Top Ad

‏إظهار الرسائل ذات التسميات أخرى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أخرى. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

في تاريخ الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا

         إن وضع المغرب بالنسبة لإسبانيا، وضع خاص ومعقد باعتبار هذه الأخيرة جغرافيا هي بلد جار في الشمال على بعد 14 كلم بحرا بين طنجة وطريفة، وهي بوابة القارة الأوروبية العجوز من الجنوب، مستعمر قديم لبعض مناطق المغرب في الشمال وفي الجنوب ومنها "سبتة" و"مليلية" وبعض الجزر المتفرقة التي لا تزال محتلة فك الله أسرها، كانت معقل الأندلس وما أدراك ما الأندلس وتاريخ حكم ومحاكم الأندلس على امتداد 8 قرون، لكنها اليوم شريك استراتيجي متعاون في العديد من المجالات الحيوية كالأمن الحدودي والتعاون الطاقي والتجارة والصناعة والفلاحة، ومحاربة شبكات تهريب المخدرات والاتجار في البشر والهجرة غير النظامية، وغير ذلك مما تجاوز به البلدان التاريخ الدموي الاستعماري بينهما إلى براغماتية المصالح المشتركة التي تربط بينهما برباطات معقدة يصعب تفكيكها أو الانفكاك منها رغم ما يعتريها في العمق ويطفو على سطحها أحيانا كإشكالات "سبتة" و"مليلية" والصحراء المغربية والفلاحة والصيد البحري، وإن كان بعضها يجد طريقه إلى الحل التفاوضي والديبلوماسي كالصيد والصحراء.

 

            فإسبانيا دون المغرب مثلا، لا يمكن لها تأمين حدودها الجنوبية من تهريب المخدرات (70%) وشبكات الهجرة غير النظامية إلى (90%) والفلاحة الموسمية إلى (80%) والتجارة الحرة (20 مليار يورو/2023) خاصة في المدينتين المحتلتين وقبل إغلاق المعابر، بل حتى الاستثمار فإن (1000 شركة اسبانية موجودة في المغرب ومنها ما يوجد في الميناء المتوسطي لطنجة ويشكل إلى جانب البحرية الاسبانية شريانه الحي).ما جعل من المغاربة من جهة أخرى: أول جالية عربية وإفريقية في إسبانيا (800 ألف)، وإن ساعدها المغرب إبان أزمتها الطاقية سنة 2025 بحواليGw/h  500 فإنه يستورد منها طاقة رخيصة بكمية 2500 Gw/h كل سنة عبر خطين بحريين ينوي المغرب إضافة خطين آخرين منهما بحلول 2028، كما يستفيد المغرب من إسبانيا وساطتها لدى السوق الأوروبية المشتركة ودعمهما الديبلوماسي لاستقراره، لأن أي اضطراب في الجنوب سيصلى ولاشك برجع صداه الشمال.

 

            ورغم ما بين المغرب وإسبانيا من شراكة (رابح – رابح) مجالاتها وملفاتها تخدم طرفا أو آخر أو كليهما على الأرجح، فإن ملف الهجرة عامة والهجرة غير النظامية خاصة قد ظل بينهما على الدوام تاريخا من الاضطراب والتوتر الاجتماعي والسياسي ما جعله يراكم تاريخا من التحولات الشائكة كانت الأرقام المهولة لضحاياه من الغرقى في البحر والمحبوسين في ضيعات المنافي والفيافي ، أكبر دليل على أن الملف قد تطور ولا يزال من السيء إلى الأسوأ، ولا يزال بسياسات تدبيره مرشحا لأكثر من ذلك، ترى كيف كانت أولى خطوات وملامح هذه الهجرة بين المغرب وإسبانيا؟، ما هي أهم المراحل التي طبعت تطورها، ولصالح من كان خراجها وحصادها؟، لماذا ورغم كل هذه العقود لا زالت القضية تتطور نحو مزيد من التعقيد بدل التخفيف والحل؟، وهل في الأفق من مقترحات التخفيف من حدة الأزمة، خاصة بعدما بلغت مبالغ الخميس الأسود 30 يوليوز 2026 للزحف الجماعي سباحة لآلاف المغاربة (50 ألف) من كل الأجناس ومن كل الأعمار إلى "سبتة" المحتلة، فكانت الكارثة؟.

 

1)  مرحلة الاستعمار 1912 – 1956: وكان الاسبان هم من يأتون إلى المغرب من أجل العمل العسكري والإدارة الاستعمارية والعمل في مناجم الحديد بالريف وضيعاتهم الفلاحية والصيد البحري..، وبخلفية نهب الثروات والتمكين لاستعمارهم، كعس المغاربة الذين كان عبورهم إلى إسبانيا شبه منعدم باستثناء بعض الفلاحيين الموسميين،  خاصة من سكان الشمال يعبرون إلى جنوب إسبانيا (الأندلس وألميريا..) بشكل تلقائي وعفوي دون أوراق ولا عقود عمل.

 

2)  مرحلة ما بعد الاستقلال 1956 – 1970: رجع الاسبان إلى بلدهم وبقيت حركة المرور بين البلدين أيضا عفوية وتلقائية وفي الاتجاهين، فالإسبان بحكم الفقر كانوا يرسلون أبنائهم للعمل في فرنسا وألمانيا وسويسرا وكانوا يرسلون آبائهم إلى المغرب لاجتياز العطلة، والمغاربة كانوا يجتازون الحدود للعمل والتجارة اليوميين (دون المبيت ) في إحدى المدينتين السليبتين وبمجرد بطاقة العمل أو هوية السكن لمدة عام على الأقل في إحدى مدن الشمال المجاورة كالحسيمة والناظور أو تطوان وطنجة.

 

3)  مرحلة أزمة النفط 1973 – 1980 : سنة 1973 وهي الموسومة بأزمة النفط، وهي السنة التي توقفت فيها أوروبا عن استيراد اليد العاملة فاستبدلها بعض المهاجرين إليها بالإقامة في بلد لم يكن إلا للعبور إلى دول أوروبا وهو اسبانيا قبيل الانتعاش الاقتصادي، ورغم ذلك فعدد المغاربة في إسبانيا كان قليلا جدا لا يتجاوز 5 ألاف ولم يكونوا يكونون جالية تساعد غيرهم و 90 % منهم من أبناء مدن الشمال، بحكم القرب وبحكم حركة المرور لا تزال سهلة دون عقود عمل ولا اتفاقيات شراكة ولا سياجات شائكة أو جوازات و تأشيرات لا ورقية ولا رقمية.

 

4)  مرحلة بداية الانتعاش الاقتصادي الاسباني 1985 – 1991 : ففي سنة 1985 إسبانيا تصدر أول قانون يتعلق بالأجانب، وبدأت مراقبة الحدود، وفي سنة 1986 دخلت إسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي، فأصبحت بشكل رسمي بوابته من الجنوب وعليها تقع مسؤولية حراستها وتأمينها، وبمقتضى الوضع الجديد شددت إسبانيا مراقبة الحدود، فكان رد فعل غير منتظر وهو ظهور الهجرة السرية عبر القوارب في صفوف المهاجرين غير النظاميين وفرض جواز السفر على المهاجرين النظاميين.

 

5)  مرحلة الانتعاش الاقتصادي الإسباني 1993 – 2005:  سنة 1993 تم بناء أول سياج حدودي من طرف إسبانيا في "سبتة" بارتفاع 2.5 متر وصل الآن إلى ارتفاع 6 متر وطول حوالي 8 كلم، وجاء مثله في "مليلية" سنة 1998، كما أصبحت فيزا "شنغن" لتنقل المسافرين من الوثائق المطلوبة بالضرورة للمرور إلى أسبانيا أو غيرها. وفي سنة 2001 أبرمت اتفاقية الهجرة الدائرية (Gecco) بين المغرب وإسبانيان  تستقدم هذه الأخيرة بموجبها 15 ألف من العمالة النسوية ( متزوجات وذوات أطفال وتجربة فلاحية من العالم القروي) للعمل في حقول الفراولة لمدة 3 إلى 6 أشهر يعدن بعدها إلى بلدهن، ومنهن من تبقى بطرق غير شرعية وفي وضع هشاشة؟. وبين 2003 و 2005 ارتفع عدد الضحايا من الغرقى إلى ما بين 3 و 5 ألاف مما دفع بإسبانيا وحلفائها إلى تشديد الرقابة وإعلاء السياج، خاصة بعد أحداث 11 شتنبر 2001 الإرهابية في أمريكا.  

 

6)  مرحلة الأزمة الاقتصادية في إسبانبا 2006 – 2008: مرحلة الأزمة هذه وقع فيها المغرب مع الاتحاد الأوروبي شراكة "الحدود والتنمية "Frontex"، يتلقى المغرب بموجبها مساعدات من الاتحاد الأوروبي مساعدة على جهوده في حراسة الحدود وعلى جهوده في مساعدة المرشحين للهجرة غير النظامية من أبناء جنوب الصحراء اختاروا الإقامة في المغرب أو العودة الطوعية لبلدانهم. غير أن سنة 2008 تميزت بالأزمة المالية الحادة التي ضربت قطاع البناء في إسبانيا لدرجة تراجع فيها القطاع ب 70% وارتفعت البطالة من 8 إلى 27 % مما اضطر البلد ليس إلى تجميد التجمع العائلي والهجرة النظامية بل حتى إلى طرد المهاجرين وتحفيزهم على العودة الطوعية لبلدانهم، بل والهجرة العكسية إلى بلدان مجاورة أو على الأقل الهجرة من البناء إلى الفلاحة والخدمات داخل نفس البلد.

 

7)  مرحلة الهجرات المغربية الجماعية 2018 – 2026: واستمرت سياسة الأزمة المالية اتجاه الهجرة وسياسة الطرد للمهاجرين إلى سنة 2018 حيث حدثت أزمة بين المغرب وإسبانيا على خلفية استقبال هذه الأخيرة في مستشفياتها لزعيم "البوليزاريو" إبراهيم غالي/بن بطوش، وكان رد فعل المغرب الغاضب وكأنه قد أرخى من دوره في حراسة الحدود فدخلت 8 ألاف مهاجر/ة غير نظامي منهم 1500 قاصر، في يوم واحد (الاثنين 17 ماي 2021). بعدها جاءت أزمة "كورونا" سنة 2020-2021 وجراء الإجراءات الاحترازية التي ركزت على منع التنقل والأسفار، علقت خلالها 7200 عاملة في اسبانيا دون أوراق ولا بطاقة الإقامة؟، وهكذا إلى أن جاء الخميس الأسود  30 يوليوز 2026 حيث زحف على "سبتة" سباحة بحرية في يوم واحد ما يزيد على 50 ألف مغربي ومغربية من كل الأجناس وكل الأعمار، دون بطاقة مرور ولا جواز سفر أو فيزا بيومترية أو حتى ما وضعوه للتو من سياجات بحرية عائمة، ورغم ما يقال من أنه قد عادت منهم حوالي 48 ألف، فقد كان الحدث كارثة بكل المقاييس والاعتبارات والملابسات، ويفتح سؤال الأسئلة الحارقة على كل التساؤلات؟.



              ختاما، أكيد أن كل الأطراف بقدر ما نالت من وضعية الهجرة غير النظامية هذه بعض ما يمكن أن نسمية مكاسب، بقدر ما وقعت عليها أضرار ربما أشد وأكثر، ومن ذلك:

1)المغرب: قد يكون كسب شراكة الهجرة الدائرية (Gecco)، بعض التحويلات المالية وبعض مساعدات الاتحاد الأوروبي (Frontex)، ولكن عليه ضغط حراسة الحدود وما يناله جراء الهجرة بشكل عام من نزيف الطاقات والتفكك الأسري وظروف إقامة مهاجراته..؟.

2) إسبانيا: لها مكاسب إنعاش اقتصاد المدينتين السليبتين(20 مليار يورو/2023 )، جلب اليد العاملة الرخيصة وتأمين مواسمها الفلاحية ب(80%)، لكن تتبعها مسؤولية الموتى والغرقى في البحر ووصم إساءة التعامل مع المهاجرين ضدا على حقوق الانسان، مع ما لا يرحمها من الضغط على الخدمات،

3)الاتحاد الأوروبي: وقد يكون كسب شراكة موثوقة ومعتمدة مع المغرب  ويساعده في بعض المشاريع التنموية في الموضوع، لكنه فشل في تحقيق التحول الحلم من الهجرة بالقوارب إلى الهجرة بالعقود، وكذلك في إيقاف ما يتفجر كل يوم من الاتجار بالبشر أو يحتد من الصراعات الاجتماعية ومشاكل الاندماج..؟.

 

       كل هذا يضعنا كأطراف ومجتمع دولي أمام تحديات جسيمة في الموضوع ويوجب على الجميع البحث الجماعي عن حلول مشتركة ناجعة وآفاق رحبة لتأمين الهجرة وتجويدها، ومن ذلك:

1)على المدى القريب:

* توسيع الهجرة الدائرية أعدادا ومناطق ومجالات..

* حماية العاملات بتوفير سكن لائق ومراقبة الضيعات..

* منع البقاء غير القانوني بعقد واضح وغرامة على الباقيات وعلى المشغلين..

2)على المدى المتوسط:

* الاستثمار التنموي النظيف في المغرب بعقلية نقل المعمل بدل العامل.

* التكوين المهني وإعارة فائض الخريجين إلى الدول المحتـــاجة وفق عقود.

* المشاريع المدرة للدخل في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مع العمل على ضمان النجاعة والتعميم.

3) على المستوى البعيد:

* تنمية حقيقية و سياسة هجرة مشتركة وإدماج حقيقي

* عدم الاستغلال والقضاء على أوضاعه: ساعات عمل أكثر وأجور أقل، البدون أوراق، هشاشة المساكن..

* الادماج الحقيقي ومحاربة الاغتراب بتعلم اللغة وتفادي العنصرية والفراق الأسري والصدمة الثقافية عامة، ومن المؤكد بهذا الصدد أن حفاظ المهاجرين على هويتهم وقيمهم وثقافتهم أدعى لاندماجهم من سياسات التماثل والتطابق (Assimilation) التي طبقتها بعض الدول الأوروبية حتى في المأكل والملبس..، ولم تؤدي إلا إلى نتائج عكسية وتقاطبات حادة.

 

        وتبقى الهجرة خيار بشري منذ الأزل وضرورة إنسانية أحيانا، لها مكاسبها الانفراجية وإكراهاتها الموضوعية، ولكن الاشكال قد لا يكون في الهجرة كهجرة بشكل عام وإنما في نوع منها وهي الهجرة غير النظامية، غير الحقوقية وغير الاندماجية، والتي قد لا تكون بين حدود البلدان فقط بل أيضا بين طبائع النفوس وأمزجة الذوات في نفس البلد بل في نفس الأسرة ونفس البنية الاجتماعية والعقلية الثقافية، وتلك قضية أخرى أشد وأعقد.

الحبيب عكي 


اقرء المزيد

الاثنين، 20 يوليو 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

ومتى سنعد فريقا كرويا ينتصر على فرنسا؟.

 

 أتذكر ذات مرة في إحدى مسرحياتي، وقد طرحت على صاحبي وبكل كوميدية سوداء مغرضة، سؤالا عريضا غليظا قلت له فيه وقد بدأ يعد علي المفاخر والمباهج "الوهمية" التي حققها البلد والتي بوأته مصاف الدول الكبرى فأصبح يرفل بفضلها في الرخاء والازدهار ومنها وعليها تشرق الشمس، فسألته سؤالا مريرا قلت له فيه مازحا: "ولكن، متى سنصعد على سطح القمر"؟. أجابني بنفس المكر والاختزال: "ساهلة، يوم سنتعامل بيننا كإخوة، لا حقد ولا حسد، يوم سنعيش كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، يوم تلد أسرنا.. وتلد.. وتلد، وتخرج مدارسنا.. وتخرج ..وتخرج، حتى تتخرج منها الطبيبة والمهندس، الأستاذة والمفتش، القاضية والمحامي..، إييه، الأطباء والمهندسين والأساتذة والمحامين..، ماشي الشمكارة والسيرورة والطلابة والحراكة والبرامط في البار والضاربات على الآلة الكاتبة؟. خاصنا نولدو ونربيو.. ونولدو ونربيو..ونولدو ونربيو..، حتى نستطيع تكوين فريق كروي يفوز بكأس العالم، عندها القمر شخصيا وذاتيا.. بقدره وجلاله سيهبط عندنا ويتمدد أمامنا ويقول: " ها أنا أمامكم وملككم، تفضلوا اركبوا على ظهري، مرحبا بكم"؟.

 

اليوم، وفي نفس "خلط/جلط" الأحلام والأوهام، وفي طغيان الهزل الناعم على الفصل الصلب، لو أعدنا لعب هذه المسرحية بعد تحيينها، سأتمسك فيها بقضايا القيم والعدالة وكل يوم تزيد الفوضى من حاجتنا إليها، سأتمسك بالبنيات والمؤسسات الاجتماعية السليمة وعلى رأسها الأسرة الشرعية والمدرسة الوطنية شريطة تمسكها الأن بالمكاسب و قدرتها على الحد من نزيف خراجها من هجرة الأدمغة خارج الوطن، ولكن مسألة تكوين فريق كروي يفوز بكاس العالم، سيتراجع فيها طموحي إلى مجرد فريق كروي يفوز على فرنسا، لأنه في الحقيقة من يمنعنا من الفوز بكأس العالم، أليست فرنسا؟، وبالتالي، إذا ما فزنا عليها وتخطيناها فكل الفرق بعدها سبق وأن "بهدلناها"، ألمانيا، بلجيكا، إسبانيا، هولاندا، كندا، أمريكا.. والقائمة طويلة، الرأس الأخضر والرأس الأحمر بل وكل الرؤوس القارية بكل ألوان وشعور العالم؟. لكن، كيف يمكننا الفوز على فرنسا؟، وأية خطة استراتيجية ستسعفنا في ذلك؟، وهل يمكن لفرنسا أن تكون مثل القمر، إذا ما توفرت بيننا شروط، منحتنا نفسها راضية مثلما هبط إلينا القمر ومد لنا ظهره؟.

 

تنافسا حربا وإكراها، أو رضا غواية واستسلاما، في كل الأحوال، لابد من خطة وبرنامج عمل بفصول وأبواب واضحة ومواد وبنود متماسكة، سنحاول إجمالها في خمسة وهي:

 

1-    اليقين بأن الأمر ممكن وليس من المستحيلات:

           ففرنسا وطوال حوالي المائة عام من عمر منافسات كأس العالم، وعبر دوراتها 23، لم تفز منها فرنسا إلا بنسختين يتيمتين (1998 – 2018) ولم تحل وصيفة حتى إلا في نسختين (2006 - 2012)، هذا رغم مشاركاتها المبكرة في المنافسات منذ 1930 والمتكررة عدة مرات (16 مرة)، ورغم ما كانت تلعب به من أسلوب بدني قوي، وسرعة في المرتدات وبراعة في الفرديات وعدم الخوف من أي فريق.. وهي المدججة بالنجوم الأفارقة من كل الأندية الأوروبية الكبرى، ورغم هذا، فطالما انهزمت تاريخيا أمام ألمانيا وإيطاليا، إسبانيا والبرازيل..، وكل هذه الفرق وغيرها سبق وأن واجهها الفريق الوطني في ذات المنافسة العالمية وبتفوق تاريخي. إن اليقين بما هو تركيز ذهني ورباطة جأش نفسي - كما يقول المحللون - يعتبر نصف المقابلة (50%) ليبقى النصف الآخر لطراوة اللاعبين وتكتيك المدربين، لأن الكل في الملعب يجري هنا وهناك، ويبقى الفرق الحاسم خاصة في الثلث الأخير من المقابلة لهذين العنصرين، بهما يمكن للفريق أن يتغلب على الضغط النفسي للجماهير، أن يخلق ويحسن استثمار الفرص المتاحة، أن يتجنب الأخطاء المجانية القاتلة، أن يدخل في المقابلة مبكرا ويعود فيها إن انهزم، وكل من فقد الثقة في نفسه وفريقه واليقين في حظه وخطته، فإنما يكذب على نفسه ولا يمكنه ربح معركة هو نفسه لا يؤمن بها أو بقدرته على خوضها فبالأحرى حظه في حسمها.

 

2-    الممارسة والتكوين بمعايير البناء والتعميم والتراكم:

ممارسة شعبية واسعة، وتكوين شامل مستمر وفق حمولات ثلاثة: عقلية، جسدية، وتنظيمية، ووفق هيكلة يمكن أن تكون: دراسة ولعب وأخلاق أو ما كنا قد سميناه ومشينا عليه في جيلنا أيام الشباب: ( عبادة + دراسة + رياضة = النجاح والسعادة)، لأن في هذا الشعار سيجمع اللاعب في الحقيقة كل الفضائل وبشكل متوازن، وسيضطر التلميذ الهاوي أن يهتم بالدراسة قبل الرياضة حتى لا يحرم منها. وفي الحقيقة أيضا، ينبغي الإقرار بأنه ورغم كل الجهود المبذولة لتنمية الرياضة الكروية عندنا والرهان التنموي والسياحي عليها، فإنها لا تعدو إلا أن تكون كل هذه الجهود في بداية البدايات، وضجيج الأرقام يتحدث أن فرنسا التي نريد تجاوزها مثلا، تتوفر على 37 مركز تكوين على رأسها (Claire fontaine) وهو بمثابة أكاديمية محمد السادس عندنا، والتي لا نتوفر منها إلا على نسخة واحدة فقط، في حين نحتاج إلى مثلها في كل جهة بما يعني (12 أكاديمية رياضية)، بدء بأكاديميات طنجة وفاس والعيون والرشيدية. مراكز صارمة تراقب القوة والدراسة في حين أن مراكز إسبانيا (42) تراقب اللمسة والاستحواذ، وكلها تخرج مواهب نجوما وأبطالا بملايين الدولارات،  فرنسا تتوفر منهم على 800 لاعب محترف في حين لا يتعدى العدد عندنا 120 فقط، وينبغي أن نصل إلى 400 على الأقل، فرنسا تنفق على كرتها 1.2 مليار يورو في حين لا نتعدى نحن 600 مليون يورو، وهو رقم كبير بالنسبة لأولوياتنا الصحية والتعليمية والتشغيلية والسكنية.. وبقية الرياضات الفردية والجماعية، لكن على الأقل، ينبغي تدبيره بحكامة، فملاعب القرب عندنا مثلا، إنجاز جيد، ولكن أين نحن من تعميمها ومن عائدها الرياضي والتربوي على الطفولة والشباب، وهم وإن وجد بعضها في حيهم لا يملكون تكلفة الولوج إليها؟.

 

3-    الإعداد الشمولي:

   لأن الدول الكبرى التي لا زالت تبهر العالم بكرة قدمها، لا تحظى بالفوز بمنافساتها القارية أو السير فيها إلى أبعد حدود ممكنة، بالكرة وحدها وإنما بمنظومة متقدمة متكاملة اقتصادية وسياسية واجتماعية منصفة وعادلة، تلبي حاجيات مواطنيها وفوق المطلوب و"اللي لعب فيهم جات معاه، واللي برز فيهم جات معاه". إذ الكرة كما يقال: " لعبة وحولها تدور كل الألاعيب من المراهنات إلى الاشهارات، ومن المنشطات إلى المثبطات، والملهيات الفرجويات..". ولا نريد رهانا رياضيا خاسرا منذ البداية كرهان دول أمريكا الجنوبية في البرازيل والأرجنتين والتي رغم تقدمها الكروي لازالت تئن تحت وطأة القهر والفقر والهشاشة الاجتماعية؟. بينما الدول المتقدمة كرويا  في أوروبا لها تاريح طويل من السياسة الديمقراطية ومن الاقتصاد الليبرالي المنتج والسياحة العالمية الكاسحة، والتي استثمرت فيها مآثرها التاريخية من قصور وقلع محصنة وصامدة، ومنتجعات طبيعية خلابة ومآوي مريحة..، فجلبت إليها ملايين السياح لدعم الرياضة التي تدعمها هي بدورها. فعدد السياح في فرنسا وحدها يصل إلى 102 مليون سائح سنويا منها حوالي 40 مليون في جبال الألب وحدها، في حين أن جبالنا تكسوها الثلوج في الشتاء وتبقى كذلك إلى أن تذوب على راحتها وفي سكينتها؟. وعدد السياح تحت شمس وشواطئ والمآثر  الأندلسية لإسبانيا يبلغ سنويا إلى حدود 97 مليون. في حين أن واحاتنا نحن تجف وبوادينا تهجر وضواحي مدننا الأن تسوى واجهاتها وتشرد ساكنتها بقوة من أجل 2030، قيمنا الحضارية وتراثنا اللامادي الزاخر لا يزالان بكرين أو يكادان ولا نشتغل عليهما ولا نستثمر فيهما بأي سياحة ثقافية راقية، صحتنا وتعليمنا، تشغيلنا وسكننا..، هل هناك كأس عالم بإخفاء الحقيقة التي لا تخفى؟.

 

4-    الاستحقاق ومحاربة الريع:

          محاربة الريع الذي ينعت به المجال الرياضي بشكل عام، بدء من الأندية والاتحادات إلى العصب الجهوية والجامعات الوطنية، حتى أضحت بعض الرياضات وبالأخص تدريبا وتسييرا حرفة من لا حرفة له، وأضحت بعض الفرق الوطنية لا يجد فيها المرء مكانا له – كائنة قدراته ومواهبه ما كانت – إلا من باب ضربة حظ أو من كانت "أمه في العرس"، وأضحت بعض الأندية والاتحادات الكبرى لا تستطيع تجديد هياكلها وإذا ما ابتلاها المبتلي فبمعارك داحس والغبراء وكسر الكراسي والتقاذف بالصحون؟. وجراء كل هذا، تراجعت أندية وماتت أخرى، وأقصيت رياضات من الدعم وحتى من الانتظام أحيانا، ولا تزال أقاليم وجهات وفئات اجتماعية محرومة من تواجد رياضات في مناطقها أو فضاءات مناسبة ولوجة لممارستها، كما حرمت كفاءات رياضية من مكانتها التي تستحق ضمن صفوف الفرق المحلية والوطنية وجلبت بدلها بروفايلات بالدوباج الإعلامي أو موضة وعقدة الأجنبي؟. لماذا لم تجد أسماء شامخة معطاءة مكانها في الفريق الوطني كبار لكرة القدم وقد بحت أصوات المواطنين مطالبة بها ومأملة فيها؟، لماذا كلما تجرأ لاعب على أن يعبر كإنسان على موقف شجاع من قضية إنسانية كان مصيره التهميش والاقصاء؟. أين مكان الطاقات الجديدة والمجددة والمتجددة من شباب U20 و U23 وهم من أبانوا عن علو كعبهم في الكرة وأبهروا العالم أكثر من غيرهم وغير ما مرة؟. إن الفريق الأمثل وفريق المباريات الصعبة لابد أن يكون منسجما متكاملا، نعم، ولكن أيضا مخضرما ومن عدة مدارس وأجيال، مثلا: 5 لاعبين يمارسون في الدوري الوطني، و 4 في الدوريات الأجنبية من ذوي الجنسية المزدوجة، و2 شباب من U20 و U23. لكن، أين مراكزنا لاستقطاب هؤلاء في أوروبا وآسيا وأفريقيا، أم أن شاشات التلفاز تكفي وهي بعيدة كل البعد عن اللعب في الحارات مشتل المواهب والطاقات والكفاءات؟.

 

5-    الهوية الوطنية والتركيز الذهني والانتصار النفسي:

          انطلاقا من "البهدلة" التي أذاقها الفريق الفرنسي للفريق الوطني خلال مباراة الربع من فعاليات كأس العالم 2026، والتي ذاق مثلها وأكبر منها فريق الديكة ذاته من طرف فريقي إسبانيا في نصف النهائي (0/2 )وفريق إنجلترا في مباراة الترتيب من بعد (4/6 )، يتبين بالملموس أن فريق الديكة ليس بالفريق الذي لا يقهر كما تصوره البعض، وأن فريق الأسود لم ينهزم من طرفه رغم ذلك إلا من قلة التركيز ومن الضغط النفسي، فقلة التركيز جعلته ينسى أسلوبه القتالي المعهود في المنافسات، أسلوبه الجماعي والاستعراضي الممتع، وحتى الفرديات الانقادية التي يقوم بها البعض(ديوب والعيناوي)، نسي اللاعبون أماكنهم وأجنحتهم والبناءات المطلوبة منهم ومتى وكيف ومع من، فلم يستطيعوا الدخول في المباراة فبالأحرى قيادتها أو العودة فيها بعد الهزيمة؟. ليس هذا من قلة التركيز فحسب، بل أيضا النفسية المهزوزة التي دخلوا بها جراء تمثلات غير صحيحة تمثلوها أو وصلت وتسربت إليهم كاعتقادهم أن الديكة فريق لا يقهر و لا يمكننا إلا أن نخرج معه بأقل الخسائر فانتقلوا من تدبير النصر إلى تدبير الخسارة، وأيضا يحدث هدا بتحميل المباراة حمولة تاريخية وسياسية لا تحتمل، وأنى للمستعمَر أن ينتصر على المستعمِر؟، وأنى لمن يعتبر نفسه خاسرا أن يربح وهو من سابع المستحيلات؟، مع أن الكرة لا تعترف إلا بالميدان والخطط والخطط المضادة، وكم من تلميذ ماهر تفوق فيها على مدربه وأستاذه؟. أما عن الهوية الوطنية، فلا نضرب في هوية أحد، وكل المغاربة مغاربة في الداخل أو في الخارج، ولكن، انطلاقا من الفريق الفرنسي ذاته والذي ينعت بأنه فريق الأفارقة لأن لاعبيه السمر ومجملهم كذلك، لا يربطهم بفرنسا إلا الجنسية والمنح الخبزية؟، عكس لاعبينا والحمد لله - الحاليين خاصة ومنذ قطر 2022- بهويتهم الوطنية وقيمهم وأخلاقهم إلى درجة ينعتون فيها ب"فريق الساجدين ورضاة الوالدين" وقراءة الفاتحة والدعاء في المستودعات وعند البدايات، أسود لا لبؤات لا "شعكوكات" ولا قلائد..، ولكن، لا أدري لماذا يعيب عليهم بعض :المتثاقفين" سلوك السجود هذا في الملاعب؟، ولما طغيان الحديث بالفرنسية من بعضهم ولو مع الصحافيين المغاربة، وأكيد مع الجمهور المغربي العربي والأمازيغي؟، وهل من الهوية الوطنية ضحك بعضهم ملأ الأشداق بعد الخسارة المرة والتي أجهشت البعض الآخر بالبكاء؟، على أي، إن حمل القميص الوطني حمل أحلام شعب وحقه في الفرحة ولو بانتصار كروي مؤقت، وكما يقال: فاللياقة والتكتيك يوصل الفريق بسلام إلى 70 دقيقة من المباراة مما يمنحه فرصة عريضة للانتصار، والتركيز والنفسية تحميه 20 دقيقة المتبقية وتمنحه فرصة ثمينة للعودة في المباراة بعد الهزيمة، بما يعني أن الجمع بينهما سيمنح صاحبه بالضرورة حظ الانتصار على فرنسا وعلى غيرها، ولما لا  الفوز بكأس كؤوس العالم ؟.







        
          الحبيب عكي   


اقرء المزيد

الأحد، 25 يونيو 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

لعبة تنتهي بباك

يحكي لي صديقي العزيز، أنه كغيره من آلاف الشباب والشيوخ، قد خاض هذه السنة تجربة غريبة وعجيبة، تمثلت في ترشيحه لاجتياز امتحانات البكالوريا أحرار شعبة الآداب والعلوم الإنسانية، وبفضل الله تعالى نالها في السنة الأولى وفي الدورة الأولى يونيو 2023. وهو الاطار العلمي صاحب البكالوريا العلمية القديمة، وهو البالغ اليوم من العمر سن الإحالة على التقاعد، بعد مسيرة مهنية مرهقة في مجال التربية والتعليم، وفي جو عام يتسم بكثير من العزوف عن القراءة الذاتية والاطلاع وكذلك النفور من التكوين المستمر لنذرته أولا، ولما يكتنفه في رأيه وفي كثير من الأحيان من الضبابية والهزالة، حتى أنه قد يصدق اليوم من يرون أن مستوى الأستاذ لم يعد يساوي شيئا في بعض الأحيان وهو الركن الركين في العملية التعليمية التعلمية التي ننتظر منها تحقيق المعجزات، لكن،  والحالة هذه فأنى لها ذلك؟.

 

لكن، يبدو أن الأستاذ يبقى أستاذا، وإذا ذكر بشيء مهما كان معقدا أو طاله النسيان تذكر، وأفاد وأجاد ونفع وأسعف وفكر، وفي ذلك ما عاش عليه صاحبنا وطالما ربى عليه الأجيال تلو الأجيال من مهارات التفكير والسؤال ومكتسبات التحليل والمقال. وأكيد أن ذلك ما كان في تجربته الرائعة ومغامرته الشيقة التي أحببت بعد استئذانه أن أتقاسمها معكم لكل فائدة ترجى، وكلانا على يقين أن الآلاف منكم يريدون خوض نفس التجربة ولكنهم متخوفون من مسارها المضني وتكلفتها المادية والمعنوية، وبالتالي تصدهم عنها إكراهات حقيقية ووهمية، لعل في بعض تفاصيل هذه التجربة المتواضعة والشيقة لصاحبنا ما سيبددها، ترى ما أصل الحكاية في الموضوع؟، ما المنهج الإعدادي المثمر والفعال الذي اعتمده؟، ما الاكراهات التي قد صادفته وكيف تغلب عليها؟، وأي عبرة يمكن استجلاؤها من كذا لعبة أستاذ متقاعد انتهت بباك، وبمصادفة العديد من الطرائف المضحكة المبكية ربما خصصت لها مقالة أخرى بإذن الله؟.

 

أصل الحكاية أيها السادة كما يرويها صاحبها، ربما قد يكون بدأ منذ صدور دورية الوزير الأول آنذاك، المرحوم "المعطي بوعبيد"، والتي منع بموجبها سنة 1982 متابعة الدراسة الجامعية على الموظفين، حارما إياهم من حقهم الدستوري المشروع بشكل غير مشروع، قبل أن يتراجع عن هذه الدورية المشؤومة رئيس الحكومة "عبد الاله بنكيران" سنة 2015 وإن بشروط أيضا معرقلة. هؤلاء الموظفون الذين اضطرتهم ظروفهم لولوج أسلاك الوظيفة العمومية باكرا فحرموا من الدراسة الجامعية باعتبار "بيضة اليوم خير من دجاجة الغد"؟. دافع آخر حسب ما أخبرني به، هو أنه خلال حراسته المتكررة للمترشحين واطلاعه على أوراق بعضهم، كثيرا ما كان يرى أن الأجوبة أوضح مما كان يكتبه المرشحون، وكان يتمنى لو أنه كان مكان بعضهم ليجيب بشكل أفضل؟. وأخيرا، إحالته المرتقبة على التقاعد وهو الأمر الذي رأى فيه مناسبة للفظ الغبار على ما طاله من الحرمان، وفرصة سانحة لولوج الدراسة الجامعية ولو بعد حين، وبكل متعة وفائدة دون ضغط ولا إكراه ولا حتى انتظار عائد غير عائد المتعة والمعرفة، خاصة في شعبة طالما أحبها بل مارسها كهواية ورسالة لسنوات وسنوات ألا وهي الكتابة الإبداعية؟.

 

أما عن المنهج الإعدادي، فقد اعتمدت صديقي الناجح المنهج الذاتي والعصامي بالدرجة الأولى، فلم يلج مركزا لدروس الدعم، ولم يبحث فيه عن فريق للمترشحين الأحرار قصد إعداد جماعي، ولم يتطفل على الأصدقاء من أساتذة التخصص فيحرجهم بطلب المساعدة، ولم يكن مستمعا حرا في ثانوية خصوصية أو عمومية وكل هذا كان بالامكان، ورغم ذلك، فمنذ تمكنه من وضع ملف الترشيح إلى يوم الامتحان، وعلى مدى حوالي خمسة أشهر، تمكن بفضل الله من مراجعة المقرر الكثيف ثلاث مرات، المرة الأولى للاطلاع المصحوب ببعض التمارين التوضيحية، والمرة الثانية للتركيز والضبط مع إنجاز نماذج تطبيقية متعددة من الامتحانات السابقة، والمرة الثالثة في العشرة أيام التي فصلت بين الامتحان الجهوي والامتحان الوطني وكانت منة من الله ساعدته على مزيد من الضبط والتذكر؟. ولكن كما ذكر لي كان يستعين  كثيرا طبعا بالمدرسة الشعبية التفاعلية العالمية المجانية "Youtube" وما يزخر به من أساتذة متطوعين معطائين منهجيين فضلاء، وسط بحر من التيه والتطفل، فلهم منا ومنه جزيل الشكر وكل التقدير والامتنان؟.

 

طبعا، ورغم العزيمة وقوة الإرادة، فقد واجهته إكراهات وبعض الصعوبات، لعل أهمها كما قال لي هي البيئة المحبطة والمتقاعسة والتي لا تهتم بأي شيء لا ترى فيه عائدا ماديا بالدرجة الأولى، كما قال له أحد الأساتذة الأصدقاء وهو يخبره بالموضوع فقال له وبكل مرارة: "وماذا ستفعل بالباك وقد هرمت وأصابك الخرف مثلي.. كل ترقياتك قد أتممتها وزيادة.. أتريد أن تذهب به إلى القبر"؟؟،  بعدها لم يخبر أحدا بعده غير أهله؟. وإكراه آخر، ورغم أنه كان يعد على مهل ودون ضغط ولا حساب لنجاح أو سقوط أو قيل وقال، فقد أصابه بعض الفتور والتراخي خلال شهري 3 و 4، لما كان يرى من بعد موعد الامتحانات في شهر 5 و 6، وظهور بعض النسيان والتداخل لديه في المفاهيم خاصة ما تعلق بالمنهجيات الفلسفية والمصطلحات في الاجتماعات والتربية الإسلامية وبعض الأساليب في اللغات الأجنبية؟.

 

وأخيرا، إكراه كثافة المقرر وحشوه بما يلزم وما لا يلزم حسب رأيه، ففي اللغة العربية مثلا، لدينا الشعر العربي كموضوع وفيه: مدرسة إحياء النموذج.. سؤال الذات.. تكسير البنية.. تجديد الرؤيا.. الحقول الدلالية.. المعاجم اللغوية.. الإيقاع الداخلي.. الإيقاع الخارجي.. الصورة الشعرية.. البحور الشعرية.. الأساليب الخبرية والأساليب الإنشائية.. والأساليب الحجاجية.. القصة.. المسرحية.. النص التطبيقي.. النص النظري.. المنهج الاجتماعي والتاريخي الموضوعاتي والبنيوي والنفسي.. وفي كل شيء منهجية .. مقدمة.. شكل ومضمون؟. وفي الفلسفة أيضا، أربعة مجزوءات، وفي كل مجزوئة ثلاثة مفاهيم وفي كل مفهوم ثلاثة محاور، أضف إلى ذلك كثرة الفلاسفة وكثرة أقوالهم وما يقولون وفيما يقولون، والمنهجية الفلسفية حسب النص أو القولة أو السؤال.. مع ما قد يكون في كل منهما من تشابه أو اختلاف في المقدمة والتحليل.. والمناقشة.. والتركيب.. وما يطلب في كل فقرة من فقرات المقال الفلسفي شكلا ومضمونا والعلاقة بين كل هذا والربط والاتساق أيضا؟.

 

كل هذا، لم ينفع معه إلا توفيق الله تعالى، وشيء من العزيمة وقوة الإرادة والإصرار والمثابرة ومراجعة المراجع وضبط المضبوط، والتركيز التطبيقي على المعرفة الواضحة والمنهجية المضبوطة والجواب في صميم السؤال وفي حدوده وبشكله بعد مجهود فهمه بشكل صحيح؟. والحمد لله أن التوفيق والنجاح كان حليفه وبمعدل جيد بحوالي 20/14 ونقط مشرفة 14 في التربية الإسلامية و 15 في الفرنسية و17 في اللغة العربية و18.5 في الفلسفة التي كان يخشى منها، وفي كل المواد معدل وفوق المعدل إلا مادة واحدة هي الرياضيات التي راهن فيها فقط على تجنب نقطة الصفر فإذا به قد اقترب من المعدل بإعداد مجزئتين فقط هما الاحتمالات والمتتاليات، ليتبين له كما قال له أحدهم بعد علمه بنجاحه أن "الخرف العقلي" أسطوانة مشروخة للمتقاعسين، وأن الإنجاز أي إنجاز يمكن أن يحققه المرء إذا توكل على الله وأحسن التخطيط والاعداد له ولو كان من المسنين؟. كما يتبين للسياسيين العابثين - سامحهم الله - أن حق المواطن لا يسلب منه بجرة قلم وقرار ظالم، فالحقوق لا تنسى والأحلام لا تموت ولو بعد عقود؟.

 

كان على أصحاب القرار المنصفين كما انتهى بنا الحوار والاعتبار، أن يفتحوا كل أبواب طلب العلم وفضاءاتها أمام المواطن ويشجعوه على ذلك، لما فيه من فائدة مرجوة وتنمية محققه للوطن والمواطن، كان بالإمكان فتح جامعات شعبية (محمد الكحص).. جامعات ليلية (لحسن الداودي).. جامعات رقمية منزلية عن بعد..؟. كان "الداودي" قد رخص في 2015 لحوالي 35 ألف موظف بمتابعة دراستهم الجامعية، وفي هذه السنة يصرح "بنموسى" بأن 21.4 ألف / 80 ألف من المترشحين الأحرار قد اجتازوا امتحانات الباكالوريا 2023 بنجاح. أليست هذه ثروة بشرية نؤهلها؟، أليست هذه تنمية بقيمة مضافة لكفاءاتنا التي منحناها فرصة أخرى؟، فكيف لو قمنا بتعميم هذه الفرصة على الجميع وتفعيل حق مشاركتهم في كل الامتحانات الاشهادية ( ابتدائي.. اعدادي.. ثانوي.. جامعي.. دكتوراه..) يشارك فيها الجميع كل حسب مستواه، ويستفيد ماديا ومعنويا من كل نجاح يحققه وإنجاز يراكمه، ألا نكون قد أسسنا لصرح ثورة معرفية ثمينة تنموية حقيقية ووطنية كبرى، بدل هذا الذي يغرق أجيالنا الصاعدة، من أوحال وتفاهة العديد من المجموعات الفارغة والتطبيقات المائعة والصفحات الضائعة التي غزتنا وآسرنا ومدارسنا بالطول والعرض فشتت تركيزنا وأضحلت معارفنا وأفسدت ذوقنا وتفكيرنا..، ولو رأينا الأمور على حقيقتها لأدركنا أن تركيز ساعة في الدراسة وتوجيهها في المفيد والبناء خير من فرجة وعبث قرن وتشتيتها في الفراغ والضياع؟.

الحبيب عكي 


اقرء المزيد

الثلاثاء، 28 فبراير 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

قصة أعجبتني.. أخوة تتمزق عند القاضي.

يحكى أن ثلاثة إخوة أشقاء، وبعدما مات أبوهم وتعكر بينهم وبين زوجاتهم وأبنائهم صفو العيش وقل رغده، أرادوا اقتسام ما تبقى لهم من ميراث أبيهم، لكن ما عثروا عليه في قرطاس وصيته لهم لم يفهموه، فتوافقوا على فكرة صائبة تقضي بأن يذهبوا جميعا ككل الناس إلى الفقيه القاضي لعله يفك لهم لغزها، ويعطي لكل واحد منهم نصيبه وما أوصي له به كاملا غير منقوص، حزم الإخوة حقائبهم وجهزوا أنفسهم وركبوا على دوابهم وأخذوا طريقهم إلى الفقيه القاضي وكان يسكن بعيدا عنهم في بلاد أخرى، وبينما هم في طريقهم إليه إذ رأوا مرائي غريبة زادت من حيرتهم وشدت بتفكيرهم خلال أيام وليالي السفر أكثر من قضية ميراثهم الغامضة؟.

 

كان أول ما رأوا في طريقهم حصانا ضعيفا هزيلا وكأنه هيكل عظمي في مرعى أخضر فاره الخصب والعشب، مقابل حصان آخر سمين قوي نضر في مرعى قاحل جاف لا ماء فيه ولا كلأ إلا ما نذر؟. وبينما هم يستأنفون طريقهم وهم يستغربون مما رأوا ويحاولون فهمه وفك لغزه دون جدوى، إذ يقفون على واد ضخم على مشارفه يسمعون نقيق الضفادع ضخما وعاليا وخرير مياه رقراقة متدفقة وكأنه وادي عظيم المياه مفعم بالخصب والحياة، لكن ما أن طلوا عليه حتى وجدوه واديا جافا فارغا لا ضفادع فيه ولا مياه ولا أي مظهر من مظاهر الحياة النهرية أصلا؟. زاد استغرابهم كاستغراب قافلة في الصحراء من شدة جوعها وعطشها تتخيل كل شيء؟.

 

تابع الرحالة الملفوفون في ثيابهم وكأنهم الطوارق، تابعوا طريقهم إلى مقصدهم وسط العجائب والخوارق وغرابة الواحدة منها أغرب من الأخرى، الخارقة الثالثة أنهم رأوا أفعى ضخمة كالتنين خرجت من جحرها بكل انسياب وسلاسة، لم تبلع الرقطاء شيئا ولم تشرب ماء خلال زحفها ونزهتها في الغابة الفيحاء، ولكن ما أن أرادت العودة إلى جحرها حتى لم تستطع وضاق عليها قطر الجحر ولم يسعها؟، كأن الأقدار قد حكمت عليها بالمكوث في العراء ظاهرة للعيان لا تستطيع منهم التستر والخفاء، وفي انتظار أن تجد لها جحرا وملجأ جديدا، لاشك أنها ستوقع من الضحايا ما ستوقع ومن يدري ربما كانت هي ضحية الضحايا لما ناصبتهم اللدغ والعداء؟.

 

أخيرا، وصل الإخوة المسافرون الثلاثة إلى بيت الفقيه القاضي، و وجدوا أمامه شيخا كبيرا طاعنا في السن، ملفوفا في سلهامه يحرك تسبيحه ذكرا وشكرا، سألوه هل هو هو؟، أجابهم الشيخ الكبير الجالس أمام باب المنزل بأنه ابن القاضي، أما القاضي بالذات فإنه هناك يلعب مع الشباب، وأشار لهم بيده إلى ملعب كان قريبا من هناك، فتحركوا نحوه ليجدوا الفقيه القاضي يلعب مع الشباب بكل حيوية ونشاط وكأنه لازال في ريعان الشباب فعلا، طلبوه فجاءهم، وأخبروه أنهم قد قصدوه لما عرف عنه من الفقه والحكمة والعدل والإمامة، ليفسر لهم لغز إرثهم في وصية أبيهم. ولكن قبل ذلك ترجوه أن يفسر لهم ما رأوه من غرائب رؤاهم في الطريق إليه؟.

 

رحب الفقيه القاضي بطلبات ضيوفه الثلاثة، وبدأ يفسر لهم غريب مشاهداتهم في الطريق فقال:

1- أما الحصان السمين في المرعى القاحل فتلك هي القناعة، ومن قنع شبع، وأما الحصان الهزيل في المرعى الوارف، فذلك هو الطمع، ومن طمع جاع، وبقدر طمعه تزداد جوعته ولا يردها شيء؟.

2- وأما أصوات الوادي الفارغ، فذلك وادي آخر الزمان الجارف، جري.. وجري.. وجري.. وسط الضوضاء ولا شيء غير الجري والضوضاء، لا ماء يمسك ولا ريح يعقد، على قولهم "جعجعة ولا طحين"؟.

3- أما الأفعى الضخمة الرقطاء التي لم تستطع العودة في جحرها، فتلك مثلها مثل الكلمة السيئة، إذا خرجت من في صاحبها لم يستطع إرجاعها.. ولا محوها.. ولا إيقافها، وهي لابد متجولة مبتكة آذان سامعيها موجعة قلوب ضحاياها؟. وكل ذلك مما يفسد العلاقات ويقطع الوشائج بين العباد.

 

            زاد استغراب الإخوة الثلاثة فسألوه لطفا عن حاله مع ابنه، كيف شاب ابنه وهرم وهو الأصغر؟، وكيف لازال هو يتمتع بشبابه وقوته وهو الأكبر؟. قال لهم مبتسما: "قبل أن أجيبكم عن هذا السؤال اسمحوا لي أن أدعوكم لمأدبة عنده حتى نقوم بواجب ضيافتكم، وداره بالقرب من داري"؟. قبل الإخوة استضافة الشيخ ولو في دار ابنه فلا فرق. وبينما الإخوة في دار الابن رأوا زوجته على جمالها، كم هي قبيحة المعاملة سليطة اللسان، لم تطق ضيوفه على غرة، ولا أرادت خدمتهم، فبالأحرى إكرامهم ولو بما تيسر ولو بالكلمة الطيبة؟. قام الناس محرجين ليكملوا ضيافتهم في بيت الشيخ القاضي ورأوا كيف أن زوجته كيف رحبت بهم وخدمتهم بكل فرح وسرور وبسمة ولطف؟. فقال القاضي لضيوفه: "هكذا المرأة الطالحة القبيحة السليطة.. المسرفة البخيلة.. تشيب زوجها قبل الأوان.. وهكذا المرأة الصالحة الجميلة الكريمة السخية، يسعد معها زوجها على مدى الحياة؟.  

 

            أما وصية ميراثكم يا أبنائي فإنها تفسر نفسها بنفسها، أما الأخ الذي كان قرطاس ميراثه حفنة من التراب فيعني أن له الأرض وعليه بفلاحتها وفيها سيكون رزقه على الله؟. وأما الابن الذي كان قصب ميراثه قرن شاة فيعني ان له كل الماشية، وعليه برعيها ورعايتها وتربيتها وتنميتها وبفضل الله ستجود عليه بخيراتها كلما أدى زكواتها؟. هنا تدخل الأخ الثالث حنقا فقال: " رحمة الله عليك يا أبي.. كتبت الأرض لأخي فلان.. والماشية لأخي علان.. فماذا أبقيت لي وأنا الأصغر الأحقر"؟. قال القاضي: " لست الأحقر  بل أنت الأشطر وصاحب الدينار الأصفر، ويعني أن أباك قد ترك لك التجارة وأوصاك بها وهي خير من الإجارة إذا ما وجدت من الشطارة ما تستحق، قضي الأمر الذي فيه تستفتون"؟.

 

            حكاية سمعت أغرب خيوطها من أحد الفضلاء في وليمة فأعجبتني، فنسجتها ببعض المناسج والاضافات والاستنتاجات، وأردت تقاسمها مع القراء الكرام الأفاضل، عل بعض الفوائد تنالهم منها  والفوائد منها مضمونة، وبها تكون الحياة متزنة، فليحذر أحدنا أن يكون مثل الحصان الهزيل في المرعى الخصب الأخضر (التيه واللاقناعة)، أو يكثر ضجيج السعي في الثلث الخالي دون معرفة زمانه ولا الاقدام على شأنه (ما لا طائل من ورائه)، أو يطلق سهام كلامه وتصرفه السيء وهما سيرتدان عليه ويصيبانه في وجع ومقتل قبل غيره (لا يحيق المكر السيء إلا بأهله)، واحذر من خضراء الدمن (المرأة الجميلة في المنبت السوء)، واحرص عموما على الفعل المناسب في المكان المناسب وبالشكل المناسب( فقها علما أو قضاء.. فلاحة رعيا أو تجارة)، ولا تحقرن من المعروف شيئا أي شيء، والله المستعان؟.

الحبيب عكي



اقرء المزيد

الأحد، 12 فبراير 2023

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الاضعاف الممنهج لتدريس العلوم الفيزيائية في المغرب.

 

أين منا جلال وهيبة تلك السنوات الماضيات، حيث كان التلميذ تملؤه مشاعر الفخر والاعتزاز، لمجرد أنه كان يدرس العلوم وتوجه إلى إحدى التوجهات العلمية، على جلال قدرها، وأهمية معارفها ومتعة تجاربها، واستعمالها المكثف والضروري واليومي في الحياة العامة،.. في تشكيل العقلية العلمية للتلميذ.. ونحت أسلوبه المنطقي في التفكير والتعاطي مع المشكلات والبحث عن الحلول للمستجد من الحالات.. في تعلم البرهنة والاستدلال والاستنباط والاستقراء.. والتحليل والتركيب والتفكيك والملاحظة والاستنتاج على نهج ( Claude Bachelard : O.H.E.R.I.C).. في الحكم على صحة الفرضيات والخلاصات من خطئها.. فإذا بالبرعوم اليافع وسيرا على نهج أساتذته وقدواته في علوم الرياضيات.. الفيزياء والكيمياء.. علوم الحياة والأرض.. يصول ويجول في مختلف طرق التحليل.. الطريقة العبثية (l’absurde) التقابلية (la contraposée) التكرارية (récurrence) التحليل والتوليف (analyse-synthèse).. يقنعك عند المناقشة.. يحيرك عند السؤال.. يبهرك عند الإجابة.. يحنتك أنت والسبورة عند المشاركة، وفي كل شيء يمارس بالعفوية والسليقة عمق التفكير وبراعة التحليل.. ومهارة حل المشكلات وفن اتخاذ القرارات.. واقتحام المستجدات، ويجعل كل من يراه لا يملك إلا أن يقول: فعلا، كانت هناك دراسة.. وكانت هناك مردودية.. واستفادت منها الأجيال؟.

 

اليوم مع تقدير كل المجهودات المبذولة، لم يعد شيء يسعف على ذلك، ولا حتى على نصفه أو ربعه أو شيء من ذلك، فما الذي حصل؟، وكيف فقدت المدرسة المغربية وهج تدريس العلوم، وربما، إلى درجة أصبح فيها سعي التلميذ إلى الظهور بالشغب، أفضل عنده من الظهور بشيء يسمى العلوم أو الآداب؟، وربما، إلى درجة أصبح فيه التوجيه إلى (Sciences Cuisines) و (Sciences Promenades) يساوي عنده التوجيه إلى العلوم التجريبية والعلوم الرياضية والتكنولوجيا والمعلوميات.. إن لم يكن مقدما عليها أفراد الهدر المدرسي وجماعات الفصل وجحافل التكرار؟. وبالتالي، لا غرابة أن يفقد المجتمع بحبوحة ما كانت تسمى بالتخصصات العلمية والوظائف التقنية والرقمية على أهميتها وتميزها ووفرتها آنذاك، لا غرابة أن نفقد بالأخص مساراتها العلمية تقليدية كانت أو مستجدة، مع  ما يتيحه ذلك من استكمال الدراسات العليا في شعبة من شعبها ومسلك من مسالكها، مع ما يؤدي إليه ذلك أيضا عند الجادين والطموحين من البحث العلمي والتجارب والابتكارات التي تنهض فعلا بتنمية الوطن وتبصم على تقدم الأمة ومساعدة الإنسانية في معاركها ضد التخلف والانحراف، بدل المفترى عليه اليوم من أوهام النهوض والتنمية البشرية بمشاريع "السانجير" و"الهندية" والماعز والخرفان والأرانب والدجاج؟.


 


الواقع، أنه قد تظافرت العديد من النكسات وضرباتها القاضية على منتجعات العلوم، وكانت تصورية وجو ممارسة وممارسة صفية وإشعاع ثقافي..، وكانت في كل مرة تأخذ من قوة العلوم وعزمها حتى أصبحت المسكينة على ما أصبحت عليه اليوم من الترهل والعياء وفقدان البريق والمعنى "لا أرضا تقطع ولا ظهرا تبقي"؟. وفي مجال تدريس العلوم الفيزيائية مثلا، وقبل البحث عن حلول ومقترحات النهوض، يمكن تفصيل هذه النكبات والنكسات على الشكل التالي:

 

1-                     فعلى مستوى التصور: جاء بعض قادة "الإصلاح" أيام الميثاق الوطني، وتدبيرا لأزمة قلة الأطر والفضاءات، قالوا إن مادة العلوم الفيزيائية كغيرها من المواد، وبالتالي لا مبرر بأن تحظى بشيء يميزها عن غيرها ولا ينبغي، خاصة وأن التلميذ في مجرد المرحلة الإعدادية والاستكشافية لمختلف المواد ولم يتخصص بعد في أي منها، وبالتالي ينبغي أن تتساوى عنده كل المواد، من هنا نقصوا عدد ساعاتها.. نقصوا معاملها إلى مجرد واحد يتيم، سنوا إمكانية حذف تدريسها بالتجارب عند غيابها، وحذف تفويجها استثناء عند الاقتضاء، الجرم الذي أصبح في ما بعد قاعدة مضطردة؟، ارتفاع عدد التجار في الكتاب المدرسي دون أية ميزة خاصة غير موضة الأسماء؟، تجاوزوا التعليمات الرسمية والإطار المرجعي رغم ما كان يقع من التذبذب بين التدريس بالعربية والفرنسية؟، وهكذا.. وهكذا.. حتى أصبحنا اليوم وكأننا أمام مادة استئناسية أدبية لا أساسية ولا علمية؟.

 

2-  على مستوى جو الممارسة المختبرية: وقد تحكم فيها توجهين أو ثلاثة، أولهما قضى بالتقشف وعدم الانفاق على تجهيز المختبرات بالعتاد التجريبي ووسائل الإيضاح على أهميتها البالغة وكونها نقطة انطلاق كل شيء في العلوم التجريبية مثل علومنا، التوجه الثاني نظرة أمنية ضيقة تقضي بالحذر من المواد الكيميائية التي تمكث في المختبرات وما قد يصل إليها من أيادي المستثمرين في عمليات الإرهاب المدمرة؟، ما جعل الجميع أساتذة وتلاميذ يزهدون في كل ما قد يأتي من إضافات التجارب ويكتفون بدروس علمية جافة على السبورة (Physique sur le Tableau) بدون تجارب مثيرة للملاحظة والسؤال والحليل والتعليل؟، ومما ساعد على ذلك أيضا غياب أي تأمين للأستاذ في تعامله مع المواد المختبرية وخطورتها، ولا تعويضه عليها.. ولا حتى برمجة ساعتيها في استعمال زمانه، أضف إلى ذلك الخصاص المهول في عدد محضري المختبرات، وتعثر حماس الدعوة إلى تعويض التجارب العملية بالتجارب الافتراضية الرقمية وهو في بدايته، ذلك لغياب تلك الوسائل الرقمية وبرمجياتها في المؤسسات من جهة، وعدم الإحساس بالملموس والعملي في تلك التجارب البديلة من جهة أخرى؟. أما عن فرق البحث والابتكار والتجديد والإبداع في المؤسسات وعلى مستوى المديريات والأكاديميات، فمجرد كلام للاستهلاك والتمني؟.

 

         يحكي لي أحد أساتذة المادة أنه كان بداية تعيينه قبل حوالي ثلاثة عقود، ومن فرط ما كان يعطي الطابع التجريبي حقه ومستحقه في تدريس المادة، كان يقوم في كل حصة وفي كل فصل بستة إلى ثمانية مجموعات من التلاميذ للتجارب، ويدير كل ذلك بدينامية الجماعة وببراعة، ويكون مستوى الفهم عند التلاميذ ومستوى مشاركتهم عاليا، وينعكس كل ذلك في مستوى تحصيلهم العلمي وتفكيرهم المنطقي، ومستوى النقط التي يحصلون عليها ومستوى النجاح الذي يحققونه، بل مستوى القدرة على المتابعة في التوجهات العلمية دون صعوبات ولا هوس الساعات الإضافية؟، واليوم - مع الأسف - ينتهي به المسار نتيجة كل الاكراهات السابقة والمتفاقمة إلى تجربة واحدة يقوم بها هو ذاته أمام السبورة، والتلاميذ في شغبهم واكتظاظهم لا يبالون، وقد يرى منها بعض المنتبهين شيئا وقد لا يرونه .. وقد يقوم بدل كل ذلك بتجربة واحدة أخرى افتراضية رقمية إذا ما توفرت لديه آلة العرض (Data show) وأسعتفه لوازمها البرمجية النادرة وروابطها الكهربائية الميتة؟.



1-  وعلى مستوى الممارسة الصفية: أصبح الأستاذ يمارس تدريسه في ظل مذكرات مقيدة للمبادرة والعطاء والتجديد والإبداع.. ومع تلميذ - كان الله في عونه – مع ما يعانيه من تدني مستواه العلمي والمعرفي والتربوي واللغوي.. مع صدمة إعادة فرنسة المادة فلا يستطيع التعبير والتواصل كما كان يفعل أيام التدريس بلغته العربية؟. يسأله الأستاذ في الفرض الكتابي أسئلة ذات أجوبة اختيارية، نعم أو لا؟، فيؤشر الطيب على كلا الاختيارين؟، ويسأله الأستاذ حدد شكل الجسم، مربع أم مستطيل، أو مكعب؟، فيجيب الطيب: إنه مربع مستطيل يشبه المكعب؟. أما عن الاشراف التربوي فقد قرأت أنه قد بلغ أرقاما قياسية يستحيل معها كل شيء غير الكذب على الذقون ( 128/1 يعني مفتش واحد ل128 أستاذ)؟، وهكذا إذن،.. ضعف المستوى.. فرنسة المقرر.. اكتظاظ القسم بعدم التفويج.. غياب التجارب.. هشاشة التكوين والاشراف.. وننتظر النتيجة، وطبعا تأتي كما يخطط لها المخططون.. تكرار.. وتثليث.. وطرد واستعطاف وإعادة المطرودين.. في دوامة تزداد ولا تتراجع.. فاللهم لا شماتة؟.

 

2-  على مستوى الدعم والتواصل والاشعاع ونشر الثقافة العلمية: الحقيقة، أن أساتذة المادة والمشرفين على تأطيرها تربويا وعلميا، يتحملون أيضا جزء من المسؤولية رغم كل الاكراهات والتحديات،.. بدء من ضعف إلى غياب أي إطار قانوني ومهني يجمعهم كمهتمين وممارسين.. على غرار غيرهم في بعض المواد الأخرى في إطاراتهم المدنية المحلية والوطنية ولما لا الدولية؟، تأخذ على عاتقها كيفية النهوض بتدريس المادة عبر الممكن من الفرق التربوية والبحثية التجديدية.. الممكن من المنابر والوسائط والمنصات التفاعلية الثقافية التواصلية الاشعاعية، كمجلة متخصصة لتقاسم الخبرات والتجارب والبحوث تدعم طبعها الوزارة وأكاديميتها، أو موقع إلكتروني تفاعلي مع مختلف المستويات والفئات والهيئات، أو قناة أو صفحة رسمية ومفعلة في مواقع التواصل الاجتماعي؟. وصولا إلى ما يمكن إنشاؤه من أندية علمية بالمؤسسات التربوية لدعم تعلمات وعلمية وتواصل التلاميذ، واحتضان شغفهم في القيام بالتجارب وبحوثهم في بعض الظواهر والإشكالات.. ومحاولات تركيبهم للممكن من الأجهزة والمركبات؟. إلى غير ذلك مما يدعم نشر الثقافة العلمية في المؤسسات وتعميمها في المجتمع؟.

 

          ويبقى أن تدريس هذه المادة العلمية التي هي العلوم الفيزيائية، لها أهمية كبرى في حياة التلاميذ وتشكيل عقولهم ومنطقهم في التفكير والتعامل مع المواقف والمستجدات والظواهر الحياتية والأشياء التقنية والآخرين، وهي مادة تستعمل في كل جوانب ومجالات الحياة وبشكل يومي مكثف، وهي من صميمها في كل شيء.. في تحديد الأشكال وقياس المسافات..  في الموازين والقياسات.. في أدوات الكهرباء والآلات.. في الألوان والصباغات.. في المواد والصناعات.. في الخلائط والفلزات والأشابات.. في حركات السيارات وأنواع الطاقات.. في.. في.. وفي؟.  ويحكي تاريخ الدول المتقدمة أنها ما تمكنت من نهضتها إلا عندما جعلت الثقافة العلمية ثقافة شعبية بدل الجهل والخرافات والتفاهات والفضائح والإشاعات..؟، فهل انتهى دور العلوم الفيزيائية في المجتمع ولم نعد نحتاج إليها في معرفة ظواهر الماء والهواء.. الضوء والكهرباء.. الخلائص والخلائط.. الاحتراقات والاختناقات.. الطاقيات والفلكيات.. الالكترونيات والروبوتات.. الرقميات والمعلوميات؟.  بلى، إنها الحياة.. روعتها وقبحها.. منطق عقلها وخفقان قلبها.. تفاعلاتها وتحولاتها.. أمنها وسلامتها.. عقرب ساعتها وبوصلة توجهها.. شمس ضيائها ورقاص نهضتها.. فمتى نعيد لتدريسها اعتباره اللائق.. كيف و متى وبأي مدى وهو اللازم والمطلوب؟.

الحبيب عكي


اقرء المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المشاركات الشائعة