وقال أيضا: "إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ "فصلت/31. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ" رواه مسلم.

وإن كان هناك من إضافة عملية في هذا الإسعاف فهي للنفساني الأمريكي "أبراهام ماسلو" صاحب الهرم العلمي لشعور الإنسان بالأمن والأمان، وما يستوجبه ذلك من ضرورة تقدير الإنسان.. وحسن معاملته.. وتجنب الإهانة وسوء المعاملة.. خاصة في أوقات الأزمات والنكبات، وكل هذا يستوجب على الترتيب: "توفير اللازم من الحاجات الفسيولوحية للمرء.. كل ما يشعره بالأمان.. حاجاته الاجتماعية.. الإحساس بالتقدير.. تحقيق وقبول الذات". وكذلك تجربة الشعوب الغربية بعد الحرب العالمية الأولى وما خلفته بينهم من دمار وموت.. تشريد وبطالة.. فقر وتسول.. يتم أطفال وترميل نساء.. الهجرة إلى المدينة.. ظهور الجريمة والانحراف..، وكيف تفتقت عبقريتهم آنذاك عن إبداع التربية بعيدا عن البيئة الموبوءة الفاسدة المدمرة المكفهرة في ما سموه بالمخيمات والرحلات ومدارس الداخليات البعيدة، فظهر نظام المخيمات (التربية عبر المتعة والإفادة واللذة بدل الأم) والكشفية (بادين باول) التي يعتمد فيها النشء على ذاته ويتعلم بالممارسة والمغامرة والتعاون والاستكشاف من أجل حياة إنسانية بسيطة وأفضل.

 

ترى، كم من عطف وحنان سيوفره الآباء الناجون لفلذات أكبادهم رغم صعوبة الموقف وقساوة الظروف؟، كم سيتغلبون على هذه الصعوبة وهذه القساوة حتى لا نزيد إلى قساوة الزلزال قساوة إنسانية ومشاعرية أفظع؟، كم سنستدعي عقيدتنا في الرضا بالقضاء والقدر حتى نشعر بحفظ الله ورعايته ولطفه في ما نزل، فنرضى ونترضى ولا نسخط أو نتسخط؟، كم سيساعدهم المسؤولون على ذلك بعدما هب الملك والشعب عن بكرة أبيهم في رسم ملحمة التضامن الوطني الباهرة المبهرة..؟، في كم سنعيد إعمار المنطقة المنكوبة وعلى أي مدى وبأي مواصفات تحفظ رمزية المكان وتراثه العلمي وكرامة المواطن؟، كم سنوفر لهم من دور الشباب ومركز ثقافي وفضاء جمعوي ومخيم حضري وملعب قرب يستوعب هذه الناشئة وينشر بينهم كل مظاهر هذا الدفء التربوي الوطني الهادف؟،

 


في كم مخيمات ربيعية وصيفية سيستفيدون مثلا، وبكم إجراءات عملية بسيطة بدل التعقيدات المعهودة سنسهل على الآباء والجمعيات سبل الاستفادة من ذلك؟، كم من مظاهر الحياة الجماعية التضامنية سنحافظ لهم على تراثها التاريخي الزاخر؟، بكم من حملات نفسية علاجية سنجوب مختلف تلك المراكز والدواوير بين التلال والجبال؟، كم من قطاع حكومي معني - وكلها معنية - سيضع برامج مساهمته الفعالة في ذلك؟، بعض الجمعيات التربوية نظمت – مشكورة – بعض قوافلها التضامنية بطعم التنشيط التربوي الترفيهي وهدايا وألعاب الأطفال، كم سيستمر من هذه الحملات في العطل البينية القادمة، وكم منها سيتطور لتغطي قوافله أو تلامس المستطاع من الحاجيات المتجددة للطفولة المستهدفة،.. فصل الشتاء.. الدراسة.. حياة الخيام.. عمق الشرخ وطول الفراق.. التمزق بين القرية الموطن والمدينة الدراسة.. مشاكل إعادة الإعمار خاصة لضعيف الطول والحول..؟.

 

كم سنهتم بحصص الدعم النفسي ومراكز الاستماع في المؤسسات التعليمية المستقبلة والجمعيات المدنية المؤطرة والمنشطة الوطنية منها والمحلية؟، كم سنتيح لهم من فرص التعبير عن أفكارهم والتنفيس عن مشاعرهم والبوح بمكنوناتهم، وتوفير ما يمكن توفيره من متطلباتهم، ما برامجنا وإبداعاتنا لذلك؟، بكم دوريات رياضية ومسابقات ثقافية وورشات فنية وخرجات ترفيهية ورحلات استكشافية وزيارات التفقد والرحم والتواصل سنفرحهم قبل أن يعدوا علينا الأشهر والسنوات أو يؤرخوا بيوم الزلزال المشؤوم كيوم فقدوا الرحم بينهم وبين من تبقى لهم من أقاربهم وأصدقائهم، حتى عبر الهواتف؟، كم سنستفيد من تجاربنا الثرية في ما سبق من الزلازل في كل من "أكادير1960" و"الحسيمة2004"؟. أظن سنستفيد كثيرا وزيادة، كيف لا ونحن قد حافظنا للمتضررين ممن فقدوا ذويهم ومعيليهم بصفة "مكفولي الأمة"، ومثل الأمة في توادها وتراحمها كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء باللازم من التعاون والتضامن المادي والمعنوي؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الأحد، 1 أكتوبر 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الزلزال والسؤال السوسيولوجي في المغرب؟.

لقد هب الجميع يتحدث بل ويتحرك في شأن كارثة الزلزال التي ضربت مؤخرا مناطق الحوز في المغرب (8شتنبر 2023)، بل ونظموا مشكورين قوافل تضامنية من الجنوب والشمال ومن الشرق والغرب ومن كل البقاع، يقومون بمواساة معنوية إنسانية لإخوانهم ويقدمون لهم مساعدات مادية عينية عارمة بكل تلقائية وسرعة وسخاء، مما كان له صدى مبهر في كل الأوساط داخليا وخارجيا سارت بأخباره كل المواقع والقنوات والنشرات في الفضائيات، ذلك أنه جسد بحق هوية هذا الشعب الطيب المعطاء، وما تشبع به على الدوام من قيم التضامن والتراحم(رحماء بينهم). غير أن هناك بعض الفئات والهيئات لم يسمع لها دابر حس ولم يرى لها كبير أثر، خاصة بالشكل المنظم والجماعي النضالي والميداني الذي عرفت به كالأحزاب والنقابات، أو بالشكل الفئوي البحثي والترافعي الذي دأبت عليه كالحقوقيين والسوسيولوجيين ومن لف لفهم، هذا على الرغم من أن الحدث المأساة مجال اشتغالهم وميدان بحثهم.. تحقيقهم وترافعهم بامتياز، وكان لتواجدهم أن يعطي للتضامن قيمة مضافة وطعما بكثير من الإسعاف؟.  

 

عديدة هي الأسئلة الحارقة التي توجب تواجد مثل هؤلاء الخبراء في الميدان المنكوب ومواكبتهم لمخلفاته الانشطارية وكراته النارية والثلجية، خاصة فئة السوسيولوجيين (علماء الاجتماع) وفئة البسيكولوجيين (علماء النفس).. باعتبار علمهم السوسيولوجي (علم الاجتماع) وعلمهم البسيكولوجي (علم النفس)، هو من ستأخذ عنه كل العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى، السياسية منها والاقتصادية، وحتى الحقوقية والتشريعية والبيئية والاجتماعية..، ملاحظاتهم واقتراحاتهم، وما يمكن أن يشبه مشاريع قوانين اجتماعية للتغلب على الأزمة وحسن تدبيرها بكل موضوعية؟. وتدبير الأزمة هذه، قد احتوته الآن أو تكاد، عديد من المبادرات الرسمية والشعبية المتساندة والمسعفة، ورافقته بعض التشنجات المحتجة والتساؤلات المشروعة القلقة والمقلقة..، وكل هذا قد لفظ عن بعض المفاهيم الجوهرية في حياتنا، ما تراكم عليها من الأتربة حتى كادت تكون متجاوزة في حياة وتطلعات وتشريعات بعض الفئات من الناس، أو في أحسن الأحوال ك"مدفونة القب" مدفونة خبز في قب جلباب المرء، يأكل منها متى داهمه الجوع، ويردها في قبه وراء ظهره منسية متى رد منها جوعته؟.

 

ما هوية الشعب أيها المستلبون المتسولون لخردة الهويات؟، هذه الهوية، هل هي قول وفعل أم مجرد ادعاء في القلب وشعور في الوجدان؟، ما الذي حمل المغاربة على كل هذا التضامن بكل هذه الأشكال والأحجام المبهرة.. التلقائية والسريعة.. العفوية والعارمة؟. أين القانون التنظيمي/ التقييدي للإحسان العمومي الذي أصر المصرون على تمريره وفرضه رغم مرافعة الجمعيات الخيرية الميدانية ضده، وقبلها فطرة وعوائد الشعب المغربيى الأصيل والمعطاء والتي أبان عنها في هذا الزلزال وقبلها كارثة الفيضان ونعود بالله من البركان؟. أي تنمية وفك عزلة وقفتم عليها أيها السوسيولوجيون في عالمنا القروي والأرياف والجبال؟، وما الأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية لذلك؟. ودون إثارة هل لنا سياسة عمومية لتدبير الأزمات والكوارث؟، ولا هل سلمت رؤيتنا للتعامل الإداري مع الناس أوقات الطوارىء؟، ولا الأعراض النفسية التي ظهرت على الأطفال، نوعها ومدى خطورتها وكيف علاجها والتخفيف منها؟، دعونا فقط، نتطرق إلى إعادة الإعمار مثلا، وقد رسمت بعض معالمه، وبدأت تعطى فيه بعض الإشارات وتمارس فيه بعض الممارسات ربما من باب إغاثة اللهفان أسرع ما يمكن، لكن بأية مقاربة تشاركية سياسية ومدنية؟، وبأية مقاربة مع الجهات والجماعات والجمعيات؟. ما رؤيتنا للتعامل مع التراث اللامادي؟، وما خطتنا للحفاظ على رمزية المكان؟، ما تجارب إعادة الإعمار في المناطق المنكوبة عبر العالم وما مرتكزاتها؟، في ما نجحت وفي ما فشلت، كيف ولماذا؟.  

 

أراء تتحدث الآن، عن أفضلية الترحيل إلى ضواحي المدن الكبرى، على غرار ما جرى الآن من ترحيل المتمدرسين إلى مدينة مراكش واستثمار داخلياتها، على الأقل يكون المرحلون مجموعون في مناطق مفتوحة على كل شيء وقريبة من كل المصالح وسيسهل تفقدهم وخدمتهم جراء ما كانوا يعيشون فيه من العزلة، ولكن، قد تنشأ عندهم ظواهر سيئة من بطالة وفقر وغير ذلك من مآسي الهجرة والتهجير؟. وأراء تتحدث عن إعادة التوطين في نفس الموطن لارتباط المنكوبين بأرضهم، وككل سكان العالم، الناس يعيشون في الأرياف وفي الجبال وحتى الإسكيمو والصحراء، لكن بقدر ما من العدالة المجالية والتنمية المستدامة؟، ترى، أي شروط نشترطها على أنفسنا لفك عزلة المناطق المنكوبة؟،.. لحفظ كرامة سكانها؟،.. لحفظ المآثر الدينية والتاريخية؟،.. مسجد تينمل.. مهد الموحدين.. ومدارس قرآنية عتيقة.. ومخازن جماعية..، وكل ما يشكل ذاكرة المنطقة؟. أيها السوسيولوجيون.. والحقوقفيون.. والعلماء الربانيون.. والإعلامييون.. "ابن خلدون" و"أوجست كونت" و"دوركايم" و"ماكس فيبر" وكل علماء الاجتماع المؤسسين والمطورين يؤكدون لكم أننا لا نريد السقوط ربما في التجربة التنموية المحكية على الألسن لقرية نمذجوها في الحكايات ببناء صنابير ماء عصرية في كل منزل.. وإذا بالنساء بعد حين من الزمن يكسرنها.. لا لشيء إلا لأنهن يفضلن السقي وجلب الماء من خارج البيت ولو على مسافات.. لأنهن افتقدن ما يحدث بينهن في طريقهن إلى السقي خارج البيت من احتكاك وأحاديث جماعية وترانيم شعبية.. في حياة تشاركية.. واشتقن لذلك؟.  

 

معشر السوسيولوجيون الحكماء الفضلاء، لقد كان من قبلكم من المؤسسين لعلمكم في هذا الوطن، يمتازون بخطهم النضالي فتجرأوا على الحديث والتفاعل مع هموم المجتمع، وقالوا من الأقوال وفعلوا من الأفعال ما به أفادوا واستفادوا واستفاد الوطن، لكن هل كان علم الاجتماع على الدوام شيئا غير الحس النقدي وكونه علما تطبيقيا كان مع أو ضد؟. فكم تدرسون لطلبة الجامعة أن الزلزال رغم كونه ظاهرة طبيعية فهو أيضا ظاهرة اجتماعية، ولأن الظاهرة الاجتماعية - كما تقولون - رغم كونها مستقلة فهي أيضا مرتبطة بالعديد من الظواهر الأخرى، يعني بمظاهرها ونتائجها إن حسنا فحسنا وإن سوءا فسوءا؟. ولكن يبقى الأمل، أن وراء كل ظاهرة اجتماعية - كما هو معلوم - قوانين تتحكم في نشرها وشيوعها كما تتحكم في الحد منها وتوقيفها، وبالتالي، ما علينا الآن إلا البحث عن هذه القوانين، وهذا واجب الوقت وواجب الوطن؟. كم كنتم تدرسون للطلبة أيضا أن مؤسس علم الاجتماع بشكله الوضعي"أوجست كونت"، إنما دفعه إلى ذلك ما أراد به المساهمة في تجاوز النظام الاقطاعي نحو نظام رأسمالي كان يراه الأعدل، وأراد بذلك المساهمة في العلاج والحد من الفوضى العارمة والمشاكل المعقدة التي شهدها المجتمع الغربي بعد الحرب العالمية الأولى وما أغرقت فيه الأبرياء من زلزال الدمار والموت والفقر والتشريد والهجرة والبطالة والجريمة والانتحار.. فأراد بتقعيده علمه بعضا من البناء السوسيولوجي المتماسك القائم على الأنوار بدل الدمار المفكك والهدم الماحق المنبعث من الاعصار؟.

الحبيب عكي


 

اقرء المزيد

الأربعاء، 20 سبتمبر 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

لله در المغاربة في كل هذه الأشكال الابداعية التضامنية.

       لله در المغاربة - حفظهم الله ورعاهم - في كل هذه الأشكال الإبداعية التضامنية اليومية التي ما فتؤوا ولا زالوا يبذلونها اتجاه إخوانهم من ضحايا زلزال الجمعة 8 شتنبر 2023 الذي ضرب منطقة الحوز وضواحيها بقوة 7 درجات على سلم ريشتر، لتمتد زعزعته ودماره وهلعه إلى جل مدن وقرى المغرب خاصة مدن وقرى شيشاوة وتارودانت وورزازات..، قامت على إثرها مبادرات تضامنية.. فورية.. عفوية.. قوية.. شعبية.. عارمة.. دائمة.. متفاعلة جدا عبر الاعلام البديل لمواقع التواصل الاجتماعي مما ساعدها على التطور بسرعة فائقة في الكم والكيف والتنظيم ووجهات التوزيع حسب المستجدات والمتطلبات الميدانية، ولا يملك المرء اتجاه كل هذه الأشكال التضامنية المتنوعة إلا أن يبدي إعجابه بروعتها ويرفع قبعته أمام جودها وكرمها ويبدي تقديره لمنظميها وموصليها وموزعيها، وعزمه على المشاركة فيها ككل المغاربة الفضلاء أفرادا وجمعيات وجماعات.. بل وككل العالمين جاليات وهيئات ومؤسسات.

 

            من أين يملك المغاربة الشرفاء كل هذا المخزون التضامني المتدفق؟، مخزون لا ينضب معينه ولا ينقطع سخاؤه، وكيف ينضب وكلما نادى الواجب الوطني هب أبناؤه البررة رجالا ونساء.. شبابا وشيبا.. أطفالا وطفلات.. موظفين وموظفات.. حرفيين وحرفيات.. يجودون بالغالي والنفيس من دمائهم الزكية.. من أموالهم المباركة.. من مؤنهم الغذائية وسلعهم الاستهلاكية..، مبادرات فردية.. حملات جمعوية.. قوافل شعبية.. ومخططات رسمية.. الجنوب يصل الرحم بالشمال.. والشرق في تكاثف مع الغرب لإغاثة المنكوبين.. جماعات ترابية وفيالق عسكرية.. وبعض فرق الإغاثة الأجنبية.. والكل على قدم وساق، منخرطون يدا في يد، ينسجون ملحمة اسعافات وطنية وجهود إغاثية في الميدان، ملحمة، تخفف فعلا من هول الكارثة زلزالا ووباء كانت أو فيضانا وثلوجا أو جفافا وحرائق.

 

            صحيح، أن كل دول العالم عندما تجتاحها كارثة طبيعية أو حتى اجتماعية، تظهر فيها بعض مظاهر التضامن والتآزر الإنساني، ولكن من أين لها بمثل تضامن المغاربة وقد عشناه وكل العالم غير ما مرة في الثلوج والفيضانات في جائحة "كورونا" وفي حوادث الطرقات.. واليوم في زلزال الحوز 2023 وقد سجل أروع مظاهر التضامن التي ولا شك خففت ولو نسبيا من آلام الضحايا المكلومين، وزرعت الفرحة في أبهى حللها في وجوه المواطنين طالما تناقلت جراحها وأفراحها كل شاشات العالم. من سينسى صورة ذلك المتضامن المسن صاحب الدراجة الهوائية وهو يفرق أريج قلبه الدافىء.. الطفل المتضامن صاحب الهدية والرسالة الأخوية بعبق المحبة إلى صديق ضحية مفترض.. صاحبة الخاتم ذات القلب الكبير، وصاحبة الزعفران التي أرادت التصدق بشيء منه وقد جيء للتصدق عليها.. المتبرعون بشاحنات من الخيول والبغال لنقل البضائع إلى الأعالي.. مبدعو الخيام القصبية المغطاة.. حملات موضوعاتية متخصصة كالمقابلات النفسية والترفيه على الأطفال والحلاقة للرجال..، وصاحبة جامع الفناء في قلب الزلزال.. "الشواء والكفتة والحريرة والمشروبات وأرا برع.. "تيك توك" وداك الشي وعاش الملك"، أولاد وبنات "تيك توك" بأنفسهم وقد استفاقوا من روتين تفاهتهم اليومي وأصبحوا رجالا ونساء مسؤولون وهم يصورون مآسي الكارثة والدواوير التي لم تصلها المساعدات، ولعلهم قد ساعدوهم بذلك جهد الإمكان.

 

            ولم تقتصر أشكال التضامن وجهود الإغاثة على هذه الأشكال الفردية والعفوية وحدها - على أهميتها -، ولا حتى على جهود جمعيات المجتمع المدني التي أبهرت الجميع وكانت تدخلاتها وتضحياتها ومساعداتها أقوى وأسرع وأشمل وأدوم وأكثر تنظيما، وكادت تغطي بتلك الفعالية والنجاعة على كل المبادرات، ولكن، هناك أيضا جهود رسمية معتبرة وغير مسبوقة بلغت حد تنصيب المستشفى الميداني.. استعمال الطائرات العسكرية للإغاثة.. فرق النشل والإنقاذ.. حساب بنكي للتطوع المالي المفتوح والدائم (126).. إعلان تعويضات للمتضررين.. تشييد إعداديات وثانويات ميدانية لاستئناف دراسة تلاميذ المنطقة في مدينة مراكش.. هذا فوق أس وأساس هذه الحماسة المواطنة والمسؤولية كلها وعلى رأسها طبعا، الزيارة الملكية الميمونة التي حظيت بها المنطقة المنكوبة وما رافقها من تفقد جلالته للمكلومين وما اتخذه - حفظه الله - لصالحهم ولصالح إعمار المنطقة من قرارات سديدة ومستعجلة على رأسها تبرع جلالته بدمه وماله ودعوة الحكومة إلى متابعة ذلك.

 

            مظاهر تضامن شعبي عارم.. شامل.. دائم..، صدق من عبر عنه ب "تعبئة مملكة.. تعبئة ملك وشعب"، تعبئة مشرقة ومبهرة سرعان ما نالت إعجاب كل العالمين، فبادرت حوالي 70 دولة للمساهمة فيها، أذن فيها لأربعة فقط من غير بعض الحساد والمتعاليين التاريخيين طبعا، ترى، ما السر في كل هذا.، وما هي العبر والدروس المستخلصة منه؟، وما بعض الشوائب التي قد تكون شابت الأمر؟، وكيف يمكن إصلاحها للرقي وإصلاح ما يمكن إصلاحه من أجل حاضر ومستقبل أفضل؟. إذن فوق بعد التوثيق لمختلف المظاهر التضامنية التي نحن بصددها لكل غرض مفيد للدارسين والباحثين والسوسيولوجيين والسيكولوجيين والمسؤولين أصحاب القرار ككل، نقف على سر الأسرار - في نظري -  وهو سر يطمئن المغاربة على أصالة هويتهم و متانة وحدتهم وصدق وطنيتهم التي يستمدونها دائما لحظات الجد من دينهم الإسلامي ونبل معدنهم الوطني الذي يجسدونه إذا جد الجد في أحسن شعارات جامعة وهي: رحماء بينهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالتضامن والتعاون، ومن كان له فضل زاد عاد به على من لا زاد له؟.

 

            شعار توحيدي لا شمال فيه ولا جنوب ولا شرقاوي ولا غرباوي... وكل ما كان يتندر به القوم أو حتى يتصارع من أجله أحيانا، فإنما هو من خواء الترف الفكري والصراع الإيديولوجي الذي يسود عند البعض في أوقات الفراغ؟. يسجل الناس كذلك شساعة المنطقة وترامي أطرافها وهشاشتها القوية والعميقة وصعوبة مسالكها وتضررها إن لم يكن غيابها مما عقد جهود الإغاثة والمساعدة؟، وقتامة أخرى سوداء كالحة تمثلت - مع الأسف - في ضعف إلى غياب تدخلات الحكومة والأحزاب وكأن الأمر لم يؤمروا به أو ليس من شأنهم واختصاصهم ولا يعنيهم، أو ربما فقط من عجزهم وسوء تقديرهم؟، كما نسجل - مع الأسف - أن أسلوب التدبير الإداري في الظروف العادية لا يناسب ظروف الطوارئ ولم يبدي بعض المسؤولين ما يلزم من الإبداع والمرونة كما حدث في عدم السماح بدفن الموتى مثلا، الأمر الذي كان متأخرا بدعوى ضرورة معاينتهم من طرف السلطة وإحصائهم حتى يتمكن ذويهم من الحصول على شهادة الوفاة، وكان الأمر يكفي بتكليف أهل الدوار أحدهم أو لجنة منهم بذلك والثقة فيهم؟، أو كما حدث مع بعض القياد الذين اشترطوا على بعض الجمعيات الحصول على الترخيص لجمع التبرعات بدل مجرد الإشعار؟.

 

وشائبة أخرى قد شابت ملحمتنا التضامنية الناجحة رغم كل شيء، وقد تمثلت في ضعف وغياب التنسيق بين الجهود الرسمية وجهود جمعيات المجتمع المدني، هذه الجمعيات التي أبانت مرة أخرى عن علو كعبها ومخزون طاقتها الاقتراحية والتعبوية التطوعية ومساهمتها التنموية الميدانية، مخزون هائل لا تستوعبه ولا تشجعه بعض السلطات حتى عند الأزمات، فعسى أن تكون محنة الزلزال هذه منحة بين الطرفين وفاصلا بين عهدين، عهد مضى باستفراده وتوجسه وصراعه وعهد سيأتي بانفتاحه وثقته وتعاونه، وهو عهد سيستوعب فيه هذا البلد الجميع ويخدم الجميع من طرف الجميع، بما في ذلك إعادة إعمار المناطق المنكوبة والتنمية الحقيقية لمناطق الأرياف، وهذا موضوع آخر ولكن لابد فيه في البداية والنهاية من المقاربة التشاركية، وعسى أن تكون لها تشاركية زلزال الحوز 2023 بعد تقييمها وتقويمها واستدراك المستدركون لاستدراكهم، عسى أن تكون لها منطلقا ومرجعا، حاملا و مخرجا؟. ورحم الله الموتى الشهداء وكان في عون المكلومين الأحياء، ودام المغاربة في السراء والضراء متضامنين متعاونين رحماء بينهم.

الحبيب عكي

 


اقرء المزيد

الأحد، 3 سبتمبر 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

شعارات الدخول المدرسي وسؤال القيم؟.

لقد دأبت وزارة التربية الوطنية على وضع شعار لها بداية كل موسم دراسي، تختاره عن دراية وتركبه بعناية وهي ترجو به ومن خلاله إثارة اهتمام كل الفاعلين وتوجيه جهود كل المتدخلين للتضافر والتعاون على الحد من مظاهر تربوية مخلة عميقة وتحديات ومستجدات جوهرية علاجها ولا شك سيؤدي إلى علاج غيرها من الظواهر المعيقة والتي ترتبط بها بشكل من الأشكال وهي تؤسس لكل مظاهر الإعاقة والتوترات المزمنة والمستفحلة في القطاع، وكل هذا سيساهم ولاشك في وضوح الرؤية ودقة الوسائل ومعيارية المؤشرات لتحقيق المقاصد التربوية والغايات التنموية والقيم الوطنية الحضارية التي شئنا أم أبينا ما وضعت المدرسة إلا لتحقيقها ورعايتها وإذ بظروفها الحالية وروتينها اليومي أصبحت وكأنها تغتالها بضراوة من فضاءاتها وتجتثها بلا هوادة من كل الفضاءات المجتمعية؟.

 

جميلة إذن، هي سياسة وضع الشعارات التي دأبت على وضعها الوزارة، وأجمل منها أن تكون هذه الشعارات والمعالم الارشادية قد اختيرت بعناية وهي تطفح بكل معاني التربية والواقعية والإصلاح.. والطموح والجدية والنجاح، وهو ما توفقت في مجمله الوزارة إلى درجة كبيرة ويقف عليه بكل يسر وسهولة كل مستقرئ لشعاراتها، على الأقل في السنوات الأخيرة:

·        2016 : " التربية والتكوين مسؤولية لتنمية شاملة ".

·        2017 : " دخول مدرسي في محيط نظيف وآمن "

·        2018 : " الضبط والانضباط رهان مدرسة مواطنة"

·        2019 : " من أجل مدرسة مواطنة ودامجة ".

·        2020 : " من أجل مدرسة متجددة ومنصفة".

·        2021 : " من أجل نهضة تربوية رائدة لتحسين جودة التعليم"

·        2022 / 2023 / 2024 : " من أجل مدرسة ذات جودة للجميع".

 

التربية.. التكوين.. التأهيل.. المواطنة.. السلوك المدني.. المحيط الآمن.. الدمج والإنصاف.. تكافؤ الفرص .. مدرسة النجاح والشراكة والانفتاح.. الرقمنة والتناوب والجودة.. إلى غير ذلك من الشعارات الجيدة والعميقة، ولكنها – مع الأسف – تبقى مجرد شعارات أو تكاد، ولم تستطع إقناع أي كان حتى واضعيها المنصفين بشيء من أثرها الإيجابي على أرض الواقع الذي لا زالت تستفحل فيه مظاهر التردي والقلق التربوي على مختلف المستويات وفي صفوف شتى الفئات، التي لا تخجل من أن تضع لها شعاراتها الحقيقية مقابل الشعارات الوهمية للوزارة، ومن ذلك:

·        " تزاحموا تراحموا" ،  تعبيرا عن ظاهرة الاكتظاظ التي لا تطاق.

·         " العكر فوق الخنونة"، سخرية من صباغة الأقسام في عهد "حصاد".  

·        " لازالت دار لقمان على حالها"، تعبيرا عن غياب أي جديد في المؤسسة.

·        " اللي في راس الجمل في راس الجمال"، توقيع المذكرات وعدم تطبيقهـــــــا.

·         " اللي بغا يربح العام طويل"، تأسيسا للكسل والغياب والفرار عند التلاميذ

·        " عادت حليمة إلى عادتها القديمة"، استسلام أمام تفشي الفوضى التربوية.

 

عادت حليمة إلى عادتها القديمة، والمؤسسة التعليمية إلى ضعفها وهشاشتها التجهيزية والتدبيرية والتحصيلية، ليبقى السؤال هو لماذا شعارات التغيير والإصلاح للوزارة لا تمطر غيمتها على حقول المؤسسات، فتسقي ما بحدائقها من قحط وجدب، و ما بمختبراتها من فقر وسغب، وما بأساتذتها من نصب وتعب، وما بفصولها من اكتظاظ وشغب، لعل طموح التحصيل التربوي النبيل يتيسر بحق ويزهر بكثافة ويكون دواء جراح وبلسم أفراح على الجميع؟. التأهيل، في ما نؤهل نشئنا والبطالة والهجرة لبدت كبد سمائهم وعكرت صفو حياتهم؟، السلوك المدني، كيف يتمثله نشء في محيط لا يوفر لأبنائه غير كثير من خدمات العنف؟، الشراكة، كيف تزهر في مؤسسات بعض مدراءها شعارهم : " هذا نهار الأحد، حد ما يسال في حد"؟، والجودة، من أين ستراها مؤسسة نائية لا زالت معركتها اليومية، كيف تؤمن لتلاميذها بعض المواصلات والاقامات ولو بنصف تغذية ونصف مبيت ربما بربع كسرة و نصف سرير.. ههييهه؟.

 

يقول الدكتور "عبد الهادي مفتاح" في مجلة عالم التربية عدد 19 ص 217 : " إن هناك فراغا وخلو المقررات والبرامج التعليمية من كل محتوى حقيقي، وليس ذلك بسبب غياب المضمون والجدية والجودة، وإنما بفعل المساطير الإدارية والقرارات التنظيمية التي تعطي الأولوية للشكل على حساب المضمون، كتسريع وثيرة الإنجاز الفصلي لهذه البرامج لاعتبارات قانونية وتنظيمية أكثر منها معرفية علمية وتحصيلية، مما يولد الشعور بانعدام المسؤولية لدى الفاعلين التربويين، على اعتبار أن المسؤولية الوحيدة التي يحاسبون عليها تتمثل في مدى انضباطهم وانسجامهم مع الشكليات القانونية"؟. فأية مدرسة هذه التي لا يكون فيها للأستاذ حق الاجتهاد في عهد التشاركية واللامركزية والواقع الميداني أولا، أما تكفي هذه القيم والدوافع المشبعة بالمواطنة والاستقامة والخبرة أن تشفع له في ذلك؟. أم أن المقررون دائما هم من يقررون والمنفذون هم من ينفذون، وفيهم تمسح كل إخفاقات وكوارث المدرسة العمومية وكثير من مقارباتها غير الملائمة كالنجاح دون العتبة بسبب الخريطة المدرسية واستثقال التكلفة المادية للتعليم و قتل الروح النضالية والوحدوية في القطاع، وغير ذلك مما كان أصل الإشكال واستحلاه المقررون؟.

 

وهكذا يسترسل الدكتور والباحث الجامعي في تسجيل عدد من الملاحظات والتساؤلات عن القيم التي تجعلنا نخجل من التقييم الحقيقي لمخططات الإصلاح وندور حول شكلها بدل جوهرها؟، وبأية قيم نعترف بضعف وغياب تحقيق الكفايات الأساسية في مختلف المستويات التعليمية، ثم نتجرأ كمسؤولين بمواساة أنفسنا بأننا لم نقصر في بدل مجهودات جبارة وحتى الاستعجالية منها؟، وبأية قيم يستسلم الأستاذ المربي أما ضعف مستوى التلاميذ فلا يبذل جهدا في التجديد والتربية والتواصل وكأن شعاره قد أصبح "قل كلمتك وخذ راتبك وامشي"؟، ويستسلم التلاميذ كردة فعل لذلك ليقلبوا الفصول ساحات للانحرافات من تأخر وغياب وكسل وغش وتحرش وعنف وتكسير وإدمان.. حتى إذا كان الفشل والتعثر الدراسي مصيرهم، افتخروا بذلك.. "معاود ومطرود وبخير"؟، على ما استقوا من آبائهم وثقافة المجتمع التي أصبح فيها الكثيرون يرون بأن التعليم والمدرسة والتحصيل والشواهد.. مجرد عناء فارغ ومضيعة للوقت دون طائل غير البطالة والعنادية والاستلاب والاستهلاكية والهجرة السرية للقضاء في الأعالي؟.

 

إشكالاتنا التربوية قبل أن تكون وسائل وإمكانات.. فضاءات ومذكرات.. مشاريع وميزانيات.. فهي في المجمل والأساس إشكالات في الرؤى والقيم والانسان، ولا يمكن أن نعالج ما هو قيمي بمداخل وحوامل غير قيمية، عبثا نحاول أن نعالج ما هو سياسي (مشروع تربوي قيمي مجتمعي) بما هو اقتصادي مثلا (ميزانيات قروض ومساعدات)؟، لا يمكن أن نكسب معتقد إنسان رافض وقناعته فبالأحرى موقفه وتعبئته وفعله وسلوكه ولو وهبنا له كل أموال قارون وهامان وبنينا له مؤسسات فرعون والسامري، فسيبقى الرفض هو الرفض والمقاومة هي المقاومة، وغاية ما قد يحصل هو أن يكون هذا الرفض وهذه المقاومة ظاهرة أو خفية مؤقتة أو مستمرة، فكم عرف القطاع من زيادات مادية تلو زيادات  وهي ضرورية، ولكن، هل واكبتها نجاحات أم إخفاقات؟. مهزلة "التعاقد" ومأساة "التقاعد" خير جواب، وخراجهما الحنظلي المر الفاره أيضا خير جواب: " 4/3 من تلاميذ المستوى الابتدائي لا يتقنون الكفايات الأساسية وهي القراءة والكتابة والحساب، و100/13 من يصلون إلى مستوى الحصول على البكالوريا، و100/5 من ينهون الدراسة الجامعية بنجاح"؟. وفي غياب قيم الصدق والمواطنة والجدية والاستقامة والكفاءة والابداع.. هل يمكن أن ننتظر غير المزيد من هذا الوحل؟. حفظنا الله وإياكم.. حفظ الله النشء والوطن.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الاثنين، 21 أغسطس 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الإعلام وتقصيره المفرط في التوجيه الجامعي

لكم دخل الطلبة المساكين في حيص بيص، خلال هذه العطلة الصيفية الممتدة، 90 يوما والله المستعان وقيظها يحرق فرحتهم التي لم يكادوا يهنأوا بها وهم الذين قد حصلوا على شهادة البكالوريا بعد جهد جهيد بذله كثير منهم للسنة والسنوات، وكلهم أمل كبير وحيوية ونشاط على أن يلجوا الدراسة الجامعية والحياة المهنية من بابها العلمي والتكويني الواسع، وكانوا يعتقدون أنه سيرحب بهم في كل المعاهد والكليات رافعين شهاداتهم ومفاتيح مستقبلهم ويقولون: " هاؤم اقروا بكالوريا"؟.

 

لكن الواقع شيء آخر وأمر من مرير، وعبثا تحاول الوزارة المعنية والبرامج الحكومية والسياسات العمومية ومشاريع الإصلاح بقانون إطارها، أن يقنع الطلبة وأوليائهم بشيء ذي فائدة وجدوى غير الإهمال والعبث والارتجال بكل مظاهره المتخلفة والقاسية، وكلها تثير الغضب والسخط وبث الشكوى إلى الله عز وجل، وأول وأخطر هذه المظاهر غياب المعلومة وغياب المسؤول الذي يمكن أن تحاوره ويقرر بشأن طلبك وتسوية ملفك. دون أن نتحدث عن التناقضات بالجملة والتعقيدات والقرارات المعيقة أحادية وغير مقنعة؟.

 

كان على الوزارة الوصية في مصالحها وعبر مدارسها وكلياتها، أن تكون لها خطة إعلامية استراتيجية فعالة ومحكمة.. مواكبة ومجدية ومتجددة، وكان على الإعلام الوطني بكل وسائله السمعية البصرية أن ينخرط في هذه الخطة ويدعمها بقوة واستمرارية، وعلى جمعيات المجتمع المدني خاصة العاملة في مجال التوجيه والارشاد التربوي أن تكون لها أصداء قوية بهذا الصدد تليق بتخصصها ومهنيتها واتحاداتها الجهوية والوطنية، النقابات والتنظيمات الطلابية..، الكل في جهود متضافرة بين الجميع لعل أخبار التوجيه والمبارة والتسجيل والدراسة تشيع في كل الأرجاء وتملأ بعض الفراغ المهول في الميدان؟.

 

لكن مع الأسف، هناك فراغ مهول في المعلومة التوجيهية والخبر الارشادي الجامعي وحتى النشر المرجعي وغير المتقادم، ليبقى عشرات الألاف من الطلبة الجدد والقدامى يعانون من غياب المعلومة ومن زيفها وتضاربها بشكل يهدد موسمهم الدراسي المقبل ويفوت عليهم فرصة التسجيل القبلي في الموقع الالكتروني لجامعة من الجامعات أو اجتياز مبارة تنافسية لمعهد من المعاهد؟. و إطلالة بسيطة على صفحات التواصل الاجتماعي وبعض المجموعات المغلقة لبعض التخصصات في بعض الجامعات يؤكد كل هذا الوحل؟.

 

طلبة حائرون يتساءلون عبر هذه الصفحات والمجموعات متى سيفتح التسجيل القبلي؟، ما مدة امتداده للجدد وللقدامى؟، بأي بكالوريا سيتم التسجيل الجديدة أو القديمة؟، إمكانية تغيير الشعبة؟، إمكانية تغيير الكلية في نفس المدينة أو من مدينة إلى أخرى؟، الشعب المتوفرة في كل جامعة؟، المواد التي ستدرس في كل شعبة؟، أفق كل شعبة وحظوظ النجاح فيها؟، الفصول الدراسية s1.. s2 ..s3 ومن تبقت له مادة أو مواد في أي فصل؟، الحي الجامعي؟، شواهد النجاح وسحبها لاجتياز المباريات؟، وعشرات الأسئلة غيرها ظلت بلا جواب أو لها أجوبة متضاربة غير مسؤولة، لا تزيد الطالب غير الحيرة والمعاناة؟.

 

ربما قد تكون للوزارة الوصية أو الكلية المعنية منصة توجيهية ما، لكنها وكأنها غير معروفة وغير مفعلة فبالأحرى أن تكون مواكبة ومتفاعلة أو محينة وشاملة لكل المراحل التعليمية وكل المعاهد والمدارس العليا والجامعات، فبالأحرى أن تمتد إعلاناتها لتغطي الدراسات في الجامعات الأجنبية الشرقية والغربية والأمريكية لمن يهمهم الأمر؟، أفلا ينبغي أن يتدخل الإعلام في هذه المعضلة التوجيهية الشائكة، وكلها حبلى بعشرات المواضيع والاشكالات المزمنة والمتوالدة التي يمكن أن يشتغل عليها الإعلام ويفكك مواضيعها عبر العديد من البرامج السمعية البصرية.. العديد من البرامج الحوارية والتفاعلية.. العديد من الروبرتاجات الميدانية.. ولما لا الاشهار والرسائل الالكترونية؟. 

 

من يقنع الطالب المغربي مثلا، بحكاية الاستقطاب المحدود والاستقطاب المفتوح في الجامعة؟، أو حكاية الروافد الجامعية المحددة وعلى أي أساس؟، ولماذا لا تكون هذه الروافد في المدارس العليا والمعاهد وكلية الطب والصيدلة؟، حكاية التسجيل بالبكالوريا الجديدة بدل القديمة أو قبلها؟، التسجيل القبلي عبر الأنترنيت وكيف يعد شرطا ضروريا للتسجيل الفعلي بداية الموسم؟، أي انسجام لهذا مع الحق الدستوري في التعليم دون قيد ولا شرط؟، المشاكل العديدة التي يجدها الطلبة مع الموقع وتحول دون تسجيلهم أو يتسجلون عبر المكتبات كأنهم أميون؟، حكاية بعض الشعب التي توجد في بعض الجامعات ولا توجد في البعض الآخر رغم جهويتها؟، الانتقاء القبلي وحكاية المباريات التي تجتاز في نفس المدة الزمنية ويستحيل على الطالب اجتيازها؟، وتمر العطلة كلها بهذا الركام من الأسئلة الحارقة والمؤرقة دون جواب ولا حل ولا تفاعل.. ويدعي المدعون بلا خجل انهم رهن إشارة الطلبة والطالبات؟.  



        إن الإعلام جزء لا يتجزأ من العملية التربوية على مختلف مراحلها، ومواكبة التلاميذ والتلميذات والطلبة والطالبات حاسمة لا تقل حسما عن مواكبة آبائهم وأساتذتهم لهم في منازلهم ومؤسساتهم التعليمية، لإيناسهم والاستماع إليهم أولا، ثم لاستيضاح الصور والفرص التعليمية على حقائقها ومستجداتها لمن يملك ذلك، والبحث عنه عبر المتاح من الوسائل لمن لا يملكه، ثم للإشارة عليهم بالمعلومة الصحيحة والرأي المفيد قبل حسمهم في توجيههم وبناء اختيارهم حسب مصالحهم وقناعاتهم.. واقعهم ومستقبلهم.. ميولاتهم وقدراتهم.. ممكنهم وإمكانهم، هي عملية صعبة ومعقدة طبعا ولكن لابد أن يترك الآباء فيها باب الاختيار الشخصي لأبنائهم حتى  يقرروا في شأنهم عن وعي و واقعية وبكل حرية ومسؤولية؟.

 

من للطلبة والطالبات حتى وهم داخل المدارس العليا والجامعات خلال الموسم، ألا يعانون من مشاكل عديدة ومعقدة تحدد مصيرهم ومصير هذا الوطن.. مشاكل وصعوبات في الاندماج في الوسط الجامعي.. مشاكل وترددات في اختيار الشعب الدراسية.. مشاكل وصعوبات القدرة على مواكبة الدراسة بأسلوب غير معهود.. مشاكل وضغوطات نفسية.. صحية.. جنسية عاطفية.. اقتصادية.. اجتماعية.. السكن.. النقل.. التغذية.. المنحة.. الحي الجامعي.. الزمالة.. المقررات.. المراجع.. المكتبات.. الأساتذة.. الامتحانات.. البحث العلمي.. الأنشطة.. العنف.. الإضرابات..، فماذا تفعل الوزارة الوصية وأي حكامة لها.. أي إبداع؟، وبكم يساهم إعلامنا الوطني في تفكيك هذه الإشكالات المؤرقة والتخفيف من ضغوطاتها، قبل أن نتحدث يوما ولات حين لا يجدي الحديث عن الهدر المدرسي والاخفاق الجامعي، أو عن مجرد تبديد المال العام في تخريج مجرد العاطلين؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

الاثنين، 14 أغسطس 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

فاتتني صلاة.. أو الصلاة بعرض تربوي آخر

كتاب من الحجم المتوسط والطبع الجديد الفاخر، 231 صفحة، لصاحبه "إسلام جمال"، طالما رأيته معروضا على واجهات المكتبات وزوايا جديدها وإشهارها، وعند بائعي الكتب المستعملة في الأسواق وعلى قارعة الطرقات بزهيد الأثمان، لكنه، لم يستهويني بالاقتناء ولا بالقراءة، لأنني أصلا كنت أقرأ عنوانه بالخطأ "فاتنتي صلاة" و ساء به ظني على أنه مجرد كتاب من كتب الموضة المعاصرة و موجة الاسترزاق في التنمية الذاتية التي تدعي تغيير الذوات مهما كانت محنطة وتستعصي على التغير، ومجملها فعلا كذلك لا يتغير حتى أثناء حماس الدورات. هكذا وبكل بساطة حكمت على الكتاب المسكين من غلافه وعنوانه دون اطلاع ولا قراءة فبالأحرى التمحيص والدراسة؟.

 

إلى يوم نزلت فيه ضيفا عند أحد الأصدقاء الأقرباء الأصهار في العاصمة، وأشكره على حسن الضيافة بالمناسبة، وبحكم استئناف عمله الحضوري وحكم إجازتي الصيفية وإجازة أهله وغيابهم، وجدتني وحيدا في البيت وعلى امتداد كل الصباح وقسط من المساء، وجها لوجه مع كتاب الله عز وجل على أريكته وحاملته الأنيقة، وهذا الكتاب الموضوع على الطاولة، والتلفاز الطويل العريض على جداره. قررت عدم الخروج لتجزئة الوقت في الصعود والنزول عبر الشارع دون غرض ما، قررت عدم تجزئة الوقت أيضا في النوم خاصة بعد الاستيقاظ، ولا في تصفح الهاتف النقال وما يعرضه علينا من ألعاب وتطبيقات وروتين الصفحات بالمجان، وصدق من قال:" إذا رأيت شيئا بالمجان فاعلم أنك أنت المشترى وبالمجان"؟.

 

ارتشفت من كتاب الله ما تيسر من رشفات ولا أروع، ولا أدري كيف امتدت يدي بعدها إلى أخذ الكتاب من مكانه، تصفحت فهرسة فصوله الثلاثة، وإذا بعناوينها مختارة بعناية، وكل عنوان يحمل إشكالا تربويا وسلوكيا واقعيا وفلسفيا عميقا حول الصلاة، ويثير في القارئ رغبة البحث عن إجابته واستثماره في تحسين صلاته وتجويدها مهما كان مستوى تعامله معها. كتاب مناسب لليافعين والشباب، التهمته بسرعة فائقة حبا وشغفا وبجاذبية ممتدة ومسترسلة مع بعض الاستراحة للتأمل والتركيز والتساؤل، سجلت بعض النقاط الهامة والأفكار الأساسية والتي من عمقها قررت مقاسمتها معكم عبر هذا المقال، الذي أعلن منذ البداية أنه لا يغني عن قراءة الكتاب الشيق وهو يستحق؟.

 

يبدأ الكتاب طرحه بإشكال واقعي ملموس ومتناقض في الوقت الذي لا ينبغي أن يكون فيه كذلك، الاشكال هو أنه بقدر ما هنالك فئة من الناس - من الشيوخ خاصة - يحافظون على صلاتهم في وقتها وضوئها.. مسجدها وخشوعها..، ويظهر ذلك على سمتهم ورضاهم ويسعدون بذلك وعليه تنتظم حياتهم، بقدر ما هنالك فئة أخرى        - من الشباب خاصة - لا تكاد تنتظم لهم صلاة بالمواصفات والآثار السابقة، إن كانوا أصلا يصلون، تضطرب حياتهم جراء ذلك وتتوتر، لكنهم لا يبالون أو يجتهدون في بحثهم عن الحل ولكنهم إليه لا يهتدون؟. فيخبرهم الكاتب أن الإنسان قبل كل شيء صنع أفكاره وأسيرها.. إيمانه واعتقاده قبل سلوكه وتصرفاته، وأن أخطر عقبة في حياة المرء هو ذلك ال"يوم ما" الذي سيأتي ولا يأتي.. وسأتغير فيه ولا أتغير. وأن ذلك الوقت الذي يقدم فيه المرء على صلاته في وقتها سيمضي بالربح والعمران، ونفس الوقت الذي ينشغل فيه المرء عنها أيضا سيمضي ولكن بالندم والخسران، فأي من الأوقات سيكسب المرء ويسعده، وأيهما سيخسره ويؤلمه؟.

 

إن المقصرون في هذا الركن الأعظم في الإسلام، وهو الذي تنبني عليه كل حياتهم وتنبني عليه أيضا آخرتهم، طبعا هم مشغولون بشكل أو بآخر، وفي مستوى معين أو آخر، وتلك هي قمة المغالطة وهوى النفس واضطراب الفكر والسلوك، أن يكون الإنسان مشغولا عما يسعده بما لا يسعده؟، هل هناك سعادة خارج الصلاة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول :"جعلت قرة عيني في الصلاة" ويقول: "أرحنا بها يا بلال"؟. وهل هناك سعادة أكثر في صلاة الأداء أم في صلاة القضاء والله عز وجل يقول: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا"، فما بال بعض المقصرين يعتقدون أن المحافظة على الصلاة هبة من الله يمنحها لمن يشاء ولا داعي لمن حرم منها أن يسعى لاكتسابها أو حتى يحاول، مع أن الإنسان هو الإنسان من جسد وروح، والله تعالى يقول:" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"؟.

 

إن الصلاة شعيرة دافئة إيمانية تعبدية.. لأداء حق الله ودوام التواصل معه طلبا لمغفرته وعونه ومعيته ورضاه..، ولا يستقيم طقسها وعطاؤها.. حفظها واطمئنانها..، لكل من ترك ركنا من أركانها أو نظما من مناظيمها أو آلية من آليات دورانها وإثمارها: معرفة الله المعبود حق المعرفة.. التعلق به وطاعته حق الطاعة.. إسباغ الوضوء على المكاره.. كثرة الخطى إلى المساجد.. انتظار الصلاة بعد الصلاة.. تذكر ما يتلى في الصلاة.. أدعية الركوع والسجود وفضلها.. المناجاة والخشوع.. هل لك حاجة عند الله تقضيها.. الذكر والدعاء والدعاء مخ العبادة.. الأثر التربوية والاجتماعية على المصلي كما يقول الرافعي:" إن الصلاة تبدأ عند نهاية الصلاة"؟.

 

وقد أحسن الكاتب في نسج كتابه وهو يبسط بيسر واقتضاب  وتركيز وتشويق، كل مكون من مكونات الصلاة بقصة معبرة أو قولة مأثورة أو قاعدة تدريبية معاصرة، فوق قسط من الآيات والأحاديث التي تساهم ولاشك في إقناع القارئ وتثبته على التزامه اتجاه فاتنته الصلاة إن كان من الملتزمين الموفقين وحق لهم أن يكافؤوا أنفسهم ويوطنوها على جهد المحافظة ونيل الثواب والرضا والطمأنينة والسكينة..، كما يقنع الكاتب المقصر بضرورة تدارك تقصيره إن كان من المقصرين الراغبين في التوبة عن تقصيرهم وترك أعذارهم وترويض أنفسهم وضبطها، بمخالفة هواها الآمر بالسوء، حتى لا يكون صاحبها من الداعين وصلهم ب"ليلى" و "ليلى" لا تقر لهم بذلك، بل ربما ردت على أحدهم بين السماء والأرض وهي تقول: "ضيعك الله كما ضيعتني"، لأنك لم تحافظ علي.. لأنك لم تعقل مني.. لأنك نقرتني ولم تخشع في.. لأنك لم تنتهي بي عن.. وعن.. فمن لم تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده إلا بعدا من الله؟.  

 

وأخيرا، كانت لي ملاحظة بسيطة، وهي أن الكاتب - مشكورا - قد ركز كل مجهوده المقدر على صلاة الفجر وحدها، ربما على أنها من فاتته أو هي أصعب الصلوات وأثقلها على الكثيرين، وإذا تمكن المصلي من تسويتها وعلاج أمرها كان على غيرها وسواها أقدر، ولكن الواقع غير ذلك لأن كثيرا من الناس لهم مشاكل أيضا مع الصلوات الأخرى، وتحتاج إلى جهد علمي وتربوي لمعالجتها وتمثل فضلها وتملك أدائها في وقتها؟، ورغم ذلك يبقى الكتاب قيما وخير جليس ويستحق أن يكون مأدبة دورات وورشات الشباب في جمعياتهم ومخيماتهم.. أسرهم ومدارسهم.. مجموعاتهم وصفحاتهم.. لأطروحته العميقة والأزلية: " لماذا بعض الناس يضطربون في صلاتهم وغيرهم تستقيم لهم؟، أو على الأصح يستقيمون لها فتستقيم لهم"؟. وقس على ذلك أمر الصيام.. وأمر العمل.. وأمر الأسرة.. وأمر الدراسة.. وأمر الصداقة والفن والرياضة.. وأمر السياسة والكياسة..، بما يعني بشكل عام، أمر الحياة والعباد بين العادة والعبادة؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المشاركات الشائعة