Top Ad

الأربعاء، 11 مارس 2026

http://akkioasisdesarticles.blogspot.com/

الأسرة.. وكيف تدبر اختلاف أجيالها في رمضان

      يقصد باختلاف الأجيال تفاوتها من حيث الأعمار والمعارف والتجارب والقدرات واختلافها من حيث الأجناس والاهتمامات والحاجات..، مما يجعلها في حاجة إلى قدر من التوافق الأسري ونوع من التواصل والتفاهم والتعاون الذي يضمن للأسرة ككل حظها اللازم من التماسك والاستقرار والراحة النفسية والسلامة الجسدية لكل أفرادها على اختلاف أجناسهم وأعمارهم ومراكزهم الأسرية وأدوارهم ومكانتهم الاجتماعية. وقد يمتد هذا التوافق الأسري ليكون لبنة أساسية يساهم فيها الجميع من مكانه وبإمكانه من أجل تعزيز روابطها الاجتماعية وتحقيق أهدافها الأسرية والمجتمعية ونجاح علاقاتها في ما بينها بل في ما بينها وبين محيطها من الأقارب والجيران والمعارف ومن تتعامل معهم في شتى أغراضها، حيث تسود بينهم المحبة والاحترام المتبادل والتعاون الممكن بدل التجافي والقطيعة والتوتر والتفكك والصراع الحالق أحيانا؟.

 

       ولا شك أن التوافق الأسري بهذا المعنى يكتسي أهمية قصوى في المجتمع ككل، لا في رمضان ولا في غيره، وخاصة في مؤسسة الأسرة باعتبارها كما يقال نواة المجتمع وبمثابة البيئة التي يتنفس فيها الأفراد منذ نعومة أظافرهم كل المعارف الجميلة ويتشربون كل القيم النبيلة والمعايير الموحدة والموجهة والميسرة للتعامل الفردي والجماعي بين الآباء و الأبناء و الإخوة والأخوات والأقارب والأصدقاء، فإذا كانت بيئة صافية المياه نقية الهواء مسالمة الكائنات متعايشة متآزرة، اطمئن على أفرادها وسلامة نموهم وتطورهم الفكري الوجداني والعاطفي والنفسي كما الجسدي البدني العضلي وهو المحرك المنفذ لكل الرغبات والأحاسيس، وإذا كانت هذه الأسرة مفككة موبوءة ملوثة خيف على يراعها قبل يراقها وفراشها من التلوث والاختناق ومن كل أنواع الاحتباس المزمن والتفكك المدمر والهشاشة البنيوية والروابط الممزقة التي لا أسرة تبقي ولا أفراد صالحين مصلحين تنتج؟.

 

       ترى، ما هي معيقات هذا التوافق الأسري خلال رمضان وفي غيره؟، كيف يمكن تحقيقه وتنميته في أسرنا وفي الممكن من محيطها القريب والبعيد؟، ما دور رمضان في كذا مشروع تربوي واجتماعي هام وأساسي؟.، أيهما أهم، صوم رمضان كما نريد وإن غضب من غضب أم صومه والحفاظ على العلاقات كما ينبغي وعدم الإخلال بالمسؤوليات والضرر بالمؤسسات؟، لأنه في الحقيقة، وعلى عكس ما يعتقد الناس من أن أجمل شيء في رمضان هو جوه الأسري بامتياز، لكون الأسرة تجتمع فيه على مائدة واحدة، وتتمكن من إحياء ما بينها من أواصر المحبة وحقوق الأخوة ورحم القرابة، فتتاح لهم فرص ثمينة لعلاج ما لا يعالج ومناقشة ما لا يناقش في زحمة ودوامة الأيام، وقد يتمكنون كذلك من ممارسة بعض العبادات الجماعية المشتركة كتلاوة القرآن والصلاة الجماعية التي يبدو الجميع قابلا وفرحا بها، مقبلا وحريصا عليها، متعاونا فيها، وهذه أشياء مهمة خاصة في زمننا زمن شرنقة الفردانية وأسر العالم الافتراضي وقتا وفكرا، سلوكا ومزاجا أكثر من الواقع؟.

 

      إلا أن هناك ما قد يعكر هذه الأجواء الأسرية الرمضانية ويحولها من عبادة خالصة إلى مجرد طقس ملزم ينخرط فيه الجميع برغبات متفاوتة وحماسة زائفة غير خالصة، إن لم يكن في بعض الأحيان كارها لها أو على الأقل مفضلا لشيء آخر غيرها وهو في نفس الوقت مباح وربما أهم بالنسبة إليه. وقد نجد لذلك أسبابا موضوعية كثيرا ما يتم تجاهلها وإن بقيت متقدة متنامية كالنار تحت الرماد لا تلبث أن تتقد فتحرق قبل أن تنحرق، ونذكر من ذلك:

 

1-  تفاوت الأجيال واختلاف التمثلات: بين من يرى رمضان هكذا ومن يريده غير ذلك، والحالة هذه، يأتي من يفرض رأيه واختياره على الجميع، ويجعل رمضانهم على ما حبب إليه هو لا ما توافق عليه مع الآخرين، إفطارات دائمة مثلا، وصدقات أو خرجات وسهرات أو أورادا وتهجدات..، دون مراعاة لميولات الآخرين واهتماماتهم وظروفهم وقدراتهم؟.

 

2-  تعدد السلطات ومراكز القرار داخل الأسرة: أو احتكارها من طرف الكبار حتى لو همت الصغار، أو تضاربها أحيانا بين الآباء والأمهات، رغم أن الأجواء العامة في الخارج والعالم الافتراضي قد تكون في يومنا هذا هي من تقرر في الحقيقة ووقد تكون هي في تضارب مع الأسرة، مما يجعل المحرومون يبحثون عنها خارج الأسرة طبعا؟.

 

3-  اختلاف الأذواق وتفاوت القابليات: وهو أمر مشروع ما لم يمس فرض الصيام في حد ذاته وما أوجبه الله له، ويبقى الصيام سويعات معدودات وما بعدها طيف واسع من المباحات، من العبث أن نجعلها مباحا واحدا وأوحد قالت به مرجعية ما أو لم تقل به؟. فكيف ندبر اختلاف الأذواق في الأكل مثلا، بين التقليدي والعصري والبيتي والشارعي  والمعد البارد والمحمول الجاهز.. في معركة أجيال حضارية ضارية بين "الطاجين والحريرة" و"الطاكوس والليموناد"؟، من يأكل وشرب هذا ومن لا يأكل ولا يشرب ذلك،هل يسعنا تدبير الاختلاف أولا، وهل يستوعب إمكاننا ذلك؟، هل لدينا بعض من البدائل وشيء من الاقناع، أو مجرد "هاد الشي اللي كاين واللي ما عجبوا حال ينطح راسو مع الحيط"؟.

 

4-  تنوع الوضعيات الاجتماعية في الأسرة الواحدة: ممن تضطرهم الظروف للعيش مع أقاربهم من آباء وأبناء وإخوة وأخوات، من معطلين وعانسات، ومسنين ومدمنين، وذوي حاجيات خاصة أو أمراض مزمنة..، لابد من مراعاة وضعياتهم النفسية وقدراتهم التحملية علهم يجدون في رمضانهم ما يرتاحون له، ومنهم المحتاجون من الأقارب ممن تنبغي صلتهم وتخفيف حاجتهم قدر المستطاع.

 

5-  الجو العام السائد في المجتمع: والذي يغذي الإعلام الفاسد جوانبه السلبية أكثر من الإيجابية، من هنا إشكالية التعامل مع رياحه المساندة (رمضان العبادة) ورياحه المعاكسة (رمضان العادة)، فقد يطفئ المرء تلفازه في بيته وتتفرج فيه ابنته عند الجيران، وقد يمنع المرء بعض الترفيه المباح في داره ويسهر ابنه في ملعب الحي أو في المقهى و الشارع مع الأصدقاء إلى الفجر..؟.  

 

6- المناخ الدولي الذي يعكر على الناس أجوائهم الروحانية: كالحروب المدمرة هذه الأيام على "غزة" فلسطين و"طهران" إيران، مما أشعل الفتنة في كل ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط العربي، وجعل قضايا الأمة تتصدر الأحداث، ومن الوحدة الإسلامية أن يهتم المسلم بأمر إخوانه المسلمين في كل مكان، ويسعى جاهدا لرفع الظلم عنهم وعدم مساندة المعتدي الصهيو- أمريكي بأي كان، لأن الحرب في الحقيقة حرب سرطان خبيث لن يدمر العضو الذي تسلط عليه وحده بل كل أعضاء الجسد الواحد؟، وها نحن نرى كيف للهيب هذه الحرب أن طال سعاره نفسياتنا و ودراسة أبنائنا وغلاء أسعارنا وإحراج أنظمتنا واضطراب حرياتنا الاحتجاجية وانقطاع أسفارنا الدولية..، فإلى الله المشتكى؟.

 

ليس من السهل إذن أن يصوم الجميع رمضان في غياب أو ضعف التوافق الأسري بين الأجيال، مما قد يجعله رحمة على البعض ومعاناة على البعض الآخر، بل قد تكون لتلك المعاناة ما بعدها تعلق الأمر بالمعتقدات أو بالتصرفات والمواقف والمعاملات الآنية والمستقبلية، ويزداد الإشكال تعقيدا أن كل الأطراف من المتشددين أو المتفلتين يتجرؤون ويحملون رمضان مسؤولية تصرفهم المجانب للصواب، ومن أجل تخفيف حدة هذا التقاطب المشين، ومن أجل رمضان أسري يسعد به الجميع، ويزيد من درجة المحبة والتماسك والتعاون بين كل أفراد الأسرة السعيدة، نقترح ما يلي:

 

 

1-  بعض المراجعة الجماعية لأهم فقه الصيام: بأي شكل متاح، حتى يتم تحريره من الغلو في العبادات والاستسلام للعادات، فيكون أمرا مرجعيا وسطيا يسع الجميع.

 

2-  الحرص قبل كل شيء وبعده على الاحترام المتبادل: بين كل الأشخاص في الأسرة، واعتبار أجناسهم وأعمارهم، أحوالهم وظروفهم، ميولاتهم وقدراتهم حق الاعتبار، فالله تعالى قد شرع الأعذار لأصحابها وخفف عنهم.  وترك أمر العباد لرب العباد، ولا يسأل المرء إلا عن نفسه وأهله: ومدى إعطائه القدوة بينهم، وتبقى كل الأمور التي تهم الآخرين، إنما هي دعوة، وبالتي هي أحسن: "ادفع بالتي هي أحسن".

 

4-  لابد من الحد الأدنى من تحقيق مسؤولية الانتماء للأسرة: بما فيها من الحقوق والواجبات، مع ما يستلزمه ذلك من قيم التشاور والتعاون على إنجاز بعض الأعمال والقيام ببعض العبادات الجماعية المتوافق عليها، خاصة مع الأبناء والبنات ومن باب التدريب والاستئناس والتشجيع والمواكبة، فكم نرتاد معهم من المساجد؟، وكم ندخل معهم من المطابخ؟، وكم نرافقهم إلى المتاجر والأسواق قبل الأندية والجمعيات؟.

 

5- احياء الذاكرة الجماعية للأسرة: من تكون هذه الأسرة وكيف تعيش وفي أي وسط؟، ما تاريخها وتاريخ أجدادها وحاضر أبنائها؟، ما قيمها ووازعها الديني وعلاقاتها القرابية؟، أي قيمة مضافة لها في الحي أو اتجاه قضايا الوطن والأمة؟، ما إنجاز أبنائها وما طموحهم، ما مشاكلهم وما تجاربهم وما مقترحات حلولهم حسب الأولويات والإمكانيات، أي روابط تعاونية بينهم وما دور القيم الأخلاقية حتى في مشاريعهم الدينية التكوينية والتأهيلية الدنيوية؟، أي قدرة لهم على التكيف مع الوضعيات واحترام الخصوصيات والقدرة على الحوار والتواصل رغم ما قد يكون بينهم من الاختلافات؟. فكثيرا ما نلوم الأبناء على هشاشة انتمائهم إلى أسرهم، ولكن، كيف سينتمون إلى شيء يفقد أمامهم معالم ذاكرة واضحة ولا يختصهم بمهام وحقوق و واجبات أيضا واضحة؟.

 

6-  تسجيل الحضور الدائم داخل البيت وبعض التنوع اللازم والمتاح في الأنشطة: آباء وأبناء، خاصة في أوقات بعض البرامج الجماعية المشتركة، أو التكليف بمهام منزلية محددة فردية أو جماعية، أو لمجرد الجلوس مع الأهل والأبناء، فلا يليق أن يفتقدونا دائما في المقاهي والملاهي أو حتى في الأنشطة الاجتماعية المكثفة؟. لدرجة أن أحد الأبناء الفطناء وجراء هذا الغياب المفرط لأبويه الفاعلين عن المنزل، توعدهما وأقسم لهما بأغلظ الأيمان بأنه عندما سيكبر سيتزوج امرأة لا تعرف لا معنى العمل الاجتماعي ولا باب الجمعيات؟. وخلال تواجدنا في البيت لا باس ومن الممكن أن نمارس  بعض التنوع اللازم والمتاح في أنشطة رمضان الفردية والجماعية، بين ما هو علم وتعلم وعبادات وزيارات وأعمال اجتماعية لازمة وترفيهية مباحة وغير ذلك من حاجيات الناس الفكرية والنفسية.. الروحية والجسدية التي تمنحنا التوازن والقوة المطلوبين في كل شيء وعلى الدوام.

 

في غير رمضان، بعض الأسر إذا صام فيها الآباء الأجر، لا تكاد توقد النار في ذلك البيت طوال النهار، لأن الكبار صائمون؟. وفي رمضان لا أدري بماذا يفطر الصغار في بعض الأسر غير بعض البقايا والفتاة البارد مما تبقى من الليل؟. ومن لا يصومون من ذوي الأمراض المزمنة المتقدمة، ألا يصومون أحيانا إلا عن الماء والأدوية؟، كثيرة هي التمثلات السلبية التي تلصق برمضان في وقتنا المعاصر، وهي من جهة افتراء وظلم وعدوان ينم عن جهل مركب، ومن جهة أخرى جراء بعض تصرفاتنا الخاطئة في رمضان، وهو المفروض أن نحرص فيه على التقوى كما أمرنا الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون "البقرة/183، والتقوى أن نؤتي كل ذي حق حقه، لا نَظْلِمُ ولا نُظْلَمُ، فاحرص أخي/أختي وفقك الله على التوافق في أسرتك وابذل كل شيء لتحصينها من صراع الأجيال، تحرص/وتحرصين على تكوين وتدبير أسرة رائعة مستقرة.. متماسكة منتجة.. حامية موجهة.. بيئتها نقية صافية وقيمها جامعة بانية وعيشها عيش جماعي ولا أرغد؟.

                                                                                              الحبيب عكي


اقرء المزيد

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

المتابعون

المشاركات الشائعة